محمد السادس.. الملك الساهر على إنصاف المغربيات

سميرة مغداد

لايجادل اثنان حول الحس الإنساني الرفيع الذي يتمتع به العاهل المغربي وأخذه على عاتقه تحمل مسار إنساني تضامني مع الآخرين.

ومنذ كان وليا للعهد يحج إلى إقامته المعروفة في مدينة سلا المجاورة للرباط العاصمة، حجيج من المحتاجين والمظلومين والمقهورين من حيف الزمن، حيث كان لايرد طلبا يصله ويتكلف معاونوه بملفات إنسانية عديدة لايتوانى عن الاستجابة لنداءاتها.
استمرت عادة محمد السادس في إعالة عدد كبير من هؤلاء بطريقته الخاصة.

قربه الكبير من الناس تعزز حين تولى مقاليد الحكم صيف 1999، وأظهرانفتاحا واسعا وتلقائيا مع كل من يعترض سبيله حتى خلال جولاته الرسمية وغير الرسمية عبر كل مدن ومناطق المغرب، ويمكن سرد مئات القصص في هذا الصدد تعبر عن تلقائية إنسانية لافتة ليس لها مثيل.
أبهر الملك محمد السادس بتواضعه العالم وأبان عن رهافة إحساس وحسن انصات لكل فئات الشعب المغربي، فلم يتأفف يوما من حضن مسن معوز أو مريض معتل أوشخص معاق عن الحركة، ولعل المغاربة لمسوا قربا خاصا من ملكهم الشاب فبادلوه كثيرا من الحب.

في المقابل كان أمام الملك الشاب ملفات كبيرة سياسية واقتصادية واجتماعية تعامل معها بكثير من الحكمة. ولعل مدونة الأسرة كانت من الملفات الحساسة التي خلقت جدلا واسعا بعد أن عرفت شدا وجذبا بين أطراف متعددة سياسية ودينية. وكيف لملك بكل هذا الزخم الإنساني ألا يتفاعل مع قضية النساء؟

لايخفى عل المتتبعين نضالات المغربيات منذ الاستقلال لأجل الدفاع عن حقوق النساء ومنحهن فرص التعليم والعمل جنبا إلى جنب مع الرجال وتمتيعهن بكل الحقوق وفقا لمقتضيات حقوق الإنسان العالمية. وقد عرف مسار حقوق النساء تعثرا بسبب عقليات محافظة اعتبرت تغيير القانون فيه مس بقيم المجتمع الديني، وعرف المغرب جدلا كبيرا بداية التسعينات بسبب مطالبة الحركة النسائية بتعديل قانون الاسرة وإحقاق المساواة وخاضت صراعات طويلة مع القوى المحافظة والعقليات الصعبة التي كانت تتحجج بالدين لمحاربة التغيير. بيد أن النساء كن يطالبن بالإنصاف والمساواة بحكم التطور الكبير الذي عرفه المغرب، خاصة عمل النساء ووصولهن الى مراكز القرار دون أن يواكب لقانون هذا التطور ويجعل النساء دائما في وضعية هشاشة وتهميش.

خاضت النساء معارك عديد على المستوى السياسي والاجتماعي. في هذا الصدد ترى سميرة موحيا رئيسة فيدرالية رابطة حقوق النساء في المغرب، أن تطورات مهمة عاشها المغربيات في عهد الملك محمد السادس الذي ما فتىء يصر في جل خطاباته منذ توليه العرش على دور المرأة في بناء الاسرة والمجتمع، وكمتتبعة للشأن الحقوقي النسائي تجزم بأن الإرادة الملكية في تغيير القانون وإنصاف النساء كانت حاضرة بقوة، حيث أصبحت للمغربيات وضعية جيدة تستحقها لأجل بناء مغرب قوي ومتطور، وهذا الأمر دشنه الملك بالإعلان عن تغيير مدونة الاسرة التي تم تفعيلها في فبراير 2004 والايجابيات التي تضمنتها، لعل أهمها أنها رفعت تلك القداسة عن مدونة الأحوال الشخصية التي كان يتم العمل بها منذ الخمسينات لتنظيم أحوال الأسرة في المغرب، فلأول مرة يكون لنا قانون وضعي للأسرة، ومن خلالها تأسست اللبنة الأولى للمساواة بين الزوجين في رعاية الأسرة وجاءت بمقتضيات متعددة لصالح المرأة وكل مكونات الأسرة، وتحققت مكتسبات هامة جدا تعد محطات بارزة في عهده، منها إقرار حق المغربيات المتزوجات بالأجانب بمنح الجنسية لأبنائهن وهو مكسب مهم جدا طالبنا به كثيرا في الحركة النسائية بالمغرب.

في 2014 أيضا أعطى الملك تعليماته للسلطات الوصية على الأراضي السلالية لتتمتع النساء بحقهن الشرعي في الميراث بعدما أهدر هذا الحق لسنين طويلة بسبب الأعراف والتقاليد القديمة، وهي خطوة إيجابية جدا وضعت جدا لمعاناة نساء كثر ، كذلك فسح المجال للنساء لممارسة مهنة العدول منذ 2018، والتي تعد خطوة جبارة لانصاف النساء، ولا ننسى تعيين ست وزيرات في الحكومة بمبادرة منه، فنحن نعلم كيف أن الأحزاب للأسف تقصي النساء من مراكز القرار ولا تمنحهن الفرصة باستمرارحيث نلحظ نسبة النساء في الأجهزة المسيرة للأحزاب جد محتشم، ولولا الكوطا والتمييز الإيجابي لم نكن لنصل الى عدد منصف للنساء.

نحن حاليا في المحطة الحاسمة لمراجعة المدونة بشكل شامل وتنسيق الاقتراحات بين مختلف الفاعلين بأمر منه، ومرة أخرى يبرهن الملك عن مدى إرادته في تمكين النساء ومنحهن حقوقهن الكاملة. ولاننسى كيف أكد جلالته في خطابه في 2022 على أن جميع المغاربة نساء ورجالا منخرطون كلهم فيعملية التنمية، وشدد على ضرورة مشاركة المرأة المغربية في كل المجالات ومناحي الحياة، وهذه المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية وغيرها تقتضي ملاءمة التشريعات الوطنية مع الدستور المغربي ومع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب وتحيين هذه التشريعات لتساير الواقع و التطور السوسيو اقتصادي الذي عرفته بنية الأسرة والمجتمع المغربي، وخاصة مدونة الاسرة والقانون الجنائي، لذا ضروري هذه الإرادة الملكية أن تواكب إصلاحات جوهرية في كل ما يتعلق بالجانب التشريعي والاقتصادي والتعليم أساسا، باجتثاث الأمية والهدر المدرسي، يعني لابد من مقاربة شمولية ينخرط فيها كل الفاعلين لتفعل وتتحقق ونتمكن من القول كما يقول الملك محمد السادس: بناء مغرب التقدم والكرامة لابد أن يتم بأشراك كل الطاقات المغربية نساء ورجالا.

وترى كريمة رشدي من جهتها، وهي حقوقية وفاعلة جمعوية، أنه من خلال “الثورة الهادئة” التي قادها الملك محمد السادس عبر إصلاح قانون الأسرة، أراد أن يبين للعالم أن حقوق النساء يلزمها أن تكون موازية للتطور الذي تشهده وضعية النساء في المغرب، إذ لا يعقل أن تصل المرأة إلى مراكز عليا في الدولة ولا تكون قادرة على تقرير مصيرها داخل أسرتها الصغيرة. “في رأيي، يعد ارتفاع نسبة الطلاق مؤشرا إيجابيا، لأنه حرر عددا من النساء اللواتي ظللن “معلقات” (في وضعية مبهمة لا هن بالمتزوجات ولا هن بالمطلقات)، في حين أن الأزواج يواصلون حياتهم بشكل عادي ويكونون أسرة جديدة على حساب الزوجة الأولى والأطفال.

بعد عشرين سنة على إصلاح مدونة الأسرة، حان الوقت لمراجعة شاملة للمدونة كي تنسجم مع روح الدستور المغربي (2011)، وتعكس المشروع المجتمعي الذي يريده جلالة الملك، من أجل ضمان العيش الكريم للأسرة، ومراعاة المصلحة الفضلى للأطفال، وتضيف كريمة رشدي قائلة “هذا ما ننتظره من التعديلات المقبلة لمدونة الأسرة التي يعود فيها الفضل للملك حين أعطى تعليماته للحكومة للبحث والتمحيص في التغييرات الجديدة التي تطالب بها فعاليات من المجتمع النسائي المدني والحقوقي، لتكون المرأة في قلب المساواة الحقيقية دون أن تشعر بأدنى إقصاء أو ظلم، علما أن النساء أظهرن كفاءة عالية لاتقل بتاتا عن كفاءة الرجال في أي مجال من المجالات. شخصيا أجد أن الملك تؤرقه فعلا قضايا النساء ويسعى باستمرار إلى أن يعيش كل أبناء وطنه في انسجام تام ،فلا احد يجادل فعلا بأن الملك يتمتع بنية صادقة لتتغيير أحوال النساء نحو الأفضل، فهن جزء لايتجزأ من أبناء شعبه الذي يبادله كل المحبة والتقدير

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )