المساء اليوم – ع. د:
صار من شبه المحتم أن معضلة “حومة الشوك”، أو حومة بنكيران بطنجة ستعرف طريقها إلى الحل بسبب تعقيداتها غير المسبوقة، فهي تشبه كثيرا الوضعية التي يعيشها سكان غزة حاليا، مع الفارق الكبير في المعاناة طبعا، لكن هناك الكثير من أوجه التشابه.
وإذا كانت غزة هي تجميع لسكان الكثير من المدن الفلسطينية التي سيطر عليها الصهاينة عبر عقود وهجروا منها أهلها الذين أقاموا مخيمات مؤقتة في غزة تحولت مع مرور الوقت إلى سكن دائم، فكذلك الشأن بالنسبة لحومة الشوك وغيرها في طنجة، التي هي تجميع لعشرات الآلاف من سكان مختلف المدن والقرى المغربية، والذين تجمعوا في الحي بشكل عشوائي قبل أن يصبح واحدا من أكبر الأحياء العشوائية بالمغرب.
وعندما ظهرت شركة تطالب بأرض حومة الشوك، ومساحتها 14 هكتارا، فإن الكثيرين تحدثوا عن كون أصحاب هذه الشركة يهود عائدين من إسرائيل يطالبون بأرض لم يزورها منذ عقود طويلة. لكن الحقيقة أن هذه الأرض بيعت أكثر من مرة، حتى وصلت إلى يد ملاكها الحاليين، والذين يطالبون حاليا بإفراغها من سكانها واستعادة الأرض عارية “كما ولدتها أمها”.
لكن هذا الاحتمال صار ضعيفا جدا، لأنه في حال تطبيقه على عموم طنجة فإن المدينة قد تفرغ من سكانها وقد يتم هدم ثلاثة أرباع طنجة، لأن الأحياء العشوائية أو الأراضي السلالية التي تم نهبها تصعب على العد.
والغريب أن جهات ما تروج بين سكان حومة الشوك بأن أصحاب الأرض يهود عادوا من إسرائيل، في محاولة لاستغلال التعاطف الشعبي الجارف مع غزة من أجل إخفاء المسؤولين الحقيقيين على نهب هذه الأرض، وهم مغاربة ممن يلقبون بالصهاينة الجدد، والذين يقفون عادة في الصفوف الأولى في المساجد خلال صلاة الأعياد والجمعة.
ويجري حاليا سباق ضد الزمن، ليس من أجل حل هذه المعضلة فحسب، بل من أجل البحث عن حل للشبكات المافيوزية التي نهبت أراضي حومة الشوك وجزأتها ومنحت رخص البناء، لأن الكشف عن قادة هذه المافيا سيقود إلى فضائح عقارية كبيرة في المدينة ستسقط فيها من الرؤوس أكثر من تلك التي سقطت في معركة وادي المخازن.
ووفق معطيات خاصة حصل عليها موقع المساء اليوم فإن المتورطين في هذه الفضيحة الكبيرة، وعدد منهم فارقوا الحياة وبقي ورثتهم، يحاولون دفع تعويضات كبيرة للشركة المالكة للأرض مقابل تجنب المحاكمة.
ويوجد من بين المتورطين في هذه الفضيحة الكثير من رجال السلطة اشتغلوا في طنجة لسنوات طويلة، من بينهم قياد وباشوات ومقدمين وعمالا وغيرهم، وسيكون من قبيل الخيال العلمي محاسبة كل هؤلاء ثم محاكمتهم لأسباب يعرفها الجميع. كما أن العشرات من المنتخبين ضالعين في هذه الفضيحة، وعدد كبير منهم لا يزالون يسيرون الشأن العام بطنجة، ولا يبدو أنه سيتم محاسبة أي أحد من هؤلاء، فالفساد في طنجة يسبق بسنوات ضوئية الفساد في باقي المدن المغربية، لأن مدينة ابن بطوطة تبدو خارج الزمان والمكان، وخارج القانون أيضا.
ومن بين الأمثلة التي تشبه حومة الشوك يوجد حي مسنانة، وهو حي رهيب نشأ على أراضي سلالية و أراضي تم نهبها من خواص، كما توجد أحياء كثيرة جدا في بني مكادة والعوامة ومغوغة والسانية وغيرها، والتي نهبتها مافيا العقار، وهي شبكات تضم وجوها “محترمة فوق العادة”.
والمثير أنه في كل هذه الأحياء توجد كثافة سكانية عالية، والتي تشكل خزانات انتخابية لمافيا الانتخابات، لكنها تشكل أيضا خزانات بارود حقيقية. ولا تختلف هذه الأحياء في تفاصيلها عن مخيمات اللاجئين التي بناها الفلسطينيون المشردون في غزة أو ضواحي المدن اللبنانية، ثم تحولت شيئا فشيئا إلى سكن قار، وتم مدها بالماء والكهرباء وتعبيد الطرق، حيث كانت الدولة هي الغبي الأكبر في هذه العملية، حيث تكتفي المافيا بنهب الأراضي وبيعها وتهريب الأموال للخارج، بينها تصرف الدولة الملايير من أجل تعبيد الطرقات ومد شبكات الماء والكهرباء والتطهير وغير ذلك.
وإذا كانت هناك الكثير من الأحياء العشوائية التي نهبها “المافيوزيون المحترمون” وحولوها إلى مخيمات لاجئين، فإن هناك أيضا الكثير من الأراضي التي نهبتها هذه المافيا وتوجد في مناطق ممتازة بالمدينة وبنيت فيها عمارات أنيقة يساوي سعرها ذهبا.
ومن المثير أن أغلب أعضاء المافيا يحولون أموال الأراضي المسروقة إلى الخارج ويشترون هناك فيلات وشققا وقصورا، خصوصا في الجنوب الإسباني، ولو أن الدولة الإسبانية كشفت عن المغاربة مالكي العقارات هناك لأصيب باقي المغاربة بالذهول، لأنهم سيجدون من بينهم أعوان سلطة ومنتخبين وموظفين بسطاء جدا تحولوا إلى مليارديرات بفعل هذا النشاط الإجرامي.
وفي انتظار نهاية سعيدة لفضيحة حومة الشوك، فإن مافيا نهب الأراضي والتجزيء السري لا تبدو قلقة جدا، لأن هناك الكثير من القضايا والفضائح المشابهة التي تفجرت في السابق ثم وجدت سريعا طريقها إلى الحل، بينما بقيت الشبكات المافيوزية خارج كل محاسبة، وهكذا كانت الأمور دائما في طنجة، وهكذا ستستمر.

