د. سعيد الشهابي
ثمانية عشر شهرا من الوباء القاتل تركت آثارها على حياة البشر وساهمت في تغيير التوازنات السياسية الإقليمية والمحلية، وأدخلت العالم في دهاليز بلا نهاية من التردد وإعادة تشكيل العلاقات وتغير الأولويات.
ولم تنحصر آثار الوباء بالبلدان الفقيرة التي لا تملك من الإمكانات الاقتصادية ما يكفي لتوفير الفحص واللقاح لمواطنيها، بل أن البلدان الكبرى هي الأخرى تعاني من التبعات المدمّرة للوباء الذي أغلق الحياة العامة بشكل شبه كامل في الكثير من الدول الغربية. وتشهد بلدان عديدة موجات متفاوتة من ارتفاع الاصابات وانخفاضها. لقد كان الأمل باحتواء الوباء معقودا بتوفر اللقاحات المناسبة، ولكن الموجات الثالثة من انتشاره في بلدان مثل بريطانيا وبعض الدول الأوروبية أكد عدم جدوى التعويل على الحسابات المادية فحسب.
ولربما تواصلت المسارات السياسية في هذه البلدان بأنماطها المعهودة في ظروف الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي وانكماش الحياة العامة إلا أن المنحى العام يشير إلى تغيرات حتمية في العلاقات والتحالفات الإقليمية والدولية. ولا شك أن الإجراءات الاحتياطية واللقاحات ساهمت بمستوى أو آخر في الحد من انتشار الوباء وتقليص آثاره. ولكن اتضح ايضا قدرة الوباء على الانتشار برغم توفر اللقاحات لأسباب عديدة.
يضاف إلى ذلك أن معاناة البشر تصاعدت كثيرا منذ مطلع العام الماضي، خصوصا على صعيد العلاقات الاجتماعية والنفسية بالإضافة للحياتية التي تأثرت كثيرا بالارتفاع المتواصل لأسعار السلع الاستهلاكية الأساسية. وتقول الأمم المتحدة أن تصاعد أسعار الخضار والزيوت والحبوب والسكر ساهم في صعود مؤشر الأسعار لأعلى مستوى له منذ سبتمبر 2011.
واذا أضيف لذلك تراجع المدخولات بسبب الانقطاع عن العمل بشكل اساس، اتضح مدى معاناة الكثير من الناس.
وثمة بعد آخر لاستمرار الجائحة، يبرز بوضوح في البلدان التي كانت تعاني قبل الوباء من اضطراب سياسي لم ينته تماما، ولكنه تراجع نتيجة الظروف الجديدة التي فرضها. وإذا كانت الاضطرابات السياسية قد تأثرت كثيرا بالوباء الا أنها لم تختف تماما ما دامت أسبابها ما تزال قائمة.
لذلك تواصلت الاحتجاجات في العديد من البلدان العربية في العامين الأخيرين، وتواصلت معها التدخلات الاجنبية. وقد كشفت حرب غزة الأخيرة أن استمرار أسباب الأزمات سيبقى عامل تحريك مستمر.
لقد كان البعض يعوّل على حدوث تغيّرات حقيقية في التصورات والسياسات المرتبطة بالصراعات تساهم في التخفيف منها، غير أن العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة أثبت عدم واقعية ذلك الافتراض. فالاحتلال هو الاحتلال، والاستبداد هو الاستبداد، والظلم هو الظلم، سواء انتشر الوباء ام انحسر. فلم يؤثر انتشار الوباء على توجهات الحكومات او سياساتها.

