تراجيديا الشعوب في لعبة الكبار

ياسين الطالبي

نجد الشعوب دائمًا في الواجهة تُقدم كأبطال للمعارك أو كضحايا للخيانات، لكن خلف الستار، يُكتب السيناريو في غرف مظلمة، حيث تُنسج المؤامرات وتُرسم الحدود. هكذا كان الحال مع اليهود، الذين كانوا يومًا ما ضحايا المحرقة، فتحولوا إلى واجهة لمشروعٍ سياسي واقتصادي أكبر بكثير من أحلامهم البسيطة بالنجاة.

اليهود: ضحية المحرقة وضحية السياسات الكبرى

والمحرقة، بكل قسوتها وعمق جراحها، لم تُنهِ معاناة اليهود؛ بل فتحت بابًا جديدًا لجريمة أخرى، جريمة التلاعب بهم كأداة سياسية. فالغرب، الذي حمل أعباء خطاياه التاريخية تجاه اليهود، لم يتحمل عبء التكفير عنها، بل نقل هذه المعاناة إلى شعوب أخرى، وتحول اليهود، الذين كانوا يبحثون عن مأوى يعيد لهم كرامتهم، إلى لاعبين في مسرحية جيوسياسية كبرى، يُديرها أصحاب المصالح والاستراتيجيات.

إسرائيل الكبرى: الحلم الذي يُباع كحقيقة “من النيل إلى الفرات”

ليست مجرد حدود خيالية؛ إنها فكرة تُغذى بالوعود اللاهوتية التي تحمل في ظاهرها قدسية، لكنها في باطنها تخدم أجندات الهيمنة. يُدفع اليهود، وهم قلة منهكة، نحو صراعات لا تنتهي، ليُصوروا كحراس لهذه النبوءة. لكن الحقيقة أن هذه الحروب ليست حروبهم، بل هي صراعات على الثروات والطاقة، تُدار بأيدٍ غربية، بينما يدفعون هم الثمن من دمائهم وسمعتهم ومستقبلهم.

الإسلام: العدو الاصطناعي

بعد أن تراجع الحديث عن المحرقة في الوجدان الجمعي، احتاج الغرب إلى عدو جديد لتبرير سياساته. كان الإسلام هو الهدف الأنسب، دينٌ تحوّل من شريك في بناء الحضارات إلى رمزٍ للخطر. الإعلام والسياسة عملا يدًا بيد لتشويه صورة المسلمين، مستغلين الحركات المتطرفة التي أُنشئت أو دُعمت لتؤدي هذا الدور. وهكذا، أصبحت المنطقة بأكملها ساحة لصراع مزيف، يُغذي الكراهية بين الشعوب.

نتنياهو: هيرودس العصر الحديث

كما بنى هيرودس حصونه خوفًا على سلطته، يُدير نتنياهو سياساته بشعور دائم بالخوف، ليس على شعبه، بل على مستقبله السياسي. يُشعل الحروب، ويُحاصر شعبه في زاوية العزلة العالمية، ويدفع بهم إلى مواجهة مفتوحة مع العالم. هذه السياسات لا تُبنى على الحكمة، بل على هوس القائد الذي يرى في بقائه هدفًا يستحق التضحية بشعب بأكمله.

الغرب وصناعة الأوهام

الغرب، الذي يدير خيوط اللعبة، لم يتخلّ عن استغلال اليهود كما فعل في القرن الماضي. الفارق الوحيد أن الاستغلال اليوم يأتي مغلفًا بوعود دينية ونبوءات لاهوتية تُبرر الحروب، بينما الهدف الحقيقي هو السيطرة على الموارد والطاقة. المال، هذا المقدس  القديم الحديث، يبقى الحاكم الفعلي للسياسات، بينما تُباع الشعوب أوهام التحرير والتحقق الروحي.

ما يحز في النفس أن الجميع في هذه المسرحية خاسرون. اليهود، الذين يعيشون في حالة استنزاف دائم، والمسلمون، الذين يُصورون كأعداء أبديين، والعالم، الذي يُدفع نحو المزيد من الصراعات. لكن الأمل لا يزال موجودًا. إدراك الشعوب لحقيقة هذه اللعبة قد يكون الخطوة الأولى نحو السلام. الشعوب وحدها قادرة على كسر هذه السرديات الزائفة، وبناء واقع جديد يقوم على العدالة والاحترام المتبادل، لا على الأوهام التي تُكتب في الظلام.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )