الكبش بألف درهم: كيف كشف عيد الأضحى أعطاب السوق المغربي المحرر؟

المساء اليوم – أ. فلاح

 

لم تكن عبارة “الكبش بألف درهم” مجرد رقم عابر في تصريح رسمي من داخل قبة البرلمان، بل تحولت خلال ساعات إلى مادة دسمة للنقاش والسخرية والغضب داخل الشارع المغربي ومواقع التواصل الاجتماعي، بعدما اعتبر كثير من المواطنين أن الحديث عن أضحية بهذا السعر لا يعكس واقع الأسواق التي تعرف أثمنة مرتفعة أنهكت القدرة الشرائية للأسر.

 

 

تصريحات أحمد البواري فتحت بابا واسعا للنقاش، ليس فقط حول أسعار الأضاحي، بل حول نموذج اقتصادي كامل يقوم منذ سنوات على تحرير السوق وتقليص تدخل الدولة في ضبط الأسعار وسلاسل التوزيع. وبين الرواية الرسمية التي تؤكد وجود أضاح بأسعار معقولة، ورواية المواطنين الذين يصطدمون بأرقام مضاعفة داخل الأسواق، برز سؤال جوهري: أين يرتفع الثمن فعليا؟ ومن المستفيد الحقيقي من رحلة الكبش من الضيعة إلى المستهلك؟

 

– من الضيعة إلى السوق.. رحلة “الكبش” عبر خمس أياد

 

في القرى والمناطق الرعوية، يبدأ المشهد مختلفا تماما. المربي الصغير، الذي يقضي أشهرا في تربية الأغنام وسط ارتفاع أسعار الأعلاف والجفاف وتكاليف التلقيح والنقل، يبيع كبشه أحيانا بثمن يعتبره بالكاد يغطي المصاريف. لكن الكبش نفسه لا يصل مباشرة إلى المستهلك، بل يدخل في سلسلة طويلة من الوسطاء والسماسرة وتجار الجملة والنقل وإعادة البيع.

 

 

في عدد من الأسواق، يتحدث مهنيون عن انتقال الأضحية عبر أربع أو خمس حلقات قبل وصولها إلى المواطن. “الرقم واحد” يشتري من المربي، ثم يبيع لـ“الرقم اثنين”، الذي يعيد بيعه لتاجر آخر، وصولا إلى البائع النهائي داخل المدن الكبرى. وفي كل مرحلة، يضاف هامش ربح جديد، ليتحول الكبش الذي غادر الضيعة بثمن معين إلى أضحية مضاعفة السعر داخل الأسواق الحضرية.

 

 

هذا الواقع جعل كثيرا من المتابعين يعتبرون أن المشكلة لا تكمن فقط في تكلفة الإنتاج، بل في طبيعة السوق نفسه، حيث تراجعت آليات الضبط لصالح منطق المضاربة والوساطة الحرة.

 

– تحرير السوق.. المفهوم الذي لا يفهمه كثيرون

 

أعاد الجدل أيضا تسليط الضوء على مفهوم “تحرير السوق”، وهو مصطلح اقتصادي قد يبدو تقنيا بالنسبة لعدد كبير من المواطنين، لكنه ينعكس مباشرة على تفاصيل حياتهم اليومية.

 

 

تحرير السوق يعني ببساطة أن الدولة لم تعد تحدد الأسعار بشكل مباشر، بل تركت ذلك لمنطق العرض والطلب والمنافسة الحرة. هذا التوجه، الذي اعتمدته دول عديدة ومنها المغرب خلال العقود الأخيرة، كان يهدف نظريا إلى تشجيع الاستثمار وتحسين المنافسة وتوفير المنتجات بشكل أكبر.

 

 

لكن منتقدي هذا النموذج يرون أن التحرير، في غياب مراقبة صارمة وشفافية حقيقية، فتح المجال أمام المضاربة وتضخم هوامش الربح، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالمواد الأساسية والمنتجات ذات الطلب الموسمي المرتفع، مثل الأضاحي.

