د. مصطفى الغاشي تكشف التجارب الديمقراطية المعاصرة أن الأحزاب السياسية لا تُقاس بقوة خطابها أو حجم حضورها الإعلامي، وإنما بقدرتها على إنتاج سياسات عمومية فعالة. فالبرنامج الانتخابي لم يعد مجرد أداة لحشد الأصوات، بل أصبح وثيقة تعاقدية يفترض أن تحدد أولويات الحكومة المقبلة، وتوفر أساسًا للمساءلة الشعبية والمؤسساتية. وفي الحالة المغربية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة، بالنظر إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية التي يعرفها المغرب، وإلى ارتفاع سقف انتظارات المواطنين من الفاعلين السياسيين. ومن ثم، فإن السؤال المركزي لم يعد: أي حزب سيفوز؟ بل: أي برنامج يمتلك مقومات التحول إلى سياسة عمومية ناجحة؟ أولاً: معيار الاقتصاد وإنتاج الثروة: يُعد الاقتصاد الاختبار الأول لأي برنامج انتخابي، لأنه المجال الذي تتقاطع فيه قضايا التشغيل والاستثمار والعدالة الاجتماعية والاستقرار المالي. ولكي يكون البرنامج الاقتصادي متماسكًا، ينبغي أن يجيب عن أسئلة محددة: كيف سيرفع معدل النمو؟ كيف سيخلق فرص شغل مستدامة؟ كيف سيدعم المقاولة الوطنية؟ كيف سيوازن بين الإنفاق الاجتماعي والانضباط المالي؟ كيف سيعزز تنافسية الاقتصاد المغربي؟ وفي هذا الإطار، فإن المقارنة بين البرامج ينبغي أن تركز على جودة التصورات وآليات التنفيذ، لا على عدد الوعود. ثانياً: الدولة الاجتماعية: أصبحت الدولة الاجتماعية محورًا رئيسيًا في النقاش العمومي المغربي، بعد إطلاق أوراش كبرى في الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية. لكن نجاح هذه الأوراش لا يُقاس بإعلانها، بل بقدرتها على: تحسين جودة الخدمات الصحية، وتقليص الفوارق الاجتماعية، ورفع جودة التعليم، وحماية الفئات الهشة، وضمان استدامة التمويل...الخ. ولذلك، فإن البرامج الانتخابية مطالبة بتقديم تصورات دقيقة حول كيفية تطوير هذه السياسات، وليس الاكتفاء بتأكيد الالتزام بها. ثالثاً: الجامعة والبحث العلمي... الغائب الأكبر: رغم أن الاقتصاد العالمي أصبح قائمًا على المعرفة، فإن التعليم العالي والبحث العلمي لا يزالان يحتلان موقعًا ثانويًا في كثير من النقاشات الانتخابية. وتحتاج البرامج الحزبية إلى معالجة قضايا من قبيل: استقلالية الجامعات، وتمويل البحث العلمي، واستقطاب الكفاءات. والحد من هجرة الباحثين، وربط الجامعة بالمقاولة. وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال. إن أي مشروع تنموي يتجاهل الجامعة يفتقد أحد أهم شروط الاستدامة. رابعاً: الحكامة والإدارة: تظل الإدارة العمومية الحلقة التي تمر عبرها كل السياسات العمومية، ولذلك فإن إصلاحها يمثل شرطًا لنجاح أي برنامج حكومي. ويتطلب ذلك: تبسيط المساطر، وتسريع الرقمنة، وتقييم أداء الإدارات، وتعزيز الشفافية، وتطوير الكفاءات، ومحاربة تضارب المصالح. فالسياسات الجيدة قد تفشل إذا نُفذت عبر جهاز إداري غير مؤهل أو غير فعال. خامساً: الشباب: يشكل الشباب النسبة الأكبر من الناخبين، لكنه أيضًا الأكثر تعبيرًا عن فقدان الثقة في العمل الحزبي. ولهذا، ينبغي أن تتضمن البرامج إجراءات عملية في مجالات: 1- التشغيل. 2- التكوين. 3- السكن. 4- ريادة الأعمال. 5- الثقافة. 