لم نخسر أمام فرنسا… لقد شاهدنا تمثيل الخسارة..!

ياسين الطالبي

 

لم تكن المشكلة أن المغرب خسر أمام فرنسا، لأن فرنسا قادرة كرويًا على هزيمة المغرب، ولأن كرة القدم لا تمنح الانتصار لمن يحمل الحلم الأجمل أو القضية الأكثر عدلًا، ولم يكن الجمهور في حاجة إلى من يشرح له بعد المباراة أن الرياضة تعرف الفوز والخسارة، فهو يعرف أن الفريق القوي قد يُهزم، وأن جيلاً موهوبًا قد يمر بليلة سيئة، وأن خصمًا يضم مبابي وديمبيلي ولاعبين معتادين على أعلى درجات الضغط يستطيع أن يفرض تفوقه، لكن المشكلة كانت في الطريقة التي خسر بها المغرب، وفي الصورة التي وصلت إلى الناس عن فريق بدا كأنه يؤدي هيئة المقاومة من دون أن يدخل في حقيقتها، وكأنه حضر إلى الملعب ليستوفي واجبات المباراة، يدافع ويركض ويمرر ويجري بعض التبديلات، لكنه لم يذهب إلى الحد الذي يفترض أن يذهب إليه فريق يقترب من الإقصاء ولا يملك شيئًا يحميه بعد الآن، ولذلك لم يشعر قطاع واسع بأنه شاهد منتخبًا قاتل ثم خسر، بل شعر بأنه شاهد عرضًا منضبطًا لنهاية جرى قبولها أكثر مما جرى رفضها، ومن هنا ظهرت العبارة التي أثارت كل هذا الغضب: لم تكن المشكلة في الخسارة، بل في التمثيل المسرحي الذي رافقها.

 

و«بيع الماتش» في هذه العبارة لا يعني بالضرورة أن اللاعبين تلقوا المال، ولا أن أحدًا يملك وثيقة أو تسجيلًا لاجتماع سري، ولا أن كل لاعب دخل وهو يعرف النتيجة، بل صار اسمًا شعبيًا لمجموعة أوسع من الاحتمالات: أن يكون سقف المخاطرة قد خُفض، وأن تكون الخطة قد صُممت لحماية صورة الخروج أكثر من تعظيم احتمال التأهل، وأن تكون الجرأة قد بيعت للخوف من نتيجة ثقيلة، وأن يكون الحلم قد وُضع في ميزان مع اعتبارات سياسية أو أمنية أو دبلوماسية أو اتصالية، وقد تكون هذه الاستخدامات غير دقيقة قانونيًا، لكنها تفسر ما قصده كثيرون حين قالوا إن المباراة بيعت، فهم لم يكونوا جميعًا يتخيلون حقيبة أموال تنتقل في الظلام، بل كانوا يقولون إن المنتخب لم يُسمح له، أو لم يسمح لنفسه، بأن يذهب إلى النهاية التي تفرضها قيمة اللحظة.

 

ولو كانت مباراة فرنسا هي أول ظهور لهذا الفريق، لكان تفسير الشباب وقلة الخبرة مقبولًا، لكن المباراة جاءت بعد مسار صنع صورة معاكسة تمامًا، فقد تعادل المغرب مع البرازيل، وهزم اسكتلندا، وعاد مرتين أمام هايتي قبل أن يفوز بأربعة أهداف لهدفين، ثم أقصى هولندا بركلات الترجيح، وبعدها هزم كندا بثلاثية نظيفة، وهذه لم تكن نتائج متفرقة فقط، بل مراحل في صناعة شخصية جماعية اتسمت بالهدوء والثقة والقدرة على مقاومة الصدمة، ولذلك كان من الصعب أن يُطلب من الجمهور بعد فرنسا أن ينسى ما شاهده وأن يقبل فجأة بأن اللاعبين صغار لم يتحملوا الضغط، لأن السن كان موجودًا أمام البرازيل وهايتي وهولندا وكندا، لكن الذي لم يكن موجودًا هو هذا النوع من الخضوع الهادئ لمسار المباراة.

 

ومباراة هايتي تحديدًا ليست تفصيلًا يمكن المرور عليه سريعًا، بل هي مركز الاتهام الأخلاقي كله، لأن المغرب لم يواجه فيها فقط منتخبًا أقل قوة، بل واجه وضعًا نفسيًا قادرًا على كشف طبيعة الفريق، فقد دخل مطالبًا بالفوز، ثم تأخر، فعاد، ثم تأخر مرة ثانية، فعاد مرة ثانية، ولم يكتفِ بالتعادل الذي كان يضمن له العبور، بل استمر في الضغط حتى سجل الهدف الثالث ثم الرابع، وكان أشرف حكيمي نفسه صاحب التعادل الأول، قبل أن يسجل إسماعيل صيباري التعادل الثاني، ثم يحسم البدلاء المباراة في نهايتها، أي إن الفريق لم يتصرف أمام هايتي كجيل يحتاج إلى من يحميه من ضغط المناسبة، بل كفريق يرفض أن يترك النتيجة تكتب تعريفه، وكلما تلقى ضربة أعاد تنظيم نفسه ورفع محاولته واستمر في البحث عن الانتصار.

 

لا أحد يقول إن العودة أمام هايتي تعني أن العودة أمام فرنسا سهلة، ولا إن دفاع هايتي يساوي دفاع فرنسا، فالمقارنة ليست بين الخصمين بل بين المغرب ونفسه، بين طبيعة استجابته عندما يتأخر وطبيعة استجابته عندما تأخر أمام فرنسا، فقوة الخصم تفسر صعوبة التنفيذ، لكنها لا تفسر وحدها اختفاء علامات الرفض، ويمكن لفرنسا أن تمنع التمريرة الأخيرة وأن تربح الالتحامات وأن تعاقب أي اندفاع، لكنها لا تستطيع أن تقرر بدل المغرب عدد اللاعبين الذين يهاجمون المنطقة، ولا مقدار المساحة التي يقبل تركها خلفه، ولا توقيت رفع الخط، ولا متى يتخلى المدرب عن توازنه الأول، ولذلك فإن السؤال لم يكن لماذا لم يسجل المغرب، بل لماذا لم تظهر عليه تلك الحركة التصاعدية التي تقول إن خطر الإقصاء يفرض خطرًا تكتيكيًا مضادًا، ولماذا ظل قريبًا من الحذر حتى أصبح الحذر نفسه اسمًا آخر للخروج.

 

أمام هايتي كان التأخر سببًا لرفع المحاولة، وأمام فرنسا بدا التأخر كأنه سبب إضافي لحماية الشكل، وفي الخسارة الطبيعية يرى الجمهور آثار المجازفة حتى لو فشلت، يرى المدافعين يتقدمون، والظهيرين يتركان المساحات، والوسط يدخل المنطقة، والمهاجم الثاني يشارك، والكرات الطويلة تتساقط، والفريق يضغط بصورة قد تفتح خلفه ملعبًا كاملًا، وقد تستغل فرنسا كل ذلك وتفوز بأربعة أهداف، لكن الجمهور كان سيعرف حينها أن فريقه خسر لأنه خاطر من أجل البقاء، أما الخسارة بهدفين في مباراة ظل فيها التهديد المغربي محدودًا، فقد بدت مثالية لمن يريد نتيجة يمكن الدفاع عنها بعد النهاية: لا انهيار فاضحًا، ولا ظلمًا تحكيميًا يوحد الناس، ولا محاولة جنونية تدفع فرنسا إلى كشف كل قوتها، بل خروج نظيف يمكن أن يوضع داخل كلمات جاهزة عن التفوق الفرنسي والشباب والمستقبل.

 

وقد وصفت تقارير المباراة أداء المغرب بأنه حذر ومحدود الخطر، بينما قال المدرب محمد وهبي إن فرنسا كانت الفريق الأفضل، وإن المغرب افتقد الأفكار والانتعاش حين امتلك الكرة، وهذه التفسيرات ممكنة، لكنها لا تُخرج الجهاز من دائرة المسؤولية، بل تدخله فيها، لأن وظيفة المدرب ليست فقط أن يلاحظ بعد المباراة غياب الأفكار، بل أن يخلق أثناءها بنية جديدة حين تفشل الفكرة الأولى، وإذا كان الفريق يفتقد الانتعاش، فالسؤال عن توقيت التبديلات وطبيعتها يصبح أكثر إلحاحًا، وإذا كانت فرنسا قد دخلت منطقة الراحة، فالسؤال هو لماذا لم تُجبر على الخروج منها، وإذا كانت الخطة قد فقدت قدرتها على العودة، فلماذا بقيت الأولوية لحمايتها؟ وقد انتهت المباراة بفوز فرنسا بهدفين نظيفين، وسجل مبابي وديمبيلي، بينما لم يكن المغرب تهديدًا حقيقيًا لفترات طويلة.

 

التبديل في مثل هذه المباريات لا يُقاس باسم اللاعب الداخل، بل بالأثر الذي أحدثه، فقد يدخل مهاجم إضافي من دون أن تزيد الكثافة حوله، ويدخل جناح سريع من دون أن تصله الكرة في المساحة، ويخرج لاعب ويدخل آخر ثم تبقى الأدوار نفسها، فيظهر على الورق أن المدرب تحرك بينما لا تتحرك المباراة، ولهذا يمكن للتبديل أن يؤدي وظيفة مسرحية، لا بمعنى أنه جزء من مؤامرة، بل بمعنى أنه يقدم دليلًا شكليًا على المحاولة من دون أن يتضمن المجازفة التي تحتاج إليها العودة، وتزداد الشبهة حين يأتي التعديل متأخرًا، أو حين لا يتغير عدد اللاعبين أمام الكرة، أو حين يظل الفريق منشغلًا بمنع الهدف الثالث أكثر من انشغاله بتسجيل الأول.

 

قد يكون التفسير الأبسط أن المدرب خاف من سرعة فرنسا ومن خسارة كبيرة، وأنه اعتقد أن بقاء الفارق محدودًا سيمنحه فرصة من كرة ثابتة أو انتقال واحد، ثم مر الوقت ولم تأتِ الفرصة، وهذا تفسير طبيعي لا يحتاج إلى تدخل سياسي، لكنه لا يعفيه من سؤال قاسٍ: هل كان يحاول التأهل أم يحاول ألا يُهزم بصورة ثقيلة؟ فالخسارة بهدف واحد أو أربعة تؤدي في مباراة الإقصاء إلى النتيجة نفسها، لكن المدرب قد يفكر في سمعته وفي صورة الفريق وفي أثر الانهيار على اللاعبين، فيفضّل الخروج المحدود، وهنا يكون قد باع احتمال العودة لصالح هزيمة يمكنه شرحها، لا مقابل مال أو أمر سياسي، بل مقابل الأمان المهني، وهي صورة من البيع المجازي تكفي وحدها لتفسير جزء من غضب الناس.

 

ثم يأتي تفسير الشباب ليضاعف المشكلة، لأن الفريق لم يكن شابًا بمعنى الهشاشة أمام هايتي، ولم يكن ناقص النضج حين عاد مرتين، ولم يكن طفلًا حين تحمل ركلات الترجيح أمام هولندا، ولم يكن مرتبكًا حين امتص ضغط كندا ثم فاز بثلاثة أهداف، ولذلك بدا استعمال السن بعد فرنسا كأنه محاولة لإعادة كتابة البطولة، وكأن المؤسسة تريد أن تسحب من اللاعبين الصفة التي مدحتهم بها حين فازوا، فالنضج كان إنجازًا للمدرب قبل فرنسا، ثم صار غيابه عذرًا له بعدها، والثقة كانت علامة على مشروع كبير، ثم صار الشباب سببًا لتبرير انخفاض الجرأة، وكلما كررت المؤسسة هذه العبارة، ازداد اقتناع الجمهور بأنها لا تشرح ما حدث بل تحاول أن تنقل المسؤولية من القرارات إلى أعمار اللاعبين.

 

وهنا يصبح حكيمي عنصرًا لا يمكن أن يبقى على الهامش، لأنه ليس لاعبًا عاديًا داخل الفريق، بل هو القائد، والقائد لا تُقاس مسؤوليته بعدد تدخلاته وتمريراته فقط، بل بالطاقة التي يبثها في المجموعة، وبالطريقة التي يتعامل بها مع اللحظة، وبما تراه الجماهير منه عندما تهتز الخطة أو يتراجع الإيقاع، وقد كان حكيمي أمام هايتي جزءًا مباشرًا من العودة، سجل التعادل الأول وحمل صورة لاعب يرفض أن تخرج المباراة من يد فريقه، ولذلك كانت المقارنة مع فرنسا أكثر قسوة، لأن الجمهور لم يرَ فقط انخفاضًا فنيًا في أداء ظهير أو جناح، بل رأى غيابًا قياديًا في المباراة التي احتاجت إلى قائد أكثر من أي مباراة أخرى.

 

القائد حين يتأخر فريقه لا يحتاج إلى خطبة مسموعة عبر الشاشات، لكن يجب أن يُرى أثره، يطلب الكرة، يرفع زملاءه، يسرع الاستئناف، يعترض على البطء، يدفع الخط إلى الأمام، يذكر اللاعبين بالوقت، يحول إنقاذ الحارس إلى موجة جديدة، ويجعل الخصم يشعر أن الهدف لم يهدئ الفريق بل أغضبه، ولا يعني ذلك أن حكيمي كان يستطيع وحده حل المشكلة أو تجاوز خطة المدرب، لكنه كان مطالبًا بأن يجسد الرفض، خصوصًا أن موقعه وقدرته الهجومية وخبرته ومكانته تسمح له بأن يكون شرارة، وفي الصورة التي وصلت إلى الجمهور لم يظهر هذا الدور بالحدة التي يفرضها لقب القائد وحجم المباراة.

 

قد يكون حكيمي نفذ تعليمات الجهاز بدقة، وقد يكون مكبلًا بواجب دفاعي أمام قوة الجهة الفرنسية، وقد يكون منهكًا، وقد يكون حاول بطرق لم تلتقطها الكاميرا، لكن القائد لا يُحاسب فقط على النية الداخلية، بل على الرسالة العامة التي خرجت من سلوكه، لأن الناس لا تدخل غرفة الملابس ولا تسمع التعليمات، وإنما ترى القائد في الملعب وبعد الصافرة، وتبني من صورته معنى الفريق كله، ولهذا فإن الصورة المتداولة عنه بعد المباراة، أكانت ابتسامة عابرة، أو حديثًا هادئًا، أو لقطة اجتزئت من سياقها، كانت خطيرة، لا لأنها تثبت أنه سعيد بالخسارة أو كان يعرف نتيجة مسبقة، فهذا استنتاج غير عادل، بل لأنها لم تنسجم في عين الجمهور مع الصورة المنتظرة من قائد خرج من فرصة تاريخية أمام أكثر الخصوم رمزية.

 

ليس مطلوبًا من القائد أن يبكي كي يثبت وطنيته، ولا أن يرفض مصافحة صديق أو منافس، ولا أن يمثل الحزن من أجل الكاميرا، لكن عليه أن يفهم أن صورته جزء من وظيفته، وأن لقطة واحدة قد تكون أقوى من مجلدات التفسير، فحين يشاهد الجمهور بونو يقاوم ويتصدى ثم يبدو محطمًا، ويشاهد في المقابل قائده في صورة يمكن قراءتها كخفة أو هدوء غير متناسب، فإن الخطاب المؤسسي كله يخسر أمام الصورة، ولو خرج المدرب بعد ذلك بألف تفسير عن الإرهاق والنضج، ستظل اللقطة تقول في وعي الناس شيئًا آخر، لأن الصورة لا تحتاج إلى مترجم، ولا تنتظر مؤتمرًا صحفيًا، ولا تمنح المؤسسة فرصة لإعادة صياغتها.

 

هنا يجب الفصل بين الحقيقة وأثر الصورة، فلا الابتسامة تثبت التواطؤ، ولا الدموع تثبت البراءة، وقد يبتسم الإنسان تحت الضغط أو خلال تحية مع صديق، وقد يحزن بعيدًا عن العدسات، لكن حكيمي ليس لاعبًا يعيش لحظته الفردية وحدها، إنه قائد منتخب تحول إلى رمز، ومكانته تفرض عليه وعيًا بأن كل إشارة منه ستُقرأ بوصفها موقفًا، خصوصًا عندما تكون الثقة متصدعة، ولذلك فإن النقد المشروع لا يقول إن الصورة دليل على بيع المباراة، بل يقول إن القائد فشل في حماية المعنى العام للفريق، ولم يقدم في الملعب أو بعده الصورة التي تطمئن الناس إلى أن الخروج كسره كما كسرهم.

 

القائد أيضًا هو الجسر المفترض بين المدرب واللاعبين، وإذا كانت الخطة محافظة أكثر مما ينبغي، فهل اعترض؟ وإذا كان الإيقاع منخفضًا، فهل حاول رفعه؟ وإذا كان اللاعبون يتجهون إلى قبول النهاية، فهل هزهم؟ وإذا شعر بأن الفريق لا يخاطر، فهل طالب بالمزيد؟ لا نعرف ما وقع داخليًا، ولا يجوز أن نخترع إجابات، لكن غياب المعرفة لا يمنع طرح السؤال، بل يجعله أكثر ضرورة، لأن القيادة ليست شارة تلمع في مراسم البداية، بل مسؤولية تظهر حين تفشل الخطة وتقترب النهاية، وإذا لم يرَ الجمهور القائد وهو يؤدي هذه الوظيفة، تصبح الشارة نفسها جزءًا من المشكلة.

 

أما بونو فقد تحول، عن قصد أو دون قصد، إلى النقيض الرمزي، فتصديه لركلة الجزاء وإنقاذاته منحا المغرب وقتًا وحياة، ثم بدت صورته بعد الخروج متناسبة مع حجم ما ضاع، ولهذا ظهرت العبارة الشعبية «الجميع كان يعرف إلا بونو»، وهي عبارة لا تملك دليلًا على معرفة أحد، لكنها تكشف أن الجمهور بحث عن شخص يستطيع أن يحتفظ داخله بصدق الحلم، فوجد في الحارس مقاومة واضحة وحزنًا واضحًا، بينما لم يجد في القائد الرسالة نفسها بالوضوح المتوقع، وهكذا لم تعد المقارنة بين لاعبين، بل بين صورتين: حارس يبدو أنه يرفض النهاية، وقائد لم تنجح صورته في إقناع الناس بأنه قاد رفضها. وقد كان بونو بالفعل من أبرز لاعبي المغرب أمام فرنسا وتصدى لركلة جزاء وحافظ على التعادل حتى الشوط الثاني.

 

وهنا تصبح العبارة «الصورة أقوى من مجلدات التعليقات» حقيقة اتصالية، لأن المؤسسة قد تصدر تقريرًا كاملًا يشرح الخطة، لكن صورة القائد قادرة على نسف أثره إذا بدت منفصلة عن الشعور العام، وقد يقول المدرب إن الجميع أعطى كل ما لديه، لكن الناس ستقارن ذلك بما رأته، وقد يقال إن اللاعبين حزينون في الداخل، لكن المجال العام لا يعمل بما خفي، بل بما ظهر، وهذه ليست دعوة إلى التمثيل العاطفي، بل إلى فهم أن قيادة منتخب وطني في لحظة تاريخية عمل رمزي بقدر ما هو عمل رياضي.

 

وقد كان حكيمي قائد المغرب بالفعل خلال البطولة، وظهر بصفته القائد في مباريات سابقة، ومنها كندا، كما أن زملاءه تحدثوا عنه بصفته قائد المنتخب قبل هايتي، وهو ما يجعل مساءلة دوره مشروعة، لا بوصفها محاكمة لنواياه، بل تقييمًا لمستوى القيادة الذي ظهر في اللحظة الحاسمة.

 

لكن الصورة القيادية ليست سوى طبقة داخل مشهد أكبر، فقد وصل المغرب إلى فرنسا بعد أن تجاوز كونه منتخبًا ناجحًا، وصار رمزًا يحمل أبعادًا لم تكن متوقعة بالكامل، إذ مثّل عند المغاربة تأكيدًا لقدرة البلد على تثبيت نفسه بين القوى الكروية، ومثّل عند قطاعات عربية وإفريقية صورة لفريق يخرج من خارج المركز التقليدي ولا يطلب الإذن كي ينافس، ومثّل عند الجاليات في أوروبا لحظة ظهور وهوية واعتراف، ولم تعد انتصاراته مجرد نتائج، بل إشارات إلى تحول يمكن أن يجعل ما وقع في 2022 قاعدة لا استثناءً.

 

ولذلك كانت مباراة فرنسا أكثر من ربع نهائي، ففرنسا ليست خصمًا كرويًا بعيدًا عن الذاكرة المغربية، بل دولة ترتبط بالمغرب بتاريخ استعمار وعلاقات اقتصادية ولغوية وإنسانية وهجرة وجاليات، كما يرتبط كثير من اللاعبين بمسارات فرنسية وأندية وصداقات شخصية، ولهذا كان الانتصار عليها قادرًا على منح الرمز المغربي بعدًا أكبر بكثير من التأهل، بعدًا يقول إن المغرب لم يعد قوة صاعدة فقط، بل كسر الحاجز الذي ظل قائمًا منذ 2022، وقد وصفت التغطية السابقة للمباراة المواجهة بأنها تحمل ثقلًا تاريخيًا وعاطفيًا يتجاوز كرة القدم.

 

ومن هنا ظهرت الفرضية الأكثر حدة: أن صورة المنتخب أخذت أبعادًا غير منتظرة، وأن استمرارها في التمدد عبر إقصاء فرنسا والوصول مجددًا إلى المربع الأخير أو أبعد كان سيخلق رمزًا اجتماعيًا وسياسيًا يحتاج إلى دراسة واحتواء، ولذلك بدا لبعض المتابعين كأن هذا الاندفاع كان لا بد أن يتوقف، على الأقل في هذه النسخة، لا بتدمير الفريق أو فضحه، بل بتجميده عند مستوى يسمح للجميع بالاحتفاء بنجاحه من دون أن يعبر العتبة التي تجعله قوة رمزية يصعب التحكم في معانيها.

 

هذه الفكرة ليست حقيقة مثبتة، ولا يوجد دليل منشور يقول إن جهة سياسية أو رياضية اتخذت قرارًا بإيقاف المنتخب لدراسة أبعاده، ويجب ألا تتحول قوة الفكرة إلى اتهام مباشر، لكنها تشرح لماذا قرأ الجمهور ربع النهائي باعتباره نقطة احتواء مثالية، فالمغرب وصل إلى مرحلة كبيرة يمكن تقديمها كإنجاز، ولم يخرج بفضيحة أو ظلم واضح، ولم يُسحق بطريقة تولد ثورة غضب، بل خسر بهدفين أمام خصم كبير في مباراة يمكن وصفها بأنها منطقية، ثم انتقلت الرسائل سريعًا إلى المستقبل و2030، وكأن الرمز مُنح اعترافًا كافيًا ثم أُعيد إلى موعد لاحق قبل أن يبلغ ذروة لا يمكن احتواؤها.

 

وتزداد هذه الفرضية قوة سردية بسبب تزامن المباراة مع الإعلان عن زيارة رئيس الحكومة الفرنسية إلى المغرب برفقة وفد حكومي كبير يضم نحو عشرة أو اثني عشر وزيرًا، لمناقشة شراكة واسعة بين البلدين، وكانت الزيارة جزءًا من تقارب سياسي ودبلوماسي بدأ قبل المباراة، وهو ما يضعف فكرة أنها كانت ثمنًا مباشرًا للخسارة، لكن الإعلان في يوم المباراة جعل الفصل بين الحدثين صعبًا في الوعي الجماهيري، لأن الناس شاهدت مباراة ذات رمزية تاريخية وخبرًا عن مصالح استراتيجية في اللحظة نفسها، ثم رأت أداءً مغربيًا منخفض المخاطرة، فظهر السؤال: هل كانت العلاقة أكبر من أن يُسمح للمباراة بأن تعكرها؟

 

وجود الزيارة والمصالح لا يثبت أن أحدًا تدخل، فالمسارات الدبلوماسية تُحضّر لأشهر، وقد كانت فرنسا والمغرب تعملان بالفعل على تعميق علاقاتهما قبل المونديال، لكن الخطأ هو الاعتقاد بأن ذلك يجعل التزامن بلا معنى، فالسياسة لا تحتاج إلى أن تكون صفقة مباشرة كي تؤثر في المناخ، وقد يشعر مسؤول أو مدرب أو مؤسسة، حتى من دون أمر مكتوب، بأن المطلوب هو ألا تتحول المباراة إلى أزمة، وأن يبقى الخطاب هادئًا والعلاقات مستقرة، وهذه فرضية تأثير ضمني يصعب إثباتها، لكنها أكثر واقعية من تصور أن جميع اللاعبين عُرضت عليهم صفقة.

 

وجاء الانتشار الأمني الفرنسي ليمنح الرواية دافعًا آخر، إذ حشدت السلطات أكثر من عشرين ألف شرطي ودركي في أنحاء فرنسا، بينهم نحو ثمانية آلاف في باريس، تحسبًا للعنف أو الاضطرابات المرتبطة بالمباراة، وانتهت الليلة بهدوء نسبي في العاصمة الفرنسية، وهذا الانتشار لا يعني أن فرنسا تدخلت في النتيجة، لكنه أعلن أن المباراة تحمل كلفة داخلية كبيرة، وأن انتصار المغرب أو الاحتفالات المرتبطة به يمكن أن يتحولا إلى حدث يتعلق بالجاليات والهوية والشرطة واليمين المتطرف والفضاء العام، ولذلك رأى بعض المشجعين أن خسارة المغرب كانت النتيجة الأكثر راحة أمنيًا وسياسيًا لفرنسا.

 

غير أن الطرف المستفيد ليس بالضرورة صانع النتيجة، وقد ترتاح فرنسا لفوزها دون أن تطلبه، وقد تستعد السلطات لأي سيناريو، وقد تكون الحكومة المغربية معنية باستقرار العلاقات دون أن تتدخل في المنتخب، ولهذا تبقى الحلقة الأساسية مفقودة: من صاحب المصلحة إلى صاحب القرار، ومن الاتصال إلى التعليمات، ومن التعليمات إلى الخطة، ومن الخطة إلى الأداء، ومن دون هذه الحلقة توجد شبهة وسياق ودافع محتمل، لكن لا توجد قضية مكتملة.

 

وهنا تدخل فكرة «الجريمة المثالية»، التي تقول إن التلاعب، إن وقع، لم يحتج إلى خطأ فاضح أو معرفة جميع اللاعبين، بل يكفي أن تسيطر دائرة صغيرة على الخطة وسقف المخاطرة، وأن ينفذ الآخرون تعليمات فنية تبدو طبيعية، فيقاتل بونو لأنه لا يعرف، ويتراجع الفريق لأنه ينفذ، وتأتي التبديلات متأخرة، ثم يُشرح الخروج بالشباب وقوة فرنسا، لكن خطورة هذه الفكرة أنها قد تصبح محصنة ضد أي اختبار، فإذا لم يوجد دليل قيل إن الجريمة مثالية، وإذا قاتل لاعب قيل إنه لم يعرف، وإذا ظهر آخر ضعيفًا قيل إنه نفذ، وإذا نفت المؤسسة قيل إن النفي جزء من التغطية، وحين تفسر الفرضية كل شيء لا يبقى شيء قادرًا على نفيها.

 

لذلك يجب الحفاظ على الحد الفاصل: ما شوهد يسمح بانتقاد الخطة والقيادة والسلوك والصورة والخطاب، ويسمح بفهم لماذا ظهرت فرضية الاحتواء، لكنه لا يسمح باتهام حكيمي أو المدرب أو اللاعبين ببيع المباراة بوصفه واقعة، وصورة حكيمي، مهما كانت خطيرة، ليست دليلًا جنائيًا، بل دليل على فشل رمزي واتصالي، وأداءه، مهما بدا أقل من مستوى القائد، لا يثبت معرفة مسبقة، بل يثبت أن القيادة التي احتاجها الجمهور لم تصل إليه بالصورة المطلوبة.

 

وقد يكون التفسير النهائي أقل درامية: مدرب خاف من فرنسا، وفريق مرهق، وغياب مؤثر، وقائد مكبل بالخطة أو لم ينجح في رفع زملائه، ولاعبون فقدوا الإيمان تدريجيًا، ومؤسسة انتقلت بسرعة إلى حماية الجيل والمستقبل، وسياق سياسي وأمني جعل كل شيء يبدو مرتبًا، ثم جاءت صورة حكيمي لتضعف أي دفاع، لا لأنها كشفت سرًا، بل لأنها لم تمنح الناس الشعور الذي احتاجوا إليه، وفي هذا السيناريو لا توجد صفقة، لكن توجد سلسلة من الأخطاء والتنازلات الصغيرة أنتجت خسارة تشبه البيع.

 

فالحلم قد لا يُباع في اجتماع واحد، بل يُهدر حين يصبح تجنب الخسارة الثقيلة أهم من محاولة العودة، وحين تصبح تعليمات المدرب أهم من قراءة اللاعبين للحظة، وحين يصمت القائد بينما يحتاج الفريق إلى تمرد، وحين يصبح المستقبل أهم من الحاضر، والعلاقات أهم من الرمز، والصورة الرسمية أهم من الحقيقة الفنية، وعندما تجتمع هذه الأولويات يجد الجمهور أن الفوز وحده لم يكن له مدافع.

 

ولهذا تبقى هايتي شاهدة على التناقض، ففي تلك المباراة كان حكيمي قائد العودة وهداف التعادل الأول، وكان الفريق يتأخر ولا يقبل النهاية، وكان الشباب دليل نضج لا عذرًا، وكانت التبديلات وسيلة لتغيير النتيجة، وكان الوقت مساحة للمقاومة، ثم أمام فرنسا، حين أصبحت العودة أصعب وأكثر قيمة، اختفت الروح أو لم تظهر بما يكفي، وغاب عن القائد الدور الذي كان يجب أن يربط الفريق بتلك الذاكرة، ثم جاءت صورته بعد المباراة لتجعل الغياب أكبر.

 

كان يمكن لحكيمي أن يقدم، حتى داخل الخسارة، الصورة التي تغلق جزءًا من الشبهة: قائد يطلب الكرة، يصرخ، يجمع اللاعبين، يدفعهم، يظهر بعد النهاية محطمًا أو غاضبًا أو مسؤولًا، لا لأن الحزن له شكل إلزامي، بل لأن اللحظة تحتاج إلى معنى، لكن الصورة التي انتشرت لم تفعل ذلك، وحين يفشل القائد في إدارة صورة الخروج، تصبح صورته أقوى من أي شرح لاحق عن التعليمات والضغط والإرهاق، ويصبح من السهل أن يقول الناس إن بونو وحده بدا وكأنه لم يكن مستعدًا للنهاية.

 

قد تكون هذه القراءة ظالمة لحكيمي على المستوى الإنساني، لكن القيادة ليست موقعًا إنسانيًا خاصًا فقط، بل موقع عام يقبل المساءلة، ومن يحمل الشارة يحمل معها عبء أن يُفهم سلوكه بوصفه رسالة، وكان عليه أن يعرف أن مباراة فرنسا ليست مباراة يمكن الانتقال بعدها بسرعة إلى مصافحة صديق أو لقطة عادية دون أن تُقرأ، وأن الرمز الذي صار المنتخب يحمله يجعل كل ابتسامة أثقل من معناها الشخصي، وكل هدوء قابلًا لأن يتحول إلى اتهام.

 

المؤسسة أيضًا كانت مطالبة بحماية قائدها وفريقها عبر الشرح، لا عبر الصمت، وكان يمكنها أن تقول إن الصورة مجتزأة، وأن حكيمي قاد اجتماع اللاعبين بعد المباراة، وأن الحزن ظهر في أماكن أخرى، وأن دوره التكتيكي كان مقيدًا، وأن الفريق اختار الحذر لسبب محدد، لكن حين لا تقدم شيئًا، تُترك الصورة وحيدة، والصورة حين تُترك وحيدة تصبح رواية.

 

أما القول إن الجمهور يبالغ أو يبحث عن مؤامرة، فهو أسهل طريقة لإبقاء المؤامرة حية، لأن الناس لا تحتاج إلى من يسخر من شعورها، بل إلى من يشرح لماذا لم يشبه المنتخب نفسه، ولماذا لم يشبه قائده الصورة المنتظرة، ولماذا لم تظهر روح هايتي، ولماذا لم ترتفع المخاطرة، ولماذا جاء خطاب الشباب، وكيف فُصلت المباراة عن السياق السياسي والأمني.

 

إن أقوى تفسير طبيعي يظل موجودًا: فرنسا كانت أفضل، والمغرب خسر أمام فريق أقوى، والخطة المحافظة ربما كانت محاولة لتجنب المساحات، واللاعبون ربما كانوا مرهقين، وحكيمي ربما نفذ واجباته أو تأثر بدنيًا، والصورة ربما كانت لحظة مجتزأة لا تعكس حزنه، والزيارة الحكومية كانت معدة مسبقًا، والأمن الفرنسي كان يستعد لكل الاحتمالات، وهذه الرواية معقولة، لكنها تحتاج إلى تفاصيل كي تهزم الرواية الأخرى، ولا يكفي أن تُكرر بوصفها الحقيقة الرسمية.

 

وفي المقابل، على أصحاب فرضية البيع أن يعترفوا بأن الصورة لا تثبت النية، وأن غياب المقاومة الظاهرة لا يثبت وجود أمر، وأن كون النتيجة مفيدة لفرنسا لا يثبت أنها صنعتها، وأن قوة الرمز لا تثبت أن جهة قررت احتواءه، وأن الجريمة المثالية التي لا تترك أثرًا ولا يمكن نفيها تبقى قصة لا قضية.

 

وبين البراءة والإدانة توجد حقيقة ثابتة: المغرب فشل في إقناع قطاع واسع بأن خسارته كانت صادقة مع الشخصية التي صنعها، وحكيمي فشل، على مستوى الصورة العامة على الأقل، في تجسيد القيادة التي كانت تحتاج إليها تلك اللحظة، والخطاب الرسمي فشل في تقديم تفسير أقوى من الشبهة، والسياق السياسي والأمني منح الشبهة دافعًا، وبونو منحها بريئًا، وهايتي منحتها المقارنة التي لا يمكن التخلص منها.

 

لم يكن الجمهور يطلب من حكيمي أن يهزم فرنسا وحده، بل أن يكون القائد حين أصبحت الخطة عاجزة، وأن يظهر للناس أن الفريق يرفض النهاية حتى لو عجز عن تغييرها، لأن القائد يمكن أن يخسر فنيًا وينتصر رمزيًا، ويمكن أن يخرج من البطولة وهو يحمي ثقة الناس في صدق المحاولة، أما حين يكون الأداء ضعيفًا والصورة مرتبكة، فإن الخسارة تنتقل من النتيجة إلى المعنى.