 

 

وفي حالة عيد الأضحى، يصبح الطلب شبه مضمون، بينما يبقى المستهلك تحت ضغط اجتماعي وديني يدفعه إلى الشراء مهما ارتفع الثمن، وهو ما يمنح الوسطاء قوة إضافية داخل السوق.

 

– الغضب الشعبي.. أكثر من مجرد ثمن كبش

 

السخرية التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي لم تكن مرتبطة فقط برقم “ألف درهم”، بل عكست حالة احتقان اجتماعي أوسع مرتبطة بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.

 

 

فبالنسبة إلى عدد كبير من الأسر المغربية، لم تعد الأضحية مجرد شعيرة دينية، بل أصبحت عبئا ماليا ثقيلا يتطلب الادخار المسبق أو اللجوء إلى الاقتراض. وفي ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات والخدمات، جاء الجدل حول الأضاحي ليعيد إلى الواجهة شعورا متزايدا بوجود فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي للمواطنين.

 

 

ويرى متابعون أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في الأسعار، بل في فقدان الثقة في السوق وفي قدرة المؤسسات على مراقبة المضاربة وضمان توازن معقول بين مصالح المربين والتجار والمستهلكين.

 

– المربي ليس دائما المستفيد الأكبر

 

المفارقة التي يجهلها كثير من المواطنين هي أن المربي نفسه لا يكون دائما الرابح الأكبر من ارتفاع الأسعار. ففي السنوات الأخيرة، اشتكى مربو الماشية من الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف وتكاليف الرعاية البيطرية وتراجع المراعي الطبيعية، ما جعل تكلفة التربية ترتفع بشكل غير مسبوق.

 

 

ويؤكد مهنيون أن جزءا مهما من الأرباح يتحقق داخل حلقات الوساطة وإعادة البيع، وليس بالضرورة عند المربي الصغير الذي يتحمل الجزء الأكبر من المخاطر.

هذا الوضع خلق مفارقة واضحة: المستهلك يشتري بثمن مرتفع، بينما يشعر المربي بدوره بأنه لا يحقق أرباحا استثنائية، في حين تبقى هوامش الربح الحقيقية موزعة بين شبكات متعددة داخل السوق.

 

– هل فشل نموذج السوق الحر؟

 

الجدل الذي رافق قضية الأضاحي أعاد إلى الواجهة نقاشا أعمق حول حدود السوق الحر في المغرب. فبين من يرى أن الأسعار يجب أن تبقى خاضعة لمنطق المنافسة، ومن يطالب بتدخل أكبر للدولة لحماية القدرة الشرائية، يظل السؤال قائما حول كيفية تحقيق التوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

 

 

ويرى اقتصاديون أن المشكل لا يتعلق بالتحرير في حد ذاته، بل بغياب شروط المنافسة الحقيقية والرقابة الفعالة والشفافية في سلاسل التوزيع. ففي الأسواق التي تضعف فيها آليات المراقبة، يتحول التحرير أحيانا إلى بيئة خصبة للمضاربة واحتكار الأرباح.

 

 

عيد الأضحى كمؤشر اجتماعي

 

لم يعد عيد الأضحى مجرد مناسبة دينية واجتماعية، بل أصبح أيضا مؤشرا اقتصاديا يكشف عمق التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي. فالنقاش حول “الكبش بألف درهم” كشف حجم التوتر القائم بين الخطاب الاقتصادي الرسمي والواقع المعيشي اليومي، كما أظهر أن قضية الأسعار لم تعد مجرد أرقام، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالإحساس بالعدالة والثقة والكرامة الاجتماعية.

 

 

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يتردد داخل الأسواق المغربية كل سنة: إذا كان المربي يشتكي، والمواطن يشتكي، فمن المستفيد الحقيقي من رحلة الكبش داخل سوق محرر تتعدد فيه الأيادي وتختلط فيه المصالح؟!

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )