رسالة إلى الدكتور مصطفى بنحمزة: حين يحتاج الدفاع إلى مراجعة  

ياسين الطالبي

بصفتكم العالم الذي عُرف عنه الدفاع عن السنة والذب عنها بعلم وغيرة، لا نشك في صدقها ولا في دافعها، وبصفتكم ممن تعلق بهم أمل الارتقاء بالخطاب الديني إلى مستوى من الرقي يليق بمقام القرآن وبحجم الأسئلة التي يطرحها الإنسان المعاصر،  أكتب إليكم هذه الرسالة، لا من موقع الخصومة ولا من باب التشكيك، بل من باب التعويل على ما عهدناه فيكم من قدرة على تجاوز الدفاع العاطفي إلى بناء معرفي أعمق يحرر موضوع الدفاع نفسه من الالتباس ويرتقي به إلى مستوى يليق بالعلم الذي تحملونه.

لقد صار واضحا أن كثيرا من الاضطراب الذي يعتري الوعي الإسلامي المعاصر لا يرجع فقط إلى ضعف التدين أو هيمنة الخطابات المعادية،  بل إلى عجز داخلي في طريقة تقديم الدين نفسه،  إذ كثيرا ما يعرض القرآن بوصفه أصلا معلنا ثم تدار سلطة الفهم والتشريع والهوية من خلال مرويات وكتب الحديث وتراكمات تأويلية تعامل عمليا معاملة المركز الفعلي، بينما يبقى الكتاب المحكم في مرتبة الشعار المرجعي الذي لا تعاد إليه الأشياء إلا بعد أن تكون قد حُسمت خارج منطقه، ومن هنا فإن ما يُنتظر من عالم في مقامكم ليس مجرد الاستمرار في الدفاع، بل الارتقاء بهذا الدفاع ليصبح مراجعة واعية لحدوده وضبطا دقيقا لموضوعه وتمييزا صارما بين ما يحمي الدين حقا وما قد يثقله وهو يظن أنه ينصره.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة تؤمن بكتاب افتتح نفسه بقوله “ذلك الكتاب لا ريب فيه” هو أن تسمح عن غير وعي أو تحت ضغط تاريخ طويل من التقديس لنصوص ظنية الثبوت والدلالة أو لتراكمات تفسيرية ومذهبية وتاريخية أن تتحول إلى سلطة أعلى من النص المحفوظ في وعي الناس ومناهجهم حتى لو ظل القرآن في الظاهر متربعا على منصة التعظيم اللفظي،  فالمشكلة ليست في وجود تراث حديثي وفقهي، فهذا أمر طبيعي في كل حضارة حية،  وإنما في انقلاب التراتب حين يدار القطعي بالظني والمهيمن بالمهيمن عليه والمحفوظ بما يحتاج هو نفسه إلى فحص جهات نقله وشروط تدوينه وآليات اعتماده وحدود سلطته.

ليس المقصود هنا إنكار السنة ولا نفي مكانتها البيانية والعملية وإنما التمييز الصارم بين ما هو قطعي منها وما هو ظني وبين السنة بوصفها بيانا عمليا متواترا في صلب الشعائر والهدي العام وبين كتب الحديث بوصفها أرشيفا بشريا جليلا دخلته آليات الجمع والترتيب والترجيح والانتقاء والتحرير عبر القرون.

إن التسوية بين هذين المستويين هي التي أنتجت هذا التوتر الخانق في عقل المسلم المعاصر من جهة يقال له أن القرآن هو الأصل الكامل المحفوظ،  ومن جهة أخرى تقام عليه بنية من الإلزام العقدي والفقهي والسياسي اعتمادا على أخبار أحاد أو على أنساق فهم تاريخية لا تعامل بوصفها اجتهادا قابلا للمساءلة بل بوصفها امتدادا لازما للوحي نفسه.
ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين وثاقة الإيمان ووثاقة الوثيقة.  فالإيمان يقوم على القطعي المحفوظ على ما لا ريب فيه على ما يخاطب الإنسان به مباشرة ويقيم عليه الحجة من غير وسائط احتكارية.