6- المشاركة السياسية فالسياسات الموجهة للشباب ينبغي أن تنتقل من منطق الدعم الظرفي إلى بناء مسارات للاندماج الاقتصادي والاجتماعي. سادساً: العدالة المجالية: لا تزال الفوارق بين الجهات تمثل أحد أبرز التحديات أمام التنمية، وتقاس جودة البرامج بقدرتها على دعم الاستثمار في الجهات الأقل نموًا، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز النقل والربط اللوجستي، وتقوية صلاحيات الجهات، واخيرا ضمان توزيع أكثر عدالة للاستثمارات العمومية. سابعاً: السياسة الخارجية: لم تعد السياسة الخارجية ملفًا منفصلًا عن التنمية الاقتصادية، فالبرامج الانتخابية مطالبة بإبراز تصورها بشأن، تنويع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز الحضور الإفريقي، وجذب الاستثمار، والأمن الإقليمي، والدبلوماسية الاقتصادية، وايضا الدفاع عن المصالح الوطنية في القضايا الاستراتيجية. ثامناً: أزمة البرنامج الانتخابي: تكشف مراجعة التجارب السابقة أن الإشكال لا يكمن فقط في مضمون البرامج، بل أيضًا في غياب ثقافة تقييمها. فنادراً ما تقدم الأحزاب، بعد انتهاء الولاية الحكومية، تقارير مفصلة تقارن بين ما وعدت به وما تحقق فعليًا. ومن هنا تبرز الحاجة إلى اعتماد مؤشرات وطنية لقياس الوفاء بالبرامج الانتخابية، بما يعزز الشفافية ويرفع من مستوى النقاش العمومي. وفي الخلاصة، نعتبر أن جودة الحياة السياسية لا تُقاس بعدد الأحزاب، بل بقدرتها على إنتاج بدائل حقيقية، وعلى تحويل البرامج الانتخابية إلى سياسات قابلة للتنفيذ والتقييم. فالمرحلة المقبلة تتطلب أحزابًا تتنافس على جودة الحلول، لا على كثرة الوعود، وتُخضع نفسها للمساءلة على أساس نتائج قابلة للقياس، لا على أساس الخطاب السياسي وحده. إن الانتقال من "سياسة الوعود" إلى "سياسة النتائج" هو التحدي الأكبر الذي يواجه الديمقراطية المغربية في العقد المقبل، وهو المعيار الذي سيحدد مدى قدرة الأحزاب، أغلبية ومعارضة، على قيادة مشروع تنموي يستجيب لتطلعات المجتمع ويواكب التحولات الدولية. تختلف الانتخابات التشريعية لسنة 2026 عن سابقاتها لأنها تأتي في مرحلة تشهد تحولات داخلية وإقليمية ودولية متسارعة. فالمغرب يواصل تنفيذ أوراش استراتيجية كبرى، تشمل تعميم الحماية الاجتماعية، وتعزيز الاستثمار، وتدبير التحول الرقمي، والاستعداد لاستحقاقات دولية مثل تنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، إلى جانب مواصلة الإصلاحات المرتبطة بالنموذج التنموي. في هذا السياق، لا يقتصر الرهان على تحديد الحزب أو الائتلاف الذي سيقود الحكومة، بل يمتد إلى سؤال أوسع: أي نموذج حزبي وحكومي سيكون أكثر قدرة على قيادة هذه المرحلة؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية. أولا، السيناريو الأول: استمرار الائتلاف الحكومي: يقوم هذا السيناريو على احتفاظ أحزاب الأغلبية الحالية بموقعها القيادي، مع إعادة تشكيل التحالف أو تعديله جزئيًا. وفي هذه الحالة سوف نشهد استمرار عدد من الأوراش الإصلاحية دون انقطاع. مع الحفاظ على درجة من الاستقرار المؤسساتي، والاستفادة من الخبرة المتراكمة في تدبير الملفات الكبرى. الا ان هذاةالتوجه يواجه تحديات منها: ضرورة تقديم حصيلة مقنعة للرأي العام، ومعالجة الملفات الاجتماعية التي ما تزال محل نقاش، مثل التشغيل وجودة الخدمات العمومية، وتجديد الخطاب السياسي بما يستجيب لتغير انتظارات الناخبين. إن نجاح هذا السيناريو يبقى مرتبطًا بقدرة الأغلبية على إقناع المواطنين بأن الولاية المقبلة ستشهد تحسينًا ملموسًا في النتائج، لا مجرد استمرار للسياسات نفسها. ثانيا، السيناريو الثاني: تداول حكومي عبر فوز المعارضة أو قيادة ائتلاف جديد: ويفترض هذا السيناريو أن تتمكن أحزاب المعارضة، منفردة أو ضمن تحالفات جديدة، من قيادة الحكومة. وقد يمكن هذا التوجه من إدخال أولويات وسياسات جديدة إلى العمل الحكومي. وتنشيط التنافس الديمقراطي من خلال تداول المسؤولية. وايضا، منح الناخبين فرصة لتقييم بدائل مختلفة في إدارة الشأن العام. ويبقى التحدي الكبير لهذا السيناريو هو تحويل البرامج الانتخابية إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وبناء توافقات داخل ائتلاف حكومي محتمل، و الحفاظ على استمرارية الأوراش الوطنية الكبرى مع إدخال التعديلات التي يراها الائتلاف الجديد مناسبة. ويبقى نجاح هذا السيناريو متوقف على قدرة الفاعلين على الانتقال من موقع المعارضة إلى منطق التدبير الحكومي. ثالثا، السيناريو الثالث: برلمان أكثر تشتتًا وائتلافات معقدة، يفترض هذا السيناريو تقارب نتائج الأحزاب، بما يجعل تشكيل الحكومة أكثر تعقيدًا ويستلزم مفاوضات موسعة، وهو ما يفرض تشجيع ثقافة التوافق، وتوسيع قاعدة المشاركة في اتخاذ القرار، وتعزيز الحوار بين القوى السياسية. الا ان التحدي الكبير لهذا السيناريو هو بطء تشكيل الحكومة, واحتمال صعوبة تحقيق انسجام داخل الائتلاف، والحاجة إلى آليات فعالة لتنسيق العمل الحكومي. في مثل هذا السيناريو، تصبح جودة تدبير الائتلافات عاملًا حاسمًا في نجاح التجربة الحكومية. وتبقى العوامل المؤثرة في أي سيناريو د، بغض النظر عن شكل الأغلبية المقبلة، ستظل هناك عوامل مؤثرة في أداء أي حكومة، من أبرزها: 1- تطور الأوضاع الاقتصادية الدولية. 2- دينامية الاستثمار العمومي والخاص. 3- فعالية الإصلاحات الإدارية. 4- تطور مؤشرات التشغيل. 5- جودة التعليم والصحة. 6- تدبير الموارد المائية والانتقال الطاقي. 7- قدرة المؤسسات على تنفيذ السياسات العمومية وتقييمها. نحو جيل جديد من الأحزاب اذ تكشف التجارب المقارنة أن الأحزاب التي تحافظ على حضورها ليست بالضرورة الأكبر تنظيمًا، وإنما الأكثر قدرة على: 1- إنتاج المعرفة والخبرات. 2- تطوير برامج تستند إلى البيانات والمؤشرات. 3- تكوين الأطر والكفاءات. 4- التواصل المستمر مع المواطنين. 5- تقييم حصيلتها بصورة دورية. ومن ثم، فإن مستقبل الحياة الحزبية في المغرب يرتبط بقدرة الأحزاب على التحول إلى مؤسسات منتجة للسياسات، لا مجرد هياكل انتخابية موسمية. خاتمة عامة: تكشف هذه المحاولة أن التحدي الأكبر أمام الأحزاب المغربية لا يكمن فقط في الفوز بالمقاعد، وإنما في الارتقاء بجودة البرامج، وتعزيز ثقافة التقييم، وربط الوعود بآليات التنفيذ. كما يتبين أن نجاح أي حكومة مستقبلية، أياً كان لونها السياسي، سيظل رهينًا بقدرتها على الاستثمار في الرأسمال البشري، وتحسين الحكامة، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وتطوير الجامعة والبحث العلمي، وتوسيع فرص التشغيل، وترسيخ ثقافة المساءلة. إن الديمقراطية لا تُختزل في يوم الاقتراع، بل تُقاس بقدرة المؤسسات والأحزاب على تحويل الاختيارات الانتخابية إلى سياسات عمومية تحقق نتائج ملموسة وتحسن حياة المواطنين. وبذلك، فإن انتخابات 2026 تمثل محطة مهمة في المسار الديمقراطي المغربي، لكنها ليست غاية في حد ذاتها، بل مرحلة ضمن مسار متواصل لتطوير الممارسة السياسية وتعزيز فعالية المؤسسات في خدمة الصالح العام.