 

ولهذا فإن إعادة صياغة السؤال تصبح ضرورية: لسنا نسأل فقط هل بيعت المباراة، بل نسأل من قاد الفريق حين بدأت تضيع، ومن رفع صوته، ومن أعاد إليه روح هايتي، ومن قال للاعبين إن بونو منحهم حياة، ومن رفض أن تمر الدقائق بسلام، وإذا كان الجواب أن كل ذلك وقع بعيدًا عن الصورة، فلماذا لم يظهر أثره في الملعب؟

 

ربما لم تُبع المباراة، لكن التفسير بِيْع بطريقة رديئة، وربما لم يكن حكيمي يعرف سوى ما يعرفه كل لاعب، لكن صورته لم تحمِه من الشبهة، وربما لم يُوقف الرمز عمدًا، لكن توقفه أمام فرنسا بالطريقة التي توقف بها جعل الاحتواء تفسيرًا قابلًا للتداول، وربما كانت الجريمة الوحيدة هي الخوف التكتيكي، لكن المؤسسة اختارت ألا تعترف به، فتركت الناس يبحثون عن جريمة أكبر.

 

الخسارة أمام فرنسا كانت ممكنة ومقبولة، لكن اختفاء روح هايتي لم يكن سهل القبول، وغياب القائد عن الصورة المنتظرة لم يكن تفصيلًا، لأن هايتي أثبتت أن هذا الفريق يعرف المقاومة، وحكيمي نفسه كان جزءًا من إثباتها، ولذلك كانت فرنسا محاكمة له بقدر ما كانت محاكمة للمدرب والفريق، وحين لم يظهر الدور نفسه، صار السؤال عن الشارة لا عن اللاعب فقط.

 

إن صورة حكيمي لا تدين أحدًا، لكنها تدين سوء فهم المؤسسة لقوة الصورة، وتقول إن قائد المنتخب ليس حرًا تمامًا في أن يتصرف بعد الخسارة بوصفه لاعبًا عاديًا، لأن ملايين الناس لا يرونه فردًا فقط، بل يرون من خلاله مقدار احترام الفريق للحلم الذي حملوه، وقد تكون القراءة قاسية، لكنها جزء من ثمن القيادة.

 

في النهاية، لا توجد مادة تسمح بالقول إن حكيمي باع المباراة أو عرف سيناريوها، وأي اتهام مباشر من هذا النوع سيكون ظلمًا بلا دليل، لكن توجد مادة كافية للقول إن أداءه القيادي وصورته العامة لم يكونا في مستوى اللحظة، وإن ذلك أسهم في تحويل الشبهة إلى يقين لدى كثيرين، لأن الناس لا تبني أحكامها من التقارير وحدها، بل من النظرة والحركة والانفعال ومن الشخص الذي يفترض أن يقود حين ينهار كل شيء.

 

لم نخسر أمام فرنسا فقط، بل خسرنا القدرة على تصديق أن الفريق استعمل كل ما يملك، وخسر القائد فرصة أن يجعل صورته جدارًا أمام الشبهة، وخسرت المؤسسة معركة التفسير، وبقي بونو في المخيال الجماهيري الشخص الذي قاوم وبدا كأنه أدرك حجم ما ضاع، بينما بقي حكيمي، بعد أن كان قائد العودة أمام هايتي، محاصرًا بصورة لم تقل للناس ما كانوا يحتاجون إلى سماعه.

 

ولهذا سيبقى السؤال قائمًا: كيف تحوّل قائد سجل بداية العودة أمام هايتي إلى قائد لم ينجح في إعادة روحها أمام فرنسا، وكيف اختفى المنتخب الذي تأخر مرتين فرفض مرتين، في المباراة التي كان الانتصار فيها سيجعل رمزيته أكبر من كرة القدم، وهل أوقفته فرنسا وحدها، أم أوقفه الخوف والخطة والحسابات والصمت، ثم جاءت الصورة لتقول ما لم تستطع الكلمات قوله؟

قد تكون الإجابة أقل إثارة من كل النظريات: فرنسا كانت أفضل، والمدرب أخطأ، واللاعبون خذلهم الجسد أو الذهن، وحكيمي ظهر في لقطة ظالمة، لكن ما لم تُقدم هذه الإجابة كاملة ومدعومة، ستظل الرواية الأخرى حية، لا لأن البيع ثبت، بل لأن طريقة الخسارة وصورة القائد والخطاب الذي تلاها لم تقدم للناس شيئًا أكثر إقناعًا.

المشكلة لم تكن أن فرنسا سجلت هدفين، بل أن المغرب لم يعلن الحرب على الهدفين، ولم يستدعِ روح هايتي، ولم يظهر قائده كمن يحمل فريقًا يرفض السقوط، ثم طُلب من الناس أن يصدقوا أن هذا كان كل ما يمكن تقديمه، ولذلك لم تعد الخسارة نتيجة، بل صارت مسرحًا، وصارت صورة حكيمي فيه أقوى من كل المجلدات، لا لأنها كشفت جريمة، بل لأنها اختصرت انهيار المعنى كله في لحظة واحدة.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )