الجامعة المغربية ومعضلة تراكم مشاريع الإصلاح.. أين الخلل..؟

د. مصطفى الغاشي 

 

شكّلت الجامعة المغربية منذ الاستقلال سنة 1956 إحدى أهم رهانات بناء الدولة الوطنية الحديثة، باعتبارها مؤسسة لإنتاج النخب، وتأهيل الموارد البشرية، وصناعة المعرفة. غير أنّ مسار الجامعة المغربية ظلّ محكوماً بتوترات متعددة: بين الكم والكيف، بين التعريب والفرنسة، بين التكوين والتشغيل، وبين الاستقلال الأكاديمي ومتطلبات الدولة والسوق. ولذلك فإن الحديث عن “أعطاب الجامعة المغربية” لا يرتبط فقط بمشكل بيداغوجي أو إداري، بل بأزمة بنيوية عميقة تعكس تحولات المجتمع المغربي نفسه.

 

 

لقد انتقلت الجامعة المغربية من مؤسسة نخبوية محدودة العدد خلال الستينيات والسبعينيات، إلى جامعة “جماهيرية” تعاني الاكتظاظ وضعف الإمكانيات منذ الثمانينيات، ثم إلى جامعة تبحث اليوم عن التموقع داخل عالم رقمي ومعرفي شديد التنافسية. لكن السؤال المركزي ظل مطروحاً: هل استطاعت الجامعة المغربية أن تتحول إلى قاطرة حقيقية للتنمية والبحث العلمي؟

أولاً: الجامعة المغربية بعد الاستقلال – مشروع بناء الدولة-.

 

 

ارتبطت الجامعة المغربية في مرحلة ما بعد الاستقلال بمشروع وطني هدفه تكوين الأطر المغربية وتعويض الإدارة الاستعمارية. وقد مثّل تأسيس جامعة محمد الخامس سنة 1957 بداية فعلية لبناء الجامعة الوطنية الحديثة.

ومن ملامح المرحلة:

اولا، تكوين نخبة الإدارة والقضاء والتعليم.

ثانيا، محدودية عدد الطلبة والأساتذة.

ثالثا، حضور قوي للدولة في توجيه الجامعة.

رابعا، تأثير النموذج الجامعي الفرنسي.

 

 

ولقد كانت الجامعة آنذاك فضاءً للنقاش السياسي والفكري، ومجالاً لإنتاج النخب الحزبية والنقابية والثقافية.

ثانياً: من الجامعة النخبوية إلى الجامعة “الجماهيرية”.

 

 

ابتداءً من الثمانينيات، بدأت الجامعة المغربية تدخل مرحلة التحول الكبير نتيجة:

اولا، الانفجار الديمغرافي.

ثانيا، تعميم التعليم الثانوي.

ثالثا، ارتفاع الطلب الاجتماعي على الشهادات.

رابعا، التحولات الاقتصادية وبرامج التقويم الهيكلي.

 

 

لقد أصبحت الجامعة تستقبل أعداداً ضخمة من الطلبة دون مواكبة حقيقية للبنيات التحتية أو الموارد البشرية، فظهرت عدة اختلالات:

1. الاكتظاظ وضعف البنيات، حيث تحولت بعض الكليات إلى فضاءات مكتظة، ومدرجات تتجاوز طاقتها الاستيعابية، ونقص المختبرات والمكتبات، وضعف الرقمنة والتجهيزات.

وقد أثّر ذلك على جودة التكوين وعلى العلاقة البيداغوجية بين الأستاذ والطالب.

2. أزمة البحث العلمي، حيث رغم الحديث الرسمي المتكرر عن “اقتصاد المعرفة”، ظل البحث العلمي الحلقة الأضعف داخل الجامعة المغربية: من خلال ضعف الميزانيات المخصصة للبحث، ومحدودية النشر العلمي الدولي، وهجرة الكفاءات الجامعية، مع غياب الربط الحقيقي بين الجامعة والمقاولة.

 

مما يلاحظ ان مساهمة الجامعات المغربية في التصنيفات العالمية محدودة مقارنة بجامعات دول صاعدة مثل تركيا أو إيران أو ماليزيا.

ثالثاً: إشكالية الإصلاحات المتكررة

خيث عرفت الجامعة المغربية سلسلة طويلة من الإصلاحات:

اولا، إصلاح 1975.

ثانيا، الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999/2000.

 

 

لقد عرفت الجامعة المغربية منذ سنة 2000 موجات متتالية من الإصلاحات، غير أن الإشكال المركزي لم يكن في غياب المشاريع أو التصورات، بل في “تراكم الإصلاحات دون تراكم النتائج”. فكل مرحلة كانت تُقدَّم باعتبارها قطيعة مع السابقة، بينما ظلت الأعطاب البنيوية نفسها تتكرر: ضعف الحكامة، هشاشة التمويل، الاكتظاظ، أزمة البحث العلمي، وانفصال الجامعة عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية…الخ.

 

 

يمكن القول إن الفترة الممتدة من 2000 إلى 2026 تمثل “زمن الإصلاح الدائم” داخل الجامعة المغربية، لكنه إصلاح اتسم غالباً بالتقطع أكثر من التراكم المؤسساتي الحقيقي.

 

 

أولاً: مرحلة الميثاق الوطني وبداية الأمل الإصلاحي (2000-2008). اذ شكّل الميثاق الوطني للتربية والتكوين لسنة 1999 المرجعية الكبرى لأول إصلاح شامل بعد الاستقلال، وتم تنزيله عبر القانون 01.00 المنظم للتعليم العالي سنة 2000.

 

 

ومن أهم رهانات المرحلة: تحديث الجامعة المغربية، واعتماد نظام الإجازة–الماستر–الدكتوراه (LMD)، توسيع استقلالية الجامعات، وربط التكوين بسوق الشغل، ثم تطوير البحث العلمي.

غير أن هذه المرحلة اصطدمت بعدة معيقات كان اهمها:

اولا، ضعف الإمكانات المالية مقارنة بالتوسع الديمغرافي للطلبة.

ثانيا، غياب إصلاح إداري موازٍ للإصلاح البيداغوجي.

ثالثا، استمرار المركزية رغم خطاب الاستقلالية.

رلبعا، ضعف التكوين اللغوي والرقمي.

خامسا، غياب رؤية اقتصادية تستوعب الخريجين.

 

 

ومن الملاحظ خلال تلك المرحلة التركيز على إصلاح الهياكل أكثر من إصلاح الثقافة الجامعية نفسها.

ثانياً: البرنامج الاستعجالي ومنطق التدبير التقني (2009-2012)، حيث جاء البرنامج الاستعجالي باعتباره محاولة لإنقاذ ما اعتُبر “تعثر إصلاح الميثاق”. وقد ركز على:

اولا، تحسين العرض الجامعي.

ثانيا، دعم البحث العلمي.

ثالثا، ارصاء البنيات التحتية.

رابعا، الحكامة والتدبير بالنتائج.

لكن التجربة أفرزت إشكاليات عميقة ومعقدة: مثل:

اولا، غلبة المقاربة التقنية والإحصائية.

ثانيا، هيمنة منطق المشاريع القصيرة المدى.

ثالثا، ضعف التتبع والتقييم.

رابعا، تضخم البيروقراطية الجامعية.

خامسا، غياب إشراك فعلي للأساتذة والطلبة.

 

 

ومن هنا ظهرت المعضلة الأساسيةللاصلاخ: “الإصلاح الإداري بدون إصلاح فكري”. فالجامعة المغربية لم تكن فقط في حاجة إلى بنايات ومختبرات، بل إلى إعادة تعريف وظيفتها داخل المجتمع.

ثالثاً: الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 ومحاولة بناء جامعة جديدة:

فمع صدور الرؤية الاستراتيجية للمجلس الأعلى للتربية والتكوين، عاد الحديث عن: الإنصاف والجودة، والجامعة الرقمية، والحكامة الجيدةو وتثمين البحث العلمي والانفتاح الدولي. وربط الجامعة بالنموذج التنموي الجديد.

 

ثم جاء القانون الإطار 51.17 سنة 2019 ليمنح الإصلاح طابعاً تشريعياً طويل المدى. لكن رغم أهمية هذه الرؤية، استمرت الأعطاب التالية:

1. الاكتظاظ الجامعي حيث ارتفع عدد الطلبة بشكل كبير مقابل ضعف التأطير، ما أثر على جودة التكوين.

2. هشاشة البحث العلمي، حيث رغم ارتفاع عدد المختبرات، بقي الإنتاج العلمي محدود الأثر اقتصادياً وصناعياً.

3. أزمة الحكامة، حيث استمرت الجامعة رهينة: التعقيد الإداري، مع ضعف الاستقلالية الحقيقية، والتداخل السياسي والنقابي أحياناً.

4. أزمة اللغات، اذ يسجل استمرار التذبذب بين: التعريب، والفرنسة، مع الانفتاح المحتشم على الإنجليزية.

5. انفصال الجامعة عن الاقتصاد، حيث أصبح الخريج يعيش مفارقة كبيرة: “شهادة جامعية دون اندماج مهني”.

رابعاً: إصلاحات 2024-2026، ومحاولة إعادة البناء المؤسساتي:

فقد شهدت السنوات الأخيرة نقاشاً واسعاً حول إصلاح جديد للتعليم العالي، تُوِّج بالمصادقة على مشروع القانون 59.24 سنة 2026، باعتباره بديلاً للقانون 01.00. ( رغم الجدل الكبير الذي اثاره داخل الاوساط الجامعية!؟؟). ويراهن هذا الإصلاح حسب وثيقته على:

اولا، تعزيز استقلالية الجامعات،

ثانيا، تحديث الحكامة،

رلبعا، رقمنة الخدمات الجامعية،

خامسا، دعم الابتكار،

سادسا، تشجيع الشراكات الدولية،

سابعا، جعل الجامعة رافعة للنموذج التنموي.

 

 

وفي هذا الصدد، كما تؤكد المعطيات الرسمية ارتفاع عدد الطلبة إلى أكثر من 1.3 مليون طالب سنة 2026، ما يعكس ضغطاً هائلاً على المنظومة الجامعية. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل نحن أمام إصلاح جديد؟ أم أمام إعادة إنتاج لدورة الإصلاحات السابقة؟؟

خامساً: معضلة تراكم مشاريع الإصلاح:

تكمن المعضلة الحقيقية في أن الجامعة المغربية عاشت تراكمات: تراكم النصوص، تراكم المخططات، وتراكم الشعارات،

لكن دون تراكم فعلي للنجاعة المؤسساتية.

 

 

وهنا تظهر خمس أزمات بنيوية:

1. أزمة الاستمرارية، فكل وزير يبدأ من الصفر تقريباً، مما يقطع التراكم المؤسساتي.

2. أزمة التقييم، اذ نادراً ما يتم تقييم الإصلاحات السابقة بجرأة علمية ومحاسباتية.

3. أزمة الهوية، ايطرح السؤال الجوهري التالي، هل الجامعة المغربية: فضاء للمعرفة؟ أم أداة للتشغيل؟ أم مؤسسة لإنتاج النخب؟ أم فضاء للترقي الاجتماعي؟

ان غياب الجواب الواضح عن هذه الاسئلة أربك السياسات الجامعية.

4. أزمة البحث العلمي، اذ لا تزال العلاقة ضعيفة بين: الجامعة،

و الصناعة، والمقاولة، والمجتمع.

5. أزمة الثقة، حيث يسجل تراجع الثقة في الجامعة العمومية لدى: الطلبة، والأسر، وسوق الشغل.

سادساً: أي آفاق للجامعة المغربية؟ ( الطموح المشروع)،

إن مستقبل الجامعة المغربية رهين بالانتقال: من “إصلاح الجامعة” إلى “إعادة تأسيس الجامعة”. وذلك عبر:

أولا: بناء استقلالية حقيقية، استقلالية: مالية، أكاديمية، وإدارية.

ثانياً: ربط البحث العلمي بالاقتصاد الوطني، خصوصاً في:

الذكاء الاصطناعي، الطاقات المتجددة، والأمن الغذائي، والاقتصاد البحري، والدراسات الاستراتيجية.

 

 

ثالثاً: إصلاح وضعية الأستاذ الجامعي، لأن أزمة الجامعة هي أيضاً أزمة مكانة الباحث والأستاذ.

رابعاً: التحول الرقمي الحقيقي وليس فقط رقمنة الإدارة.

خامساً: إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية والاجتماعية، باعتبارها شرطاً لفهم المجتمع والدولة والتحولات الثقافية.

 

 

وفي الختام، فإن الجامعة المغربية بين 2000 و2026 تقدم نموذجاً واضحاً لـ:“وفرة الإصلاح مقابل ندرة التحول”. فالمشكل لم يعد في غياب الرؤى، بل في: ضعف الاستمرارية،

وهشاشة الحكامة، وغياب إرادة تحويل الجامعة إلى قوة استراتيجية للدولة والمجتمع.

ولهذا فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس إنتاج مشروع إصلاح جديد، بل إنتاج: “عقل جامعي جديد”، قادر على تجاوز منطق التدبير الظرفي نحو بناء جامعة المعرفة والسيادة العلمية والتنمية الوطنية.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )