د. مصطفى الغاشي يتناول هذا المقال إشكالية تشكل مفهوم "التاريخ المواطن" في المغرب خلال الفترة الممتدة بين الاستقلال سنة 1956 وبداية العهد الجديد سنة 2000. ويسعى إلى تحليل مسار بناء المواطنة في علاقتها بتطور الدولة الوطنية والمؤسسات السياسية والتحولات الاجتماعية والثقافية. وينطلق البحث من فرضية أساسية مفادها أن المواطنة في المغرب لم تتشكل دفعة واحدة، بل كانت نتاجاً لمسار تاريخي طويل تداخلت فيه رهانات بناء الدولة مع مطالب الديمقراطية والحقوق والحريات. كما يحاول إبراز دور التاريخ، باعتباره معرفة مدرسية وأكاديمية وذاكرة جماعية، في إنتاج الوعي الوطني وترسيخ قيم الانتماء والمشاركة. احتلت المواطنة مكانة مركزية في الفكر السياسي الحديث باعتبارها الإطار الذي ينظم العلاقة بين الفرد والدولة ويحدد الحقوق والواجبات المتبادلة بينهما. غير أن مفهوم المواطنة لا يكتسب دلالته الكاملة إلا من خلال سياقه التاريخي، لأن تشكل المواطن يرتبط دائماً بمسار بناء الدولة والمؤسسات والثقافة السياسية السائدة داخل المجتمع. في الحالة المغربية، يثير موضوع المواطنة إشكاليات متعددة تتعلق بطبيعة الدولة الوطنية التي تشكلت بعد الاستقلال، وحدود المشاركة السياسية، وأدوار المدرسة والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني في بناء الوعي المدني. ومن هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ"التاريخ المواطن"، أي ذلك التاريخ الذي يدرس الإنسان باعتباره فاعلاً في المجال العام لا مجرد موضوع للسلطة. وتتمثل إشكالية هذا المقال في السؤال الآتي: إلى أي حد ساهمت التحولات السياسية والمؤسساتية والاجتماعية التي عرفها المغرب بين (1956 و2000) في الانتقال من دولة الاستقلال إلى دولة المواطنة وفي بناء مواطن فاعل ومشارك في الحياة العامة؟ أولاً: الدولة الوطنية ورهانات بناء المواطنة (1956–1975): شكل الاستقلال السياسي للمغرب سنة 1956 لحظة تأسيسية في تاريخ الدولة الحديثة. فقد وجدت النخب الوطنية نفسها أمام تحديات كبرى تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتوحيد المجال الترابي والإداري وترسيخ السيادة الوطنية. لقد انصب الاهتمام في هذه المرحلة على بناء الشرعية السياسية أكثر من الاهتمام ببناء المواطنة بمفهومها الحديث. فالدولة كانت مطالبة بإعادة تنظيم الإدارة والقضاء والتعليم والأمن وتوحيد المؤسسات التي خلفتها مرحلة الحماية الفرنسية والإسبانية. وقد ساهم دستور 1962 في إرساء أول تجربة دستورية مغربية بعد الاستقلال، لكنه كشف في الوقت نفسه عن حدود المشاركة السياسية في ظل استمرار الصراع بين المؤسسة الملكية والقوى الحزبية الوطنية. وأدى هذا الوضع إلى بروز نقاشات سياسية وفكرية حول طبيعة النظام السياسي وموقع المواطن داخل الدولة الجديدة، خصوصاً مع تنامي مطالب الأحزاب والنقابات بتوسيع الحريات العامة وضمان المشاركة الديمقراطية. لقد ظل المواطن خلال هذه المرحلة موضوعاً لمشروع بناء الدولة أكثر منه شريكاً فعلياً في صنع القرار السياسي، وهو ما جعل المواطنة تتخذ طابعاً قانونياً ورمزياً أكثر من كونها ممارسة سياسية كاملة. ثانياً: القضية الوطنية وإعادة تشكيل الوعي المواطن (1975–1990): مثلت المسيرة الخضراء سنة 1975 حدثاً مفصلياً في التاريخ المغربي المعاصر، ليس فقط بسبب أبعادها الجيوسياسية، وإنما أيضاً لما أحدثته من تحولات في الوعي الوطني الجماعي. فقد ساهمت قضية الصحراء المغربية في تعزيز مشاعر الانتماء الوطني وتوحيد مختلف الفاعلين السياسيين حول هدف مشترك يتعلق بالدفاع عن الوحدة الترابية. وخلال هذه المرحلة برز نموذج جديد للمواطنة يمكن وصفه بـ"مواطنة التعبئة الوطنية"، حيث ارتبط الانتماء إلى الوطن بالواجب الوطني والدفاع عن المصالح العليا للدولة. غير أن هذا التطور لم يكن مصحوباً دائماً بتوسيع موازٍ للحقوق السياسية والمدنية، إذ عرفت هذه المرحلة استمرار التوترات السياسية وما اصطلح عليه لاحقاً بسنوات الرصاص، حيث ظلت إشكالية الحريات وحقوق الإنسان مطروحة بقوة داخل النقاش العمومي. ومع ذلك فإن المجتمع المغربي شهد خلال الثمانينيات تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، تمثلت في اتساع التعليم الحضري وظهور فاعلين جدد داخل المجتمع، مما ساهم تدريجياً في بروز مطالب جديدة مرتبطة بالحقوق والعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية. ثالثاً: التحول الديمقراطي وبروز المواطن الفاعل (1990–2000): شهدت التسعينيات تحولات مهمة مهدت لبروز مفهوم جديد للمواطنة بالمغرب. فقد ساهمت المتغيرات الدولية المرتبطة بانتهاء الحرب الباردة وانتشار خطاب حقوق الإنسان في دفع الدولة المغربية نحو تبني إصلاحات سياسية ومؤسساتية جديدة. وفي هذا السياق تأسس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990، كما عرف المغرب مراجعات دستورية مهمة سنتي (1992 و1996)، توجت بتجربة التناوب التوافقي سنة 1998 بقيادة حكومة عبد الرحمن اليوسفي. ومثلت هذه المرحلة انتقالاً تدريجياً من منطق الشرعية التاريخية إلى منطق الشرعية الديمقراطية، حيث بدأت المشاركة السياسية والحقوق المدنية تكتسب موقعاً متزايد الأهمية داخل الخطاب الرسمي والحزبي. كما شهد المجتمع المدني نمواً ملحوظاً من خلال انتشار الجمعيات الحقوقية والتنموية والثقافية، الأمر الذي ساهم في توسيع مجالات المشاركة المواطنة خارج الأطر الحزبية التقليدية. لقد أصبح المواطن في نهاية القرن العشرين فاعلاً أكثر حضوراً في النقاش العمومي، وإن ظل مشروع المواطنة الديمقراطية في طور البناء والتطوير. رابعاً: التاريخ المدرسي وصناعة المواطن: لا يمكن فهم تشكل المواطنة بالمغرب دون الوقوف عند الدور الذي لعبه التاريخ المدرسي في بناء الهوية الوطنية. فمنذ الاستقلال، اعتُبرت المدرسة أداة مركزية لتكوين المواطن وترسيخ قيم الانتماء الوطني. ولذلك ركزت المقررات الدراسية على تاريخ الحركة الوطنية والكفاح من أجل الاستقلال ورموز الدولة الحديثة. غير أن هذا التوجه ظل لفترة طويلة محكوماً بمنطق بناء الشرعية الوطنية، حيث غلب التركيز على الأحداث السياسية الكبرى والشخصيات التاريخية الرسمية، بينما ظل تاريخ المجتمع والفئات الاجتماعية والهامش أقل حضوراً داخل السردية المدرسية. ومع الإصلاحات التربوية التي عرفها المغرب خلال التسعينيات، بدأت تظهر مقاربات جديدة تربط تدريس التاريخ بالتربية على حقوق الإنسان وقيم المواطنة والمشاركة المدنية. وهكذا أصبح التاريخ ليس مجرد أداة لحفظ الذاكرة الوطنية، بل أيضاً وسيلة لتكوين مواطن قادر على فهم التحولات السياسية والاجتماعية والمشاركة الواعية في الشأن العام. وفي الختام، يتضح من خلال هذه القراءة أن المواطنة في المغرب بين (1956 و2000) لم تكن معطى جاهزاً، بل شكلت حصيلة مسار تاريخي طويل تداخلت فيه رهانات بناء الدولة الوطنية مع مطالب الديمقراطية وحقوق الإنسان. لقد انتقل المغرب تدريجياً من مرحلة تأسيس الدولة بعد الاستقلال إلى مرحلة البحث عن توسيع المشاركة السياسية وتعزيز ثقافة الحقوق والحريات. كما لعبت المدرسة والأحزاب والنقابات والجمعيات المدنية أدواراً متفاوتة في إنتاج الوعي المواطن وترسيخ قيم الانتماء والمشاركة. ومن ثم فإن "التاريخ المواطن" يتيح فهماً جديداً للتاريخ المغربي المعاصر، لأنه لا يركز فقط على الدولة والمؤسسات، بل يهتم أيضاً بمسار تشكل المواطن باعتباره فاعلاً أساسياً في بناء المجتمع والديمقراطية.