المساء اليوم: عبد الحكيم اعديّل
بعد أزيد من أسبوعين على إعفاء وزيرة الخارجية الإسبانية، آرانتشا لايا، وتنصيب خوسي مانويل ألباريس، مكانها، لا يبدو في الأفق المنظور أن العلاقات المغربية الإسبانية ستعود قريبا إلى أيام الصفاء، حيث لا يزال الوزير الجديد يبحث عن منفذ نحو المغرب، بينما الرباط لا تبدو مستعجلة وتأخذ وقتها كاملا في التفكير.
رومانسية لا تجدي..
ومنذ الساعات الأولى لتوليه منصب الخارجية الإسبانية، فإن هذا السفير السابق في العاصمة الفرنسية، استعان بكل خبرته الدبلوماسية وقال كلاما رومانسيا في جاره الجنوبي، وكان متوقعا أن تتلو تلك التصريحات الرومانسية عملية رسم خارطة طريق مستعجلة لإطفاء نار التوتر بين البلدين، والتي اشتعلت منذ أن استقبلت إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، بوثائق هوية مزورة، من أجل الاستشفاء في أحد مستشفياتها.
غير أن الرباط لا تبدو متلهفة على اللقاء، وأول دليل على ذلك أنها لم تفكر بعد في إعادة السفيرة المغربية، كريمة بنيعيش، إلى مدريد، والتي استدعيت على عجل إلى الرباط في 18 ماي الماضي، بعد أن وصلت العلاقات بين الجارين توترا كان ينذر بقطيعة غير مسبوقة.
الموقف من الصحراء
ويبدو أن التريث المغربي مرده إلى كونه يبحث عن اللعب بأوراق إضافية لا تهم فقط إعادة الروح إلى علاقات البلدين، بل أيضا “تأديب” إسبانيا، وخصوصا رئيس الحكومة الاشتراكية، بيدرو شانشيز، على مواقفه المزعجة للرباط فيما يخص قضية الصحراء، وهي المواقف التي بدت أكثر حدة في الأيام التي تلت اعتراف الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، بمغربية الصحراء، حيث بدت مدريد منزعجة جدا من ذلك الاعتراف.
ولم ينجح الوزير ألباريس في ترجمة أمانيه إلى واقع، حيث لم يظفر إلى حد الآن بموعد في الرباط، فيما يبدو من المستبعد جدا أن يتم ذلك قبل أن ترسل مدريد إشارات واضحة من كون مواقفها من الصحراء ستتغير.
سانشيز والملياردير
ويبدو أن مواقف مدريد من قضية الصحراء ليست العقبة الوحيدة في طريق التطبيع الإسباني المغربي، بل هناك ما يمكن تسميته “النفور الشخصي” للملك محمد السادس من رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، وهو نفور يعود إلى سنوات خلت، حين كان “الشاب سانشيز” ممتلئا بالحماس الثوري وهو يزور المغرب ضمن وفد دولي ضمن منظمة أميركية غير حكومية “المؤسسة الوطنية الديمقراطية”، التي يمولها الملياردير الأميركي الديمقراطي جورج سوروس، لمراقبة الانتخابات العامة في البلاد التي جرت في 25 نوفمبر 2011، والتي جاءت مباشرة بعد الحراك الشعبي المنضوي في إطار “حركة 20 فبراير”.
وكان سانشيز وقتها من بين أبرز الموقعين على تقرير وصف تلك الانتخابات بأنها غير ديمقراطية وتفتقر لأسس الشفافية، ومن بين الموقعين أيضا أسماء أخرى من نفس المنظمة، مثل الكندية فرانسيسكا بيندا، والأمريكيين جيفري إنجلاند وتوفا أندريا، وهو ما خلف استنكارا كبيرا في المغرب، الذي كان قد جدد دستوره للتو بعد الخطاب الملكي الشهير الذي وُصف بأنه “انقلاب الملك على النظام”.
الانتقاد المفرط
لجنة بعثة مراقبي المعهد الوطني الديمقراطي كان من المقرر أن تقوم بصياغة تقرير مستقل ومتوازن عن العملية الديمقراطية المغربية، لكن سانشيز وزملاءه الثلاثة بالغوا في مهمتهم وانتقدوا بشكل مفرط المغرب وقيادته.
وما أثار امتعاض المغرب أكثر، هو أن تلك اللجنة كانت ممولة من طرف لوبي قوي في الحزب الديمقراطي الأمريكي، والمعروف بمواقفه المناوئة للسياسة المغربية داخليا وخارجيا، والذي لعب دورا رئيسيا في الدفع بسانشيز نحو الواجهة السياسية في إسبانيا.
كانت زيارة سانشيز للمغرب، وقتها، ضمن هذه اللجنة ما يشبه قنطرة مصيرية عبر من خلالها من مجرد مستشار في بلدية العاصمة مدريد إلى أمين عام للحزب الاشتراكي العمالي، وفي مسيرته القصيرة من بلدية مدريد نحو ترؤس الحكومة كان المليونير الهنغاري الأميركي، جورج سوروس، حاضرا بقوة وراء سانشيز، لذلك لم يكن مستغربا من أن يكون هو أول من زار سانشيز في قصر “لامانكلوا” بعد الإطاحة برئيس الحكومة السابق ماريانو راخوي، بعد تصويت البرلمان على حجب الثقة.
مصيدة غالي
مياه كثيرة مرت من تحت الجسر، قبل أن يصطاد المغرب معلومة وصول زعيم جبهة البوليساريو إلى إسبانيا بهوية مزورة، للاستشفاء من وباء كورونا، فقفزت مباشرة إلى الواجهة، مرة أخرى، مواقف سانشيز السابقة من المغرب، وخصوصا نعته لانتخابات 2011 بأنها “غير ديمقراطية”، بل إن سانشيز كان من صقور اللجنة، الذين أصروا على صياغة بيان قوي يقدح في الانتخابات التي كان المغرب مزهوا بها في إطار الدستور الجديد.
ومن الطبيعي أن علاقات شخصية متوترة بهذا الشكل، ستنعكس على العلاقات الثنائية بين البلدين، فالملك محمد السادس لم ينس موقف سانشيز من الانتخابات التي تلت صياغة دستور جديد، وصف وقتها بأنه غير مسبوق”، وهو الموقف الذي بقي مثل شوكة في حلق العلاقات بين البلدين.
نفور شخصي
علاقة الملك محمد السادس، بسانشيز، قد تكون أحد العوامل غير المساعدة على تخفيف الأزمة بين الرباط ومدريد، فالملك لا يحمل نظرة ود لسانشير، وقد ظهر ذلك عندما تسبب في تأجيل زيارته إلى المغرب عند توليه المنصب، وهو تقليد دأب عليه رؤساء وزراء إسبانيا، إذ لولا تدخل رئيس الحكومة الإسباني الأسبق خوسي لويس رودريغيز ثاباتيرو، لما حدثت تلك الزيارة فيما بعد.
وربما يذوب بعض الجليد بين مدريد والرباط، لكنه لن يذوب كاملا قبل رحيل الحكومة الاشتراكية وحلول حزب آخر في قصر “لامانكلوا” المدريدي. إنه الشرط الخفي لتحسين العلاقات المغربية الإسبانية.