أما الوثيقة التاريخية، مهما علت قيمتها، فتظل خاضعة لأسئلة النقل والتدوين والتداول والاختيار والسياق وموضع الاستعمال والخلط بين المقامين،  وهو ما حول كثيرا من كتب الحديث إلى بدائل عملية عن القرآن في تشكيل الوعي العام حتى صار الدفاع عن الدين عند كثيرين دفاعا عن النصوص التي تراكمت حوله لا عن حدوده الأصلية التي تحفظه من التسييل والتضخم.
لذلك فإن الإشكال المعاصر في نقد بعض الأحاديث أو مساءلة بعض الروايات لا ينبغي أن يُفهم في كل حال على أنه هجوم على السنة، ففي كثير من الأحيان يكون ما يجري هو محاولة لاستعادة الترتيب المختل،  فالقرآن أصل والسنة القطعية بيان،  وما عدا ذلك يُقرأ في ضوء هذا الأصل ولا يُرفع إلى مقامه.  وقد آن الأوان لأهل العلم أن يعترفوا بأن السؤال هنا ليس طارئا ولا ترفا،  بل هو نتيجة مباشرة لتراكم قرون من مزج مقام التوقير بمقام التحليل، حتى صارت مساءلة بعض المرويات أو بعض الصيغ الفقهية تعامل وكأنها اعتداء على أصل الدين،  مع أن هذا الخلط نفسه هو الذي يحمل الدين ما لا يحتمل ويجعله عرضة للرفض من حيث لا يشعر المدافعون عنه.

إن أي حديث عن السنة يظل مضطربا ما لم يحسم أولا السؤال الأسبق ما النبوة في القرآن، هل هي سلطة مفتوحة على إنتاج المعنى أم وظيفة منضبطة بحدود الخطاب؟ هل النبي مصدر تشريع مستقل أم حامل خطاب ومشغل للنص ضمن قيد العبودية والبشرية؟ وهل يُنسب المعنى في النظام القرآني إلى الشخص الحامل أم إلى الوحي المُنزّل؟

إن كثيرا من أزمات التعامل مع السنة لا تبدأ من الروايات ذاتها بل من تصور متضخم للنبوة حولها من بلاغ مقيد إلى مركز سيادي للمعنى وجعل كل ما يصدر عن النبي في كل مقام وبكل اعتبار قابلا لأن يحمل صفة الإلزام العام لمجرد اتصاله بشخصه.

والقرآن في بنيته لا يترك هذا الباب مفتوحا،  بل يقنن النبوة من داخل اللغة نفسها. فالنبي من جهة المفهوم ليس مالكا للمعنى بل متلقيا للنبأ. والرسول من جهة الوظيفة ليس صاحب سيادة بل مؤديا لفعل الإرسال والبلاغ. والعبد من جهة الموقع الوجودي هو القيد الذي يمنع تحول القرب من الوحي إلى امتياز سيادي.  والبشر من جهة الطبيعة هو الحاجز الذي يمنع الأسطرة. ويبقي المثال داخل أفق الإمكان الإنساني لا خارجه.  وحين تُفهم النبوة على هذا النحو تستعيد السنة موضعها الصحيح لا بوصفها خزانا مفتوحا للسلطة ولا مصدرا موازيا للكتاب، بل بوصفها أثرا عمليا وتاريخيا لتشغيل الخطاب.

إن الخلل المنهجي الأكبر في الخطاب التقليدي ليس فقط في توسيع سلطة السنة بل في إغفال جهة النسبة نفسها. فالقرآن يثبت جهة المعنى في الخطاب الإلهي لا في الشخص الحامل له.  والنبي في هذا النظام ليس منتجا للمعنى ولا شريكا في ملكيته بل موضع تلق وتشغيل منضبط. فإذا تحولت جهة النسبة من الخطاب إلى الشخص انفتح الباب بلا حدود وصار من الممكن أن يُنسب للنبي ما يتجاوز وظيفته وأن يحول البيان إلى تشريع مستقل وأن تتحول التجربة البشرية إلى مرجعية فوق زمنية وأن يُقرأ كل تاريخ النبوة بوصفه مصدرا مباشرا للإلزام لا بوصفه مجالا معقدا لاشتغال التنزيل داخل شروط البشر والزمن.

ومن هنا أيضأ وجب التمييز بين البيان والخطاب. فالبيان في القرآن يقول بالحد ثم ينسحب ويقيم الحجة دون أن يصنع جهازا لغويا مفتوحا للتراكم. أما الخطاب فيتوسع ويشرح ويدير المتلقي ويبني مرافعة ويعيد إنتاج نفسه.  ومتى اختلط البيان بالخطاب نشأت حول النبوة طبقات متزايدة من الكلام عنها حتى صار الكلام عن النبي أوسع بكثير من الحد الذي قننه القرآن بلسان النبوة. وهذه الزيادة ليست مسألة جمالية أو تعليمية فحسب، بل مسألة سلطة لأن كل توسعة باسم النبوة تفتح احتمالا جديدا للاستعمال،  وكل استعمال قابل لأن يدخل الوعظ والسياسة والصراع والقضاء والإكراه.

