المساء اليوم – هيأة التحرير: حين طُلب في 1999 من أستاذ علم النفس البروفسور الإسرائيلي شاؤول كيمحي تكوين صورة نفسية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.. قال إنه "نرجسي ذا ميول بجنون العظمة والاستبداد، لكنه موهوب بقدرة خطابية استثنائية ومهارة في العلاقات العامة، ووسائل الإعلام لها أهمية قصوى بالنسبة له"، بالإضافة إلى سمات أخرى... بنيامين نتنياهو.. يُلقبه أنصاره بـ"الملك بيبي".. ومعارضوه السابقون واللاحقون بـ "الفاشل".. أول رئيس وزراء لإسرائيل ولد فيها والأصغر عمرا في هذا المنصب... صاحب أطول فترة في منصب رئيس الوزراء بإسرائيل وصلت إلى 15 عاما منها 12 عاما تواليا.. تحالفه مع الأحزاب الدينية في إسرائيل ومحاولة تقربه من المستوطنين جعله في نظر كثيرين "خطرا" على إسرائيل كدولة "ديمقراطية".. من أبرز أحداث محطات مشواره السياسي شنُّ القوات الإسرائيلية -في فجر 31 مايو 2010- هجوما على "أسطول الحرية"، الذي كان يتألف من ست سفن، تحمل مواد إغاثة ومساعدات إنسانية ونحو 750 ناشطا حقوقيا وسياسيا بينهم صحفيون يمثلون وسائل إعلام دولية، حاولوا التوجه إلى قطاع غزة وكسر الحصار المفروض عليه. نتنياهو في سطور ولد بنيامين نتنياهو في 21 أكتوبر 1949 في مدينة يافا، وورث عن والده بن تسيون عقيدة متشددة، إذ كان الأخير المساعد الشخصي لزئيف جابوتنسكي، زعيم تيار صهيوني يقدم نفسه على أنه "تصحيحي" ويسعى إلى تأسيس "إسرائيل الكبرى". في العام 1976، كان شقيقه يوناتان الجندي الإسرائيلي الوحيد الذي قتل أثناء مشاركته في عملية عسكرية نفذتها الوحدة التي كان يشرف عليها لتحرير الرهائن المحتجزين في طائرة خطفتها منظمتان فلسطينية وألمانية في أوغندا.. ويقول نتنياهو إن مقتل شقيقه كانت له "تداعيات شخصية كبيرة" عليه.. نشأ في جزء من حياته في الولايات المتحدة وتخرج من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا العريق... وبفضل تمكنه من اللغة الانجليزية، ركزت القنوات التلفزيونية الأميركية عليه أثناء دفاعه عن إسرائيل بين أواخر ثمانينيات ومطلع تسعينات القرن الماضي، وهو ما ساهم في صعود نجمه كشخصية سياسية على الصعيدين المحلي والدولي.. في الثمانينيات، شغل منصبا دبلوماسيا في سفارة بلاده في واشنطن.. تولى زعامة حزب الليكود العام 1993 وقاده إلى الفوز في الانتخابات ليكون أصغر رئيس وزراء لإسرائيل سنا عام 1996 عندما كان يبلغ من العمر 46 عاما.. خسر السلطة سنة 1999، لكنه استعادها بعد عشر سنوات ليبقى على رأسها مذّاك.. يدافع نتنياهو عن رؤيته لإسرائيل بوصفها "دولة يهودية" يجب أن تمتد حدودها من الجهة الشمالية الشرقية وصولا للأردن... ومن هنا يأتي وعده بضم غور الأردن في الضفة الغربية المحتلة.. في خطابه أمام "منتدى المحرقة العالمي"، قال إن على الشعب اليهودي "أن يأخذ تهديدات أولئك الساعين لتدميرنا على محمل الجد دائما.. وأن يواجه التهديدات حتى الصغيرة منها، وقبل كل شيء، أن نمتلك القدرة على حماية أنفسنا بأنفسنا"... التجربة السياسية وإرث اليمين يجسد نتنياهو إلى حد كبير إرث اليمين الإسرائيلي، إذ لم ينخرط في محادثات سلام جوهرية مع الفلسطينيين خلال فترة حكمه، بينما أشرف على توسيع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية المحتلة... ساهم في دفن عملية السلام مع الفلسطينيين التي بدأت في 1990، وارتفع عدد المستوطنات في الضفة الغربية خلال السنوات العشر الأخيرة بـ50%، فبات عدد المستوطنين 475 ألفا يعيشون وسط 2.8 مليون فلسطيني.. في أواخر السبعينيات عاد نتنياهو إلى إسرائيل لدخول الساحة السياسية، فعينه السياسي موشيه إرينز نائب رئيس البعثة الإسرائيلية في واشطن، ثم عُين سفيرا لإسرائيل لدى الأمم المتحدة.. بعد عودته من عمله بالأمم المتحدة، اُنتخب عضوا في الكنيست عن حزب الليكود عام 1988، وعمل مساعدا لوزير الخارجية، وكان له دور بارز في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.. ظل نتنياهو معارضا بقوة لحكومتي إسحاق رابين وشمعون بيريز، واستطاع هزم منافسه عن حزب العمل بيريز بفارق بسيط في انتخابات ماي 1996... وكان أصغر من تولى منصب رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل، فقد كان يبلغ من العمر 46 عاما... وعلى الرغم من انتقاده الشديد لاتفاقية أوسلو للسلام، إلاّ أنه وقع على اتفاق تلتزم إسرائيل بموجبه بتسليم 80% من مدينة الخليل للسلطة الفلسطينية.. ووافق على انسحاب الجيش الإسرائيلي من مناطق بالضفة الغربية وتسليمها إلى السلطة الفلسطينية... كانت أول مشكلة حقيقية واجهت نتنياهو بعد توليه منصب رئاسة الوزراء عام 1996 هي سلسلة عمليات استشهادية نفذتها حركة (حماس) داخل أراضي 48، وما تسببت فيه من أزمة حكومية.. صوت الكنيست الإسرائيلي على سحب الثقة من حكومته والدعوة إلى انتخابات مبكرة خسرها نتنياهو في منتصف 1999 أمام منافسه من حزب العمل الإسرائيلي إيهود باراك.. تنحى نتنياهو عن زعامة حزب الليكود لأرييل شارون، وقرر حينها اعتزال السياسة والعمل مستشارا أول مع شركة اتصالات إسرائيلية لمدة عامين.. وبعد انتخاب شارون رئيسا لوزراء إسرائيل عام 2001 قرر العودة للعمل السياسي، واستلم حقيبة وزارة الخارجية ثم وزارة المالية.. استقال عام 2005 اعتراضا على الانسحاب الإسرائيلي من غزة... وبعد تنحي شارون عن زعامة حزب الليكود نتيجة إصابته بجلطة دماغية، عاد نتنياهو للزعامة من جديد.. في أبريل 2009 تسلم مجددا رئاسة الوزراء بعد منافسة حادة مع مرشحة حزب كاديما ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني. واستمر في منصبه في الانتخابات التالية التي حدثت عام 2013. في دجنبر 2014 هاجم نتنياهو وزيرة العدل تسيبي ليفني ووزير المالية يائير لبيد، وأصدر قرارا بإقالتهما مع 4 وزراء آخرين من حكومته.. وصوت الكنيست الإسرائيلي على حل نفسه تمهيدا لإجراء انتخابات مبكرة بعد الخطوة التي قام بها نتنياهو، وانتخب حينها رئيسا للحكومة الإسرائيلية وفاز بالانتخابات التي حدثت في تلك الفترة.. خبراء النفس: شخصية مركبة من النرجسية والبارانويا قال أستاذ علم النفس البروفسور الإسرائيلي شاؤول كيمحي إن النجاح الشخصي أكثر أهمية بالنسبة لنتنياهو من الأيديولوجية، فهو يسعى باستمرار لتحقيق ذلك. ويتجلى هذا النمط من خلال قبوله للمساعدة من المساهمين الأميركيين الذين لديهم آراء متطرفة مختلفة تمامًا عن آرائه. كما أنه لا يتردد في استغلال الآخرين، بما في ذلك الزملاء، من أجل النجاح... ووصفه كيمحي بأنه أناني، ذئب وحيد، نوع الشخص الذي قد تقول إنه ليس له إله... يرغب في أن يكون الأفضل، وأن يكون الأول، وأن ينتصر على الآخرين، وأن يصل إلى القمة... شخص لطالما كان مرتاباً، يشكّ أن "العالم كلّه ضدّه"... ترتفع مستويات شكوكه وتشتدّ خلال الأزمات، فيبدأ بالشك في موظفيه المقرّبين... وهو ما يفسّر إصراره على منصب رئاسة الوزراء على الرغم من كل العوائق التي واجهته، إلى درجة أنه وضع يده بيد المتطرفين الذين تمكن من خلالهم من المنصب، وجعلهم في الائتلاف على الرغم