رجل ومعركة: بن عبد الكريم الخطابي في مائوية أنوال

المساء اليوم – ح. اعديّل:

عندما رأى محمد بن عبد الكريم النور سنة 1882 في قرية أجدير في قبائل بني ورياغل، فإنه سلك ما كان يسلك أقرانه في ذلك الوقت. رباه والده تربية دينية وحفظ القرآن وتلقى مبادئ الدين واللغة العربية، ثم ذهب حيث كان يذهب الجميع، إلى فاس، التي كانت في ذلك الوقت مهد العلوم ومستقر العلماء، التي حل بها عام 1902، وبقي فيها ثلاث سنوات تزود فيها بما يلزم من العلم الشرعي، قبل أن يقفل راجعا إلى أجدير، هذه القرية التي سينطلق منها لصنع تاريخ خاص، ليس للمغرب فقط، بل لكل الشعوب التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار.

بعد أن عاد محمد بن عبد الكريم من فاس إلى أجدير سنة 1904، فإنه لم ينتظر أكثر من سنتين لكي يقوم بأول مهمة دبلوماسية في حياته وذلك عندما عاد إلى فاس مرة أخرى سنة 1906 حاملا رسالة من والده إلى السلطان حول ثورة الجيلالي الزرهوني، الذي عرف بين عامة المغاربة بلقب بوحمارة.

احتكاك بن عبد الكريم الخطابي بالإسبان كان مبكرا، ذلك أن والده كان يشغل منصبا كبيرا في القضاء الشرعي في مدينة مليلية، وسار الولد على خطى والده عندما التحق بدوره بمليلية حيث اشتغل بتدريس العربية والأمازيغية، وكان يعلم الجنود والضباط الإسبان العربية والأمازيغية، ثم اشتغل محررا للصفحة العربية لجريدة “إيل تيليغراما ديل ريف”، التي كانت تصدر في المدينة، قبل أن يدخل بدوره مجال القضاء الشرعي.

في مليلية تمرس الخطابي بشؤون السياسة واقترب أكثر من دوائر القرار وسبر أغوار السياسة التي كانت تسلكها إسبانيا في شمال المغرب، خصوصا وأن مليلية، التي احتلها الإسبان قبل خمسة قرون، كانت نقطة انطلاق السياسة الاستعمارية في كل شمال المغرب. لقد كانت بالفعل قلعة تنطلق منها السياسات والقرارات والمدافع والفيالق العسكرية، وربما لهذا السبب سيلوم البعض في وقت لاحق المجاهد بن عبد الكريم لأنه لم يقتحم أسوارها بعد الانتصار في أنوال.

لم يكن عبد الكريم الخطابي، والد محمد، يرى في البداية كبير ضرر في الحماية الإسبانية على شمال المغرب. بل ربما رأى فيها إيجابيات تكمن في إمكانية مساعدة إسبانيا للمنطقة من أجل الخروج من عزلتها التاريخية والمساعدة في بناء الكثير من المرافق والبنى التحتية التي كانت تفتقر لها المنطقة بشكل كبير. وكان يرى أن إسبانيا أضعف من أن تكون قوة استعمارية جبارة تخضع منطقة الريف، لذلك حاول أن يأخذ منها ما يفيد، وهذا ما جعله في البداية محط نقمة بعض الريفيين، فقد كانوا يرون فيه متعاونا مقيتا، قبل أن تتغير الأشياء بعد ذلك بشكل جذري.

في مراحل عمره الأولى عرف بن عبد الكريم باسم القائد موحند، أو السي موحند، وبعد ذلك الفقيه السي موحند، أو مولاي موحند، وعندما كان الخطابي في الثالثة والثلاثين من عمره دخل سجن مليلية بسبب آرائه السياسية، وهو السجن الذي قضى فيه عاما واحدا، وحاول الهرب مما أدى إلى إصابته في رجله وهو ما أصابه بعرج خفيف لازمه سنوات طويلة. ويقول البعض إن الرجل كانت له آراء تنحو نحو التعاطف مع الدولة العثمانية، وآخرون قالوا إن إهانة شخصية وجهت لوالده من طرف إسبان جعلته يحسم أمره في النهاية ويقول إن هؤلاء الإسبان يجب ألا يبقوا هنا طويلا… وآخرون قالوا إن والده مات غدرا بواسطة السم من طرف عملاء لإسبانيا، وأنه قبل أن يموت طلب من أولاده أن يغادروا الريف إذا لم يستطيعوا الدفاع عن ترابه.

في تلك الأيام لم تكن الأمور سهلة ولم تكن الحرب ضد الإسبان مسألة رومانسية كما يتخيل الكثيرون، فمنطقة الريف كانت تعيش تحت وطأة معضلة كبيرة وهي التنافر بين القبائل والتناحر بين زعمائها. هكذا كان يجب على بن عبد الكريم أن يخوض الحرب الحقيقية، حرب الوحدة، التي لا بد منها قبل أن يجابه الأعداء الخارجيين. لذلك جمع شتات القبائل ووحد زعماءها. كان يعرف جيدا أن مواجهة الإسبان ستكون مستحيلة في ظل التفرقة، لذلك استهلك الكثير من الوقت والجهد في لمّ شمل القبائل وتوحيد صفوف زعمائها حتى توفر النصاب.. نصاب النصر النفسي الذي يقود حتما إلى النصر العسكري.

هكذا قضى محمد بن عبد الكريم الكثير من الوقت في حشد تضامن كان من المستحيل أن يسير إلى النصر من دونه. ولأنه يعرف أن تجميع القبائل لن يتم من دون حافز، فإن الانتصارات الكثيرة التي حققها قبل أنوال في عدد من مناطق الريف كانت عاملا مهما من أجل حسم كثير من القبائل في مسألة الوحدة.

وفي الوقت الذي كان الخطابي يجمع صفوف القبائل، فإن الإسبان كانوا يعتقدون أن سيطرتهم النهائية على شمال المغرب قد تمت إلى الأبد، ولم يكونوا يدركون أن عشرات الآلاف من الجنود والجنرالات الذين انتشروا في المنطقة لن يستطيعوا حماية سمعة وهيبة إسبانيا التي تمرغت في الوحل في أنوال وفي معارك كثيرة جرت قبلها وبعدها.

كان الكثير من القادة العسكريين الإسبان يعتقدون في البداية أن السيطرة على شمال المغرب ستكون نزهة رومانسية، لذلك فإن الكثيرين كانوا يفضلون المجيء إلى المنطقة عوض تجنيدهم في بلدان أمريكا اللاتينية أو في مناطق أخرى، وهؤلاء لم يكونوا يتوقعون أن رومانسيتهم العسكرية ستصطدم بواقعية حربية رهيبة.

وصل الخطابي إلى زعامة الريف وخاض معركة أنوال وهو في التاسعة والثلاثين من العمر، وفي الأربعين من عمره أعلن قيام “جمهورية الريف”، وهي الجمهورية التي لا يزال الكثيرون يحارون في تفسير دواعي نشأتها والغرض منها.

وضعت “جمهورية الريف” محمد بن عبد الكريم الخطابي في موقف مختلف تماما عندما اعتبره العرش المغربي منشقا، بينما يقول مؤرخون إن تلك الجمهورية كانت الطريق الأوضح من أجل تحرير كامل التراب المغربي من الاستعمار الإسباني والفرنسي.

خلال مقامه الطويل في القاهرة، ظل محمد بن عبد الكريم الخطابي مرتبطا بأخبار المغرب حيث تابع عن قرب مفاوضات “استقلال” المغرب، وهي المفاوضات التي عارضها بشدة، ونقل عنه قوله إنه لو قيّض له أن يحمل السلاح مرة أخرى ليقف في وجهها لما تردد لحظة.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )