المساء اليوم: حُسنية أسقال
تمكنت الدبلوماسية المغربية من خلق المفاجأة في الأسابيع الأخيرة، فما بين مدريد وبرلين، استطاعت الرباط خلق الحدث في أوساط السياسيين والمراقبين من خلال طريقة تعاطيها الجديد مع الملفات التي تمس مصالحها وأجنداتها السياسية والأمنية والاقتصادية، وكأنها تضع بذلك قطيعة نهائية مع دبلوماسية اِرْتَأى الجيل الجديد من الفاعلين أنها لم تعد تجدي نفعا، و لم تعد تليق بمغرب العهد الجديد.
المتابع لأداء الدبلوماسية المغربية وردة فعلها إزاء التطورات والمنعطفات التي مرت بها أزمتيها مع مدريد وبرلين، لا يمكنه إلاَّ أن يجزم بحصول تغيير جذري في أساليب وآليات اشتغال دبلوماسيتها، فالرباط لم تعد توظف علاقاتها ومصالحها المتشابكة مع القوى العظمى من أجل حشد الدعم لصالح أجندتها وقضاياها، بل العكس، أصبحت تحدد معالم هذه العلاقة بناءا على مواقف هذه القوى والدول من مصالحها ومطالبها، وخصوصا ملف الصحراء ووحدتها الترابية، بنهج يطبعه الهدوء والثقة والاتزان.
الرباط ومدريد وما بينهما
“العلاقات مع المغرب لن تتأثر”، تصريح للخارجية الإسبانية بعد الاحتجاج القوي للرباط لاستقبال مدريد زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، بشكل سري وبهوية مزورة، قصد العلاج في مستشفى سان خورخي بلوغرونيو.
علاقة المغرب بجارته إسبانيا يحكمها الكثير من المد والجزر، لأسباب تاريخية وأخرى اقتصادية أو بسبب اتفاق الهجرة الذي يجمعهما، الرباط ترغب بعلاقة أقوى من “أن تتحول لدركي يحمي حدود أوروبا”، وفق تصريحات سابقة لوزير الخارجية ناصر بوريطة، فالمغرب يعدّ بلدًا مهما جدا لإسبانيا تربطهما مصالح استراتيجية، خاصة الاقتصادية منها والأمنية، علاقة تتسم باستقرار مشوب بالحذر ومعرّضة للتأثر السريع على وقع قضايا ذات حساسية مفرطة للجانبين، أبرزها ملف سبتة ومليلية، والصحراء المغربية.
المغرب يضع نقطة نظام في علاقته بألمانيا
الزوبعة التي أثارتها الرسالة التي “سُرّبت” عبر مواقع ووسائل إعلام مغربية، لوزير الخارجية بوريطة، والتي يطلب فيها من الحكومة عدم الاتصال بالسفارة الألمانية ومؤسسات التعاون والتبادل السياسي والثقافي، تعكس حجم المفاجأة التي أحدثتها في الأوساط السياسية والإعلامية بألمانيا، والتي وصفت محتواها بـ”الفريد وغير المسبوق”، مشيرين إلى أن الخطوة وتوقيتها بالخصوص، “قد اٌختيرت بعناية من قبل الرباط، وهي محاولة لوضع نقطة نظام في مسار علاقات البلدين، بعد سنوات من الأزمة الصامتة، وظهور مؤشرات على تباعد في وجهات نظر إزاء ملفات استراتيجية على الأصعدة المغاربية والأفريقية والأوروبية”.
فألمانيا التي تعتبر صديقا تقليديا للمغرب وتخلو علاقاتها معه من أي نزاع، وجدت نفسها لأول مرة في مواجهة أزمة غير مسبوقة مع الرباط. أوساط دبلوماسية رأت أن تحرك الرباط تجسيد حي لرؤيته الدبلوماسية الجديدة، وملخصها “لا تساهل مع الأجندات التي تُعادي الوحدة الترابية للمملكة، ولا التنازل عليها بأي شكل من الأشكال”، دبلوماسية تتحدث بشكل مباشر مع تسمية جميع الأمور بمُسمياتها، بلغة دبلوماسية واضحة ومفهومة غير قابلة للتأويل.
خبراء ألمان بالشأن المغربي، رأوا أن “سلوك المغرب دليل على ثقة جديدة بالنفس نمت مؤخرا على خلفية التقدير الذي حظيت به الرباط، من طرف الإدارة الأميركية وإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، والدور الرئيسي الذي يلعبه المغرب في الحد من الهجرة من شمال أفريقيا إلى أوروبا، إضافة إلى الدور القيادي الجديد والمتنامي بشكل متواصل في إفريقيا التي توجه إليها 70% من استثمارات المغرب في الخارج”.
التعامل الدبلوماسي مع مدريد وبرلين يرسخ تبني المغرب لنهج جديد في سياسته الخارجية، معياره المصلحة الوطنية، في قطيعة مع حقبة التبعية والولاء للأحلاف التقليدية، دبلوماسية ترفض الابتزاز فيما يتعلق بملف الوحدة الترابية، متسلحة بموقع المغرب كشريك استراتيجي مهم مستقل التوجهات والتحالفات، سبق أن خذله حلفائه “التقليديون” في قضيته الوطنية وفي مسائل إقليمية أخرى.