ولهذا فإن السؤال العلمي الذي ينتظر الارتقاء اليه ليس كيف نكثر الدفاع عن السنة،  بل كيف نعيدها إلى موضعها الذي يمنعها من أن تتحول إلى أداة سيادة.

ان أول شرط لذلك أن تقرا داخل الكتاب لا في جواره، وداخل قيد النبوة القرآنية لا داخل الصورة المتضخمة التي صنعتها قرون من التوقير غير المنضبط.  وحينئذ فقط يصبح ممكنا التمييز بين ما هو بيان عملي قابل للاحتذاء، وما هو تصرف بشري ظرفي، وما هو اجتهاد تاريخي، وما هو من مجال القيادة والتدبير، وما لا يجوز أصلا أن يتحول إلى قاعدة إلزام عامة.

إذا لم يضبط هذا الأصل فلا غرابة أن تنشأ من داخله أنساق كاملة من العنف المقدس، لا بوصفها انحرافات أخلاقية عرضية،  بل بوصفها نتائج بنيوية لفقدان الحدود، وليس في القرآن ما يبرر بناء دين قهري على أخبار ظنية،  ولا ما يجيز تقديم المرويات على المحكمات، ولا ما يسمح بتحويل النبوة إلى ذريعة لاقتحام الضمير وإدارة الدم باسم السماء.  ومع ذلك فان جزءا واسعا من الوعي المتأخر تشكل بالفعل عبر هذا المسار حيث قدم الرجم على الجلد وقدم قتل المرتد على حرية الاعتقاد وأطلقت مفاهيم النسخ التوسعية حتى كادت تمحو مساحات واسعة من خطاب الرحمة والصفح والدعوة بالحكمة،  ثم سُلمت هذه التراكمات إلى الناس في صورة أحكام الله لا في صورة اجتهادات تاريخية شديدة الارتباط بشروطها.

ولذلك فان الإشكال ليس في رواية بعينها فقط،  بل في البنية التي ترفع الرواية الظنية إلى مقام الحكم القطعي،  ثم تلحق بها الدماء والعقوبات والوصاية على الضمائر. ومن هنا تبدو مساءلة قضايا مثل الرجم وقتل المرتد وتعطيل بعض الآيات المحكمة بأخبار أحاد أو بمقولات أصولية متأخرة ليست خروجا عن الدين بل ردا للأمور إلى ترتيبها. فالقرآن قرر حرية الاعتقاد بوضوح ولم يضع عقوبة دنيوية صريحة لمجرد تبديل المعتقد وقرر حد الزنا بالجلد وجعل الأصل في النفس العصمة وربط القتال بمواضع مخصوصة لا بسردية مفتوحة لإكراه العالم. وكل محاولة لتجاوز هذه الأصول باسم مرويات أو تأويلات أو ضرورات ينبغي أن تُقرا بوصفها مواضع مراجعة لا بوصفها مسلمات فوق السؤال.

ومن هذا الباب أيضا يجب أن يعاد النظر في المثال المبكر الذي طالما استدعي لتأسيس حد الردة،  وأعني قتال أبي بكر.  فليس من النزاهة المنهجية أن تُقرا تلك الوقائع في ظرف انهيار جماعة ناشئة وتمردات مسلحة ومنع للحق العام بلغة فقهية متأخرة تصوغها بصيغة جريمة عقدية مجردة.  إن أقصى ما تدل عليه تلك اللحظة في قراءة مسؤولة هو اجتهاد حاكم في حماية عقد اجتماعي هش وحق عام متعلق ببقاء الجماعة وحقوق ضعفائها لا تأسيس عقوبة مطلقة على مجرد تبديل المعتقد والخلط بين المستويين هو الذي صنع اسطورة الردة بوصفها سيفا على الضمائر،  مع ان القرآن ذاته أبقى أمر الإيمان والكفر في جوهره بين العبد وربه.

والأمر نفسه ينسحب على ما نُسب لاحقا الى الأئمة الكبار.  إذ ليس من الأمانة أن تحمل المذاهب المؤسسة بصيغها المتأخرة كل ما استقر في كتب الحديث بعدهم تحت ضغط الدولة والمجادلات وبناء المؤسسات وحاجات الضبط الاجتماعي. إن نسبة كل ما تبلور في الفقه إلى المؤسسين على أنه قولهم الأول أو مقصدهم المباشر أمر يحتاج إلى مراجعة تاريخية صارمة.  والأنزه أن يقال إن كثيرا مما استقر في صورة الإجماع الفقهي إنما هو حصيلة تاريخ طويل من تفاعل النص والسلطة والتدوين والمؤسسة والخوف من التفكك لا مجرد امتداد بسيط لصفاء اللحظة الأولى.

وهنا يتحدد موضع الرجاء منكم لا أن يتراجع الدفاع عن السنة،  بل أن يرتقي إلى مستوى يعيد ترتيب المقامات ويفرق بوضوح بين القرآن والكتاب،  وبين الذكر والنص الجامد، وبين الوحي والتأويل، وبين النبوة والسلطة، وبين السنة والحديث، وبين المثال والمرجع، وبين التوقير والتحليل، لأن الناس لا يحتاجون اليوم إلى من يؤكد عظمة الكتب فقط،  بل إلى من يبين حدود هذه العظمة ومجالها وما الذي لا يجوز أن يحمل لها وما الذي يبقى حقا لله وحده في كتابه الذي لا ريب فيه.

هذه الرسالة ليست دعوة إلى هدم التراث، بل هي دعوة إلى إنقاذه من الاستعمال الذي أفسد صورته. وليست دعوة الى إسقاط كتب الحديث،  بل إلى وضعها في مقامها الصحيح. وليست دعوة إلى تقليص النبوة بل إلى منع تضخيمها حتى تتحول إلى ذخيرة للهيمنة. وليست دعوة إلى الخصومة مع العلماء بل إلى استدعاء أشجع ما في العلم حتى يعاد بناء التراتب الذي اختل وأن يُجاب عن أسئلة العصر على مستوى العصر لا بردود فعل تخشى السؤال أكثر مما تخشى الخطأ.
فإن بقي القرآن في مقام الأصل وعادت السنة إلى مقام البيان وخضعت المرويات والفقهيات لمعيار الكتاب انفتح للناس باب رحمة واتزان وعقل ومسؤولية.  وإن استمر الدفاع العاطفي دون هذا الضبط فإن الأزمة لن تنتهي لأن الإنسان المعاصر لم يعد يرفض الدين،  بل يرفض التناقض بين كتاب يدعوه إلى الحرية والمعنى،  وبين منظومات يطلب منه، باسم الوفاء، أن يخضع لها دون أن يُسمح له أن يسأل عن حدودها.

ولعل هذا هو الرهان الحقيقي الذي نعول عليكم فيه أن يتحول الدفاع من رد فعل إلى بناء وأن ينتقل من الحراسة إلى إعادة الترتيب وأن يقال في هذا الموضع ما يليق بثقل الأمانة لا بما يكتفي بطمأنة السائد.
وفي الختام فإن هذه الأسئلة التي تُطرح اليوم لم تعد مجرد انشغال نظري، بل غدت جزءا من حاجة ملحة إلى الارتقاء بالخطاب الديني ذاته وإعادة بنائه على نحو يرفع الالتباس ويعيد ترتيب العلاقة بين الأصول وما تفرع عنها.

ويكتسب هذا النقاش دلالة خاصة في هذا العام بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لا يكون تخليد هذه الذكرى في عمقه إلا عودة مسؤولة إلى السؤال عن الكيفية التي يقدم بها هذا الدين وعن مدى وفائنا لصفاء أصوله ونحن نخاطب الإنسان في زمن مختلف بأسئلته وتحدياته.
وفي هذا السياق فإن التوجيهات السامية التي دعا إليها أمير المؤمنين الملك محمد السادس، تمثل أفقا دقيقا لا يطلب مجرد الاحتفاء، بل يدعو الى تجديد النظر وإلى الارتقاء بطريقة تقديم الدين بما يعكس توازنه الداخلي وقدرته على الجمع بين الثبات والتحرر من الالتباس.

كما أن التعيين الأخير للسيد اليزيد الراضي أمينا عاما للمجلس العلمي الأعلى يندرج ضمن هذا الأفق الذي يُنتظر منه أن يواكب هذه المرحلة،  لا عبر إعادة إنتاج الخطاب نفسه،  بل عبر فتح نقاش علمي مسؤول يعيد طرح القضايا التي تمس جوهر ترتيب العلاقة بين القرآن والسنة وكتب الحديث،  دون خوف من السؤال ولا استعجال في الجواب.
وعليه، فإن الرهان اليوم لم يعد في مجرد الدفاع، بل في القدرة على إعادة الترتيب بما يحفظ للأصول مكانتها ويمنع تسييلها أو تحميلها ما ليس منها ويفتح أمامها افق الفهم المتجدد الذي به وحده يمكن أن يبقى الدين حاضرا بوصفه معنى محررا، لا سلطة موروثة.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )