المساء اليوم – متابعة:
رفعت “اللجنة الجزائرية – الفرنسية المشتركة المعنية بالذاكرة والاستعمار”، تقريراً يتضمن 11 توصية بأفضل الطرق المؤدية إلى “مصالحة بين الذاكرتين”، وهي “العقبة الوحيدة”، في نظر قطاع واسع من المراقبين، أمام إقامة علاقات ثنائية طبيعية “لا تؤثر فيها رواسب الماضي الاستعماري”.
التقرير تم رفعه للرئيسين إيمانويل ماكرون وعبد المجيد تبون، ووقع عليه، عن الجانب الجزائري محمد الحسن زغيدي مدير “متحف المجاهد” سابقاً، والمؤرخ الكبير بنجامان ستورا عن الجانب الفرنسي، وهو جزائري المولد عاش في أسرة يهودية بقسنطينة قبل الاستقلال (1962)، وكانت اللجنة التي تعرف بـ”الخمسة زائدا خمسة”، والمكونة من 5 باحثين جزائريين في التاريخ، وعدد مماثل من باحثين فرنسيين، قد التقت في قسنطينة (شرق الجزائر) في الـ22 من نونبر الحالي، في أول اجتماع لهم منذ بداية المهمة العام الماضي.، وذلك بعدما سبق وأن التأمت مرتين عبر الفيديو ، من بُعد، منذ أشهر.
وحسب مصدر متابع، فإن “الاجتماع انتهى كما بدأ تقريبا”، أي دون التوصل إلى نتائج وقرارات ملموسة، و”أن الحصيلة لم تتعد حدود توافقات غير نهائية على بعض التفاصيل، وترحيل البعض الآخر إلى الاجتماع القادم للجنة”. وعلى عكس بعض المستعمرات القديمة، التي اعتذرت منها فرنسا بسبب ماضيها الاستعماري، إلاّ أن النخب الفرنسية الحاكمة بمختلف توجهاتها السياسية والأيديولوجية تتجاهل مطالب الاعتراف والاعتذار المرفوعة من طرف بعض القوى الحزبية والأهلية الجزائرية.
وشملت باكورة الأعمال الأولية لـ”اللجنة”، توصية بمواصلة عمل خاص في وضع تسلسل زمني للأحداث، العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بين 1830 و1962 (كامل فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر)، وإنشاء “مكتبة مشتركة” للبحوث والمصادر المطبوعة أو المكتوبة بخط اليد في القرن الـ19، والموجودة في مراكز الأرشيف بفرنسا. وسيكون ذلك، أساساً لنشر أهم المصادر والأعمال ورقمنتها، وترجمتها إلى اللغتين، وإمكانية إعادتها إلى الجزائر.
كما تضمن التقرير إطلاق بوابة رقمية مخصصة للمصادر المطبوعة، والمحفوظات الرقمية، والموضوعات والبحوث، ورسم الخرائط، والصوت، والأفلام، والتسلسل الزمني، خلال حقبة الاحتلال. واتفق أعضاء “اللجنة” أيضاً، وفق المصادر نفسها، على برنامج للتبادل والتعاون في شؤون التاريخ، مع إشراك 15 طالباً وباحثاً جزائرياً في هذا العمل، في إطار دراساتهم للحصول على درجة الدكتوراه، والقيام في فرنسا بمهام جرد ودراسة محفوظات الفترة الاستعمارية.
وأثار “تقرير قسنطينة” مسائل تحديد هوية المقابر، وعدد وأسماء المساجين الجزائريين، في القرن التاسع عشر، الذين توفوا ودفنوا في فرنسا، وإدراجهم في لائحة ضحايا الاستعمار، فضلاً عن الترويج لهذه الأماكن التذكارية على بوابة “اللجنة”، ويعتزم “فريق الـ10” استكمال رقمنة السجلات المدنية والمقابر، في الفترة الاستعمارية المحفوظة في الجزائر.
وتبقى قضية الممتلكات، سواء الفرنسية في الجزائر أو الجزائرية في فرنسا، “اللغم” الذي قد يفجر مسار التطبيع “المحتشم بين البلدين” وفق مراقبين، رغم إصرار القيادتين السياسيتين على عزله عن باقي الملفات والقضايا المشتركة، وتبقى مقتنيات وممتلكات قادة وشهداء المقاومة، التي جرى نهبها وتحويلها إلى فرنسا لتستقر عند عائلات أو متاحف فرنسية، في صدارة النقاط الخلافية بين الوفدين.
ويشدد الطرف الجزائري على ضرورة تسلّم الأرشيف الجزائري المحول إلى فرنسا قبيل استقلال الجزائر، وسرى تفاهم بين الجانبين على تسليم أكثر من مليوني وثيقة أرشيفية مرقمنة، إضافة إلى تسهيل الوصول والاطلاع على الأرشيف أمام الباحثين الجزائريين.
كما شكلت عملية استكمال استرجاع رفات وجماجم المقاومين الجزائريين إبان الثورات الشعبية خلال القرن الـ19، فضلا عن الممتلكات التي تعود إلى أعيان وقادة الثورات والمقاومين، والتي نهبت ونقلت إلى فرنسا على مراحل، واعتبرت تراثا فرنسيا، وتصنيفها في خانة غنائم حرب أو هدايا أو ممتلكات جرى اقتناؤها، محور خلاف حاد بين الطرفين، حيث قابل الإصرار الجزائري رفض فرنسي.
وفي الملف تندرج ممتلكات وأغراض الأمير عبدالقادر كالأوسمة والسيف التي يصنفها الفرنسيون ضمن الهدايا التي قدمها أقارب الرجل وتصعب إعادتها في هذا الإطار، إلى جانب أن المنظومة التشريعية لا تتضمن نصوصا خاصة، ولو أن الحكومة والبرلمان بصدد البحث عن مخرج قانوني يسمح بإعادة الممتلكات والتحف المنهوبة إلى حكومات المستعمرات الفرنسية سابقا، ومن بينها الجزائر.
كما كانت الأسلحة الكيميائية المحرمة دوليا التي استعملها الجيش الفرنسي لإبادة المقاومين والمدنيين العزل في الجزائر حاضرة في أول اجتماعات اللجنة، كما هو الشأن بالنسبة إلى مجازر الأغواط عام 1852، أين أبيد الجزائريون هناك بغاز “الكلوروفورم”، فضلا عن التجارب الكيميائية في منطقة وادي الناموس ببشار، واستعمال “النابالم” والغازات السامة بين عامي 1954 و1962.