من عدم خبرتهم في الوزارات التي استلموها... نتنياهو أيضًا يوقّع على عهود ويقطع وعودًا لا يفي بها... ونتيجة لذلك، يعتبر غير جدير بالثقة. وقد فعل ذلك عدة مرات مع الأميركيين ورؤساء عرب عدة مرات. وهو الأمر الذي طالما أغضب الإدارات الأميركية. إنه "مقتنع أنّه في السياسة، أي وسيلة مقبولة". يقول مستشاروه. سلوك نتنياهو تحت الضغط يختلف سلوكه تحت الضغط من موقف لآخر، إذا كان من الممكن توقع التوتر ومعرفة مصدره، فإنه يشعر أنه مسيطر، فيبقى هادئًا ويتعامل مباشرة مع المشاكل، وفق كيمحي. وعندما تكون الأزمة غير متوقعة ويشعر بفقدان السيطرة، فإنه يفقد رباطة جأشه ويتصرّف بارتباك، "في هذه اللحظات يكون مستعدًا للوعد بأي شيء، ويمكن الضغط عليه".. وهذا السلوك في الأزمات هو ما يوضح سبب أنّه "لم تكن أي من حروب إسرائيل الكبرى تحت إشرافه"... ووفق أنشيل فيفر، كاتب عمود في صحيفة "هآرتس"، الذي كتب سيرة ذاتية بعنوان "بيبي: الحياة المضطربة وأوقات بنيامين نتنياهو"، فإن الأخير "لم يكن سريعًا أبدًا في التعبئة وإرسال الجيش بأكمله، وهو ما يتماشى مع شخصيته"... وهو الأمر الذي حصل في طوفان الأقصى، بقي الجيش الإسرائيلي مشلولًا لأكثر من 6 ساعات... النظرة السياسية والدينية للعالم نظرته للعالم فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، يمكن تلخيصها كما يلي "لا يوجد شيء أكثر عدلا من عودة اليهود إلى وطنهم".. والدول العربية ليست ديمقراطيات، وبالتالي فإن السلام معها لا يمكن أن يقوم إلاّ على توازن الخوف، وعلى قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها.. تشير حياة نتنياهو طوال حياته السياسية إلى أسلوب حياة علماني تمامًا... ارتباطه بالدين ينحصر في خطاباته فقط، إذ تعطي التعبئة الدينية شعورًا قويًا بالاستمرارية التاريخية للأمة اليهودية واحترام التقاليد، وإن كان على سبيل الصورة الإعلامية... ووفق خصومه ومعارضيه فهو رجل متمحور حول ذاته، يستغل عملية طوفان الأقصى لنجاته.. ولا يهمّ إن كانت على حساب "الأمن الإسرائيلي".. رجل مرتاب لا يثق حتى بأعضاء مجلسه المصغّر، وبهذا لن يتمكّن هذا المجلس من اتخاذ القرارات للعمليات العسكرية، ولهذا السبب نقلها بايدن إلى عهدة القيادة المركزية الأميركية... وهو نفسه السبب الذي جعل معارضيه السابقين واللاحقين يصفونه بـ "الفاشل".. تهم ومحاكمات تلاحق نتنياهو تهم بتلقي الرشاوي والاحتيال وخيانة الأمانة والسرقة وإنفاق الأموال العامة على شراء الطعام، كما تواجه زوجته اتهامات بسرقة 100 ألف دولار من الأموال العامة. أنكر نتنياهو كافة التهم الموجهة إليه، واتهم التحقيق ضده بأنه ملوث ومتحيز وغير نزيه... وكان المدعي العام الإسرائيلي أفيخاي ماندلبليت قد وجه اتهامات بالفساد لنتنياهو وتشمل التهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة. كما اتهمته الحركة الديمقراطية في "إسرائيل"، وديوانه بحرق وثائق عقب تنفيذ كتائب القسام عملية "طوفان الأقصى"، في الـ7 من أكتوبر، في "محاولة منه لتقليص مسؤوليته عن الإخفاق الذي مُنيت به حكومته في التصدي لهجوم المقاومة الفلسطينية على مستوطنات وثكنات غلاف غزة". وتعالت أصوات مطالبة برحيله، ومن بينها الصحفي الإسرائيلي بـ"هآرتس" نحميا شترسلر، الذي طالب برحيل نتنياهو فوراً دون تأخير، متهماً إياه بالعجز عن قيادة شعبه خلال الحرب، وحمّله المسؤولية عما يجري الآن، مشيراً إلى أن "نتنياهو غير لائق لقيادة البلد، ولا يمكنه البقاء في منصبه ولو ليوم واحد آخر"..