*سميرة مغداد
كان صيفا قد لا يتكرر، أو لعله سيتكرر كثيرا بذاك التدفق الهائل من البشر السائحين والمصطافين الذين أفرغوا مالهم وحرارة الجو في كل البحار والمحيطات.. صيف لايشبه صيف كورونا حيث الإغلاق التام و الناس قلائل.
كان صيفا لايشبه الصيفات التي مرت.. البحر الآهل بالسكان والسياح والعابرين والبائعين. كان خانقا لدرجة قد يصيبك الحنين إلى أيام الفراغ الكوروني العظيم. الأدهى في كل هذا الحر والازدحام أن يصيبك القمل على حين غرة .. أن تكتشف دون سابق إنذار قملا يعيش في شعرك. أمر مرعب جدا وحدث يستدعي أن تتأهب له وتوفر له طاقتك واحترازاتك القصوى لكي لا تنتشر العدوى. لم يصب أحد غيري، ولم أستطع تحديد السبب في حينه. معركتي دامت اسبوعا متقطعا والحكاية طويلة… لكن القمل وطقوس التعامل معه أعادني إلى زمن الطفولة وإلى أيام الصبا التي كنا نطارد فيها القمل أو”ثشين” بالريفية.. لم يكد يخلو بيت في الريف من نساء يقتلن الوقت بقتل القمل، يجلسن القرفصاء ويفرشن رداءا أو غطاء رأس أبيضا لتبدأ تمشيط الشعر بالمشط البلدي لإسقاط القمل وقتله. عملية محاربة القمل كانت تتحول الى تسلية مع أطفال العائلة في زمن عزت فيه وسائل اللعب، وأنت تسمع جدتك تطقطق القملة بعناية على المشط وتشتمها أحيانا بكلمات عنصرية.
أذكر حتى في المدن كان القمل يعيش بيننا في أمان، كنا حين نذهب لزيارة أحد افراد العائلة نجد الجدة، مثلا تزجي الوقت وهي تمشط شعرها بعناية وتحكي حكايتها مع اصطياد القمل. آخر عهدي بالقمل كان منذ ازيد من 20 عاما حينما وجدت بالصدفة قملة محترمة على رأس ابنتي التي لم تتجاوز الأربع سنوات.. كان الموضوع مخيفا بالنسبة لي، وكان ذلك بسبب إصابة مساعدتنا الشابة الجميلة الجديدة، التي لم تكن تنزع غطاء راسها ابدا..وقبل ذاك التاريخ أذكر كيف كانت والدتي حريصة على نظافة شعورنا الطويلة دائما التي كانت رطبة وبراقة بلون الحناء، والتسريحة الخالدة بالظفيرة او “كوكا كابايو” ذيل الحصان..
فيما أذكر أننا في الابتدائي حين درست لمدة عامين تقريبا بمدينة الجديدة، كان يمر رجل يحمل مضخة يرش بها شعر التلاميذ لمحاربة القمل. كنت من التلاميذ القلائل الذين استثنوا من هذا الرش، والسبب هو أن المعلمة طارق، و هذا هو الاسم الذي أذكره، كانت معجبة جدا بشعري الأحمر الطويل البراق.. مع ذلك أصابني قمل وهو الأمر الذي اغاظ والدتي التي أتذكر كيف بكت وهي تنظف شعري في الحمام بحدة.. لم ترض عن نفسها أن أكون “مقملة” وكأنها كانت تعاتب تقصيرها، لكن الحقيقة في الإصابة بالقمل أنه لايعني أبدا قلة نظافة بل هو بخوش سريع العدوى.. أما عني ذات الصيف الماضي، اكتشفت أنه أصابني من صالون حلاقة كان يستقبل حشودا من المصطافات.
رحل القمل عني ولم يرحل حنيني إلى أزمنته الخالدة، حين كانت نساء العائلة تدعوك لتوسد رجلها لتدشن عملية التفتيش عن القمل ولو افتراضيا للتسلية، فتترك تلك الملامسة الحنون لرأسك، اثر رعاية خاصة تستحضرها في هذا الزمن الأعوج الذي غابت فيه التفاتات الحنان والجلسات الصادقة الحميمة. لاوقت للقمل.
زمن القمل كان أرحم من زمن القتل هذا الذي نحياه، حيث قتلنا بعضنا البعض جفاءا وأنانية. كنا نقتل القمل فعلا لقتل الوقت وللاستمتاع بنفس الأمهات والنساء الطيبات.
آخر خبر: القمل مفيد لصحة الشعر وكثافته، تجارب تؤكد ذلك وتحاول زرعه في الرأس لعلاج تساقط الشعر. لعلها تريد إعادة الإنسان إلى طبيعته ليكون إنسانا.
بشرى لنا..!
* مديرة مجلة “سيدتي” بالمغرب


تعليق واحد
لم يكن القمل يغزو “cola-caballo” الفتيات فقط بل كان في الخمسينيات من القرن الماضي يقطن في الألبسة و الاثوبة لعامة الناس حتى قال المعمر الإسباني و الفرنسي ، أنهما قاما باحتلال المغرب من أجل ” القضاء على القمل ” في بلادنا بل هم أيضا كانوا يعانون من هذه الحشرات ؛ التي رحلت معهم بعد حين بعد استقلال المغرب ، و لم يعد لهم وجود في فرواتنا و ألبستنا ، إلى أن جاءت ” كوفيد-19″ و فوجئنا بعودتهم إلى بعض المدارس ليعششن في فروة أطفالنا ؛ و لعل ذلك للذكرى السوداء التي لم نكن نملك لها أيامئذ الأدوية التي بمتناول أيادينا اليوم لإستئصالها …