منذ قرابة 3 أشهر، يواصل الأساتذة إضرابهم الذي بدأوه منذ بداية الموسم التعليمي الحالي، وذلك على الرغم من توقيع اتفاق بين الحكومة والنقابات التعليمية هذا الأسبوع من أجل إنهاء الأزمة في المدارس العمومية، حيث اعتبروه غير كاف ولا يحل المشكلة، بل يؤجلها فقط، وهو عذر جديد يستغله المضربون للاستمرار في ضرب حقوق ملايين التلاميذ المغاربة في التعلم.
ولجأ أساتذة التعليم الابتدائي والثانوي في المغرب للإضراب منذ بداية العام الدراسي بسبب رفضهم لنظام التعاقد الذي أقرته الحكومة لتوظيف ومواصلة مهام أساتذة التعليم العام، يقوم على عدم إدماج الأساتذة بشكل رسمي في الإطار الوظيفي التعليمي وإضافة مهام جديدة لهم وفرض عقوبات عليهم في حال إخلالهم بواجبهم الوظيفي، وهو الشيء المعمول به في كل القطاعات الوظيفية.
وفي الاسبوع الماضي عرفت شوارع الرباط مسيرة أخرى للأساتذة المضربين الذين قدر عددهم بالآلاف وجاءوا من مختلف جهات المغرب رافعين شعار “الموت ولا المذلة” وشعارات أخرى مناوئة للحكومة، في خطوة تصعيدية بين الحكومة والمضربين، حيث يعتمد المضربون على الإمساك بملايين التلاميذ رهائن بين أيديهم، وهو ما جعلهم يفقدون الاحترام تماما في المجتمع المغربي وجعل كثيرين يسمونهم مرتزقة أو دواعش.
وتفجرت الأزمة عام 2016 عندما أقر المغرب في نهاية ولاية رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بن كيران، زعيم حزب العدالة والتنمية “نظام التعاقد” لأساتذة التعليم، الذي يقضي بعدم إدماجهم مباشرة في الوظيفة العمومية، بل عن طريق توظيفهم بواسطة عقد عمل حر بسبب التسيب الكبير الذي يعرفه هذا القطاع وانصراف الكثير من المعلمين والأساتذة نحو التدريس في المدارس الخاصة أو إعطاء أهمية أكبر للساعات الإضافية والسمسرة في الأراضي والعقارات.
ومع ذلك أعلنت الحكومة يوم الثلاثاء الماضي توقيع اتفاق مبدئي مع النقابات التعليمية ينص على مراجعة “النظام الأساسي الجديد” وإيقاف الاقتطاعات من أجور المضربين عن العمل، وتحسين دخل كل الموظفين والموظفات العاملين بقطاع التعليم، ومعالجة مشاكل فئاتهم حسب القطاعات، وكذلك زيادة رواتبهم بشكل غير مسبوق.
وعلى عكس التوقعات لم تهدأ الأمور لعدم اقتناع التكتلات الجديدة التي تشكلت بفعل الأزمة لتمثيل الأساتذة في المفاوضات الرسمية بديلة عن النقابات بمضمون الاتفاق، وهو ما اعتبره الكثيرون عربدة خطيرة قد يكون أحد أسبابها تلقي توجيهات من جهات ما، قد تكون خارجية لزرع بذور اضطراب اجتماعي في البلاد.
ويشعر أولياء أمور التلاميذ بكثير من الغبن والغضب من هذه العربدة، ويطالب كثيرون بضرورة العزل الفوري للمضربين من الوظيفة العمومية وفتح باب التطوع لإكمال الموسم الدراسي وفتح باب العودة للتدريس للمتقاعدين.
ومنذ بدء الإضراب فقدت المدرسة العمومية الكثير من تلاميذها لصالح المدارس الخاصة، المتغولة أصلا، حيث لعب الإضراب دورا محوريا في هدم ما تبقى من التعليم العمومي.
وتوضح احصاءات حكومية للعام المدرسي 2023-2024 تواجد ما مجموعه سبعة ملايين و931 ألفا و841 تلميذا في المغرب، السواد الأعظم منهم في المدارس العامة.
كما تظهر الأرقام الرسمية أن أكثر من 80 ألفا من التلاميذ المغاربة في تركوا المدارس العامة (المجانية) واتجهوا إلى المدارس الخاصة.
وفي عام 2019 أعطى البنك الدولي قرضا للمغرب قدره 500 مليون دولار لإصلاح قطاع التعليم أعقبتها 250 مليون دولار في مارس الماضي “لمساندة الحكومة المغربية في تنفيذ أجندة طموحة للغاية لإصلاح التعليم” تستهدف التلاميذ والمعلمين والمؤسسات “لتنفيذ أجندة إصلاحات ذات أثر ملموس على كل من بيئة التعلم والحكامة”.
ويقول محللون إن التعليم في المغرب ضحية الليبرالية الجديدة حيث تتجه الحكومة إلى التخلي عن مبدأ مجانية التعليم وربط مضمون التعليم بروح المقاولة الرأسمالية، وهو ما يدعمه هذا الإضراب الذي صار يعتمد وسائل داعشية خطيرة.

