ذ. عياش خلاف
تؤكد نظريات ونماذج النمو الاقتصادي على أهمية ثلاثة عوامل رئيسية كمصادر النمو الاقتصادي : تراكم رأس المال المادي، وتراكم رأس المال البشري، وتراكم التكنولوجيا. وقد أحرز المغرب تقدما كبيرا في تجميع العاملين الأولين، لا سيما منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي بعد استثماراته الهائلة في البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية وتكوين ساكنته.
ومع ذلك، فإن الافتقار إلى تراكم مصاحب في التكنولوجيا، للاستفادة من تراكم العاملين الآخرين، أعاق النمو الاقتصادي للبلاد وأبطأه للانتقال إلى مسار أعلى. في الواقع، هذه المصادر الثلاثة للنمو الاقتصادي مترابطة، وأي تأخير في أحدها يؤدي إلى تدهور عائد الاستثمار في العاملين الآخرين.
إذا كان الهدف الرئيسي الذي تبنته الدولة في بداية الستينيات هو اللجوء، كجزء من سياسة عامة استباقية، إلى استثمارات كبيرة لاستيعاب مخلفات الفترة الاستعمارية، لا سيما فيما يتعلق بالبنية التحتية الاقتصادية، فإن فترة الثمانينيات والتسعينيات أعطت أهمية أكبر للحفاظ على توازنات الاقتصاد الكلي والشروع في إصلاحات هيكلية للتحرير والانفتاح الاقتصادي على حساب الاستثمار. في حين، شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ديناميكية جديدة في عملية تراكم رأس المال المادي لجعل البلاد تنحو منحى الدول الصاعدة.
وهكذا اتسمت فترة العقد الأول من القرن الحادي والعشرين باستثمارات ضخمة في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية لاستيعاب العجز الموروث من فترة برنامج التقويم الهيكلي (PAS) وتعويض التأخر في هذا المجال. فمع معدل استثمار سنوي تجاوز ثلث الناتج المحلي الإجمالي الوطني، طورت الدولة اليوم بنية تحتية عالمية المستوى من حيث الطرق والطرق السريعة والسدود والموانئ والسكك الحديدية والمطارات والطاقات المتجددة التي تتيح اليوم إمكانات كبيرة لتعزيز التنمية الاقتصادية للبلاد. وقد سبق في عام 2015، أن صنف المنتدى الاقتصادي العالمي المغرب كأول بلد في شمال إفريقيا، والثالث في إفريقيا والسادس في العالم العربي من حيث جودة وشبكة البنى التحتية.
في نفس الوقت، حقق المغرب تقدما كبيرا في مجال التربية والتعليم .حيث قامت الدولة بتعميم التعليم الابتدائي وتميل إلى تعميمه في الأسلاك الأخرى للتعليم الثانوي والتأهيلي. وعلى مستوى التعليم العالي، تم بذل جهود متواصلة لتوسيع نطاق الولوج وتعزيز المساواة والإنصاف. وبلغ العدد الإجمالي لمؤسسات التعليم العالي اليوم 409 مؤسسة موزعة على الجهات الاثني عشر بالمملكة. كما بذلت الدولة جهودًا كبيرة في تطوير نظام التكوين المهني، بهدف تحسين قابلية الشباب للتوظيف لتسهيل اندماجهم في الحياة العملية .ويتمتع نظام التكوين المهني اليوم بقدرة استيعابية إجمالية قدرها 2042 مؤسسة عمومية وخاصة على الصعيد الوطني. وبهذه الجهود، استطاع المغرب تحسين مستوى تراكم رأس ماله البشري من مهندسين وأطباء ومعلمين وباحثين ومتخصصين ومهنيين وعلماء كمبيوتر وفنيين مؤهلين وأطر ذات مؤهلات أخرى مختلفة.
هكذا أتاح العمل الدؤوب للبلاد، الذي بدأ في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، تجميع رأس مال مادي كبير، من حيث البنية التحتية الأساسية، وكذلك تجميع رأس مال بشري مهم، أكثر تدريبًا وتأهيلًا. ومع ذلك، في ظل عدم وجود تراكم موازٍ لرأس المال التكنولوجي، لم تشهد البلاد تحولا في طاقاتها الإنتاجية والاستفادة من تراكم رأس المال المادي والبشري لديها
لزيادة نموها الاقتصادي والخروج من شرك البلدان ذات الدخل المتوسط. في الواقع، فإن الاستمرار في تجميع رأس المال البشري دون التمكن من استخدامه سيؤدي فقط إلى خفض استثمار الأسر في تعليم أطفالهم، وبالتالي تدهور جودة التعليم أو استنزاف مستمر للمادة الرمادية من طرف الدول المتقدمة التي تستمر في نهب مهاراتنا ومعها سنوات من الاستثمار في رأس المال البشري. وبالمثل، فإن الاستمرار في تجميع رأس المال المادي دون تطوير القدرات الإنتاجية للاستفادة منه لن يؤدي إلا إلى زيادة تكاليف تهالكه، وسواء أحببنا ذلك أم كرهنا، سيؤدي فقط إلى تحسن عائد الاستثمار الأجنبي في بلادنا.
إن تطوير القدرات الإنتاجية يتم بشكل رئيسي داخل الوحدات الإنتاجية وليس على المستوى الفردي. في عصر أسواق المنافسة الحرة، لا تستطيع الشركات الخاصة الحفاظ على نموها إذا اعتمدت فقط على المنتجات الرخيصة. يجب أن تكون قادرة على الارتقاء في سلاسل القيمة نحو السلع ذات القيمة المضافة الأعلى على أساس التطوير والتحسين المستمر للابتكار التكنولوجي .ولكن، يجب أيضا أن يقوم إنشاء القدرات التكنولوجية على شراكة بين القطاعين العام والخاص في كل من مرحلتي الابتكار قبل المنافسة ومعها. إن الدرس الحقيقي المستفاد من الدول التي يطلق عليها اسم “التنين الآسيوي” ليس فقط الدور لعبته الدولة ولازالت في التنمية الاقتصادية ولكن بالأحرى دورها الهام في تعزيز قدرات الشركات الوطنية مع إعطاء الأولوية للتكنولوجيا لتحسين إنتاجيتها. وقد أدى ذلك إلى جانب مركزي آخر للنموذج الآسيوي وهو التطوير المستمر في نفس الصناعات بالإضافة إلى تقدم مستمر في دخول قطاعات جديدة وواعدة.
إن الحفاظ على النمو الاقتصادي على المدى الطويل ليس بالأمر السهل. هناك العديد من حالات إصلاح الاقتصاد الكلي التي تؤدي إلى انتعاش فوري ولكن دون أن يكون ذلك مستدامًا، وفي النهاية يواجه الاقتصاد أزمة أخرى. إن أهم عقبة أمام التنمية المستدامة تكمن في بناء القدرات المحلية. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو الذي يعتمد على أجور منخفضة أو قدرة تنافسية سعرية بسيطة يميل إلى أن يكون قصير الأجل. إن نجاح البلدان الآسيوية راجع بالأساس إلى قدرتها على التركيز على البحث والتطوير الداخلي في الشركات الخاصة، والدفع في نفس الوقت بنسبة البحث والتطوير في الناتج المحلي الإجمالي إلى عتبات أعلى.
بالإضافة إلى ذلك، من الأفضل أن تكون الشركات الخاصة شركات محلية وليست شركات فرعية خاضعة لسيطرة أجنبية للشركات متعددة الجنسيات .إن هذه الأخيرة تنتقل دائمًا حول العالم بحثاً عن أجور أرخص وأسواق أكبر. هذا هو السبب في أن الانفتاح على الاستثمار الأجنبي يجب أن يُنظر إليه على أنه وسيلة لتحقيق غاية وليس غاية في حد ذاته. وجزء مهم من هذه الغاية هو اقتصاد قوي مع شركات محلية قوية تنجح على الصعيدين الوطني والدولي، بدلاً من اقتصاد محلي تهيمن عليه الشركات الأجنبية. يجب ألا يجلب الاستثمار الأجنبي رأس المال فحسب، بل يجب أن يجلب أيضًا نقل المعرفة والتكنولوجيا والخبرة. هذه هي المكونات التي تعمل على تحسين إنتاجية الاقتصاد ودعم النمو على المدى الطويل .
إذا كانت إنتاجية اقتصادنا ضعيفة، فإن سبب ذلك ليس هو ضعف مستوى رأس مالنا البشري، ولكن سببها هو ضعف قدرتنا على تنظيم الأفراد في شركات مبتكِرة وذات تكنلوجيا عالية. في الواقع ،فإن دول شرق آسيا لم تكن لها إنجازات دراسية عالية بشكل استثنائي في بداية معجزاتها الاقتصادية، ولكن سر نجاحها يكمن في قدرتها على اكتساب التكنولوجيا كجزء من عملية التعلم والتدريب أثناء العمل لرأس مالها البشري. وهذا يوضح في نهاية الأمر أنه بدون ادماج موازٍ لرأس المال البشري المتكون في عملية إنتاج تكٌْسِبُ مزيدا من التكنولوجيا، يظل التعليم المدرسي وحده غير كافٍ لتقوية تراكم رأس المال البشري وتعزيز إنتاجيته.
- الكاتب العام للمندوبية السامية للتخطيط

