المساء اليوم – متابعات:
بدأت العلاقات الجزائرية الإسبانية تعود إلى سابق عهدها شيئا فشيئا، وذلك بعد فترة توتر شديد لم يدم طويلا، والذي أعقب إعلان إسبانيا تأييدها لمقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية للمغرب في الرسالة الشهيرة التي وجهها قبل أزيد من عام رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، للملك محمد السادس.
وكانت الرحلات الجوية عادت بين الجزائر وإسبانيا، في مؤشر لافت على عودة العلاقات السياسية بين البلدين إلى ما كانت عليه قبل قرابة 20 شهراً، حينما غضبت الحكومة الجزائرية من رئيس الحكومة، بيدرو سانشيز، بسبب دعمه خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء، معتبرة ذلك “خروجاً عن الحياد” إزاء ما تسميه “القضية الصحراوية”.
وعبّر متعاملون في قطاع التجارة مع إسبانيا، ورعايا جزائريون يقيمون بها، عن ارتياح واضح في حسابات تابعة لهم بالإعلام الاجتماعي من استئناف السفر، عبر الطائرة بين الجزائر ومدريد بدء من شهر دجنبر الحالي. وكانت وزارة النقل الجزائرية قد أعلنت، الثلاثاء الماضي، أن هذا القرار “يستجيب لأوامر رئيس الجمهورية بالتعامل بشكل أفضل مع سفر المواطنين”. وشمل ذات القرار رفع الرحلات الجوية مع مدينة برشلونة إلى 7 رحلات أسبوعياً بعدما كانت في حدود 4 قبل الأزمة.
والمعروف أن عدداً كبيراً من المهاجرين الجزائريين يعيشون بإسبانيا، كما أن رجال أعمال كثراً من البلدين يتبادلون التجارة فيما بينهم في قطاعات عدة، قدّرت الصحافة الإسبانية قيمتها بنحو مليار يورو سنوياً. وبالإضافة إلى إسبانيا، سُمح للطيران الجزائري بإعادة تشغيل رحلة الجزائر – بيروت – دمشق – الجزائر بمعدل رحلة واحدة في الأسبوع، بداية من 21 دجنبر الحالي، ورحلتين أسبوعيتين بداية من 9 يناير 2024، بعد تعليق دام شهوراً طويلة.
وكان المؤشر الأول، وهو الأقوى على إذابة الجليد بين الشريكين التجاريين المتوسطيين، هو إعلان عودة السفير الجزائري إلى منصبه في مدريد من طرف وزارة الخارجية الجزائرية في 16 من نونبر الماضي، حيث تم اختيار عبد الفتاح دغموم، الرجل الثاني في سفارة الجزائر بمدريد سابقا، رئيساً للبعثة الدبلوماسية، خلفاً لسعيد موسي، الذي سحبته السلطات الجزائرية من مدريد في 19 من مارس 2022، ثم نقلته لاحقاً إلى باريس سفيراً.
وزادت الجزائر على سحب سفيرها بتعليق “معاهدة الصداقة وحسن الجوار” مع المملكة الإسبانية (2002)، وهي الإطار الذي يضبط العلاقات بينهما في كل الجوانب. وألحق هذا القرار ضرراً بالغاً بالصلات الإنسانية والاقتصادية بين البلدين، وجرى اتخاذه بعد الكشف عن تبني الحكومة الإسبانية خطة الحكم الذاتي في الصحراء، تضمنته رسالة تسلمها ملك المغرب محمد السادس من رئيس الحكومة سانشيز.
وعللت السلطات الجزائرية موقفها بأن إسبانيا “انتهكت التزاماتها القانونية والأخلاقية والسياسية” بهذا الموقف، على أساس أنها “لا تزال القوة المديرة للإقليم”. وتعارض الجزائر الخطة المغربية، وتمد جبهة البوليساريو الانفصالية بالمال والسلاح منذ عقود.
وباستثناء إمدادات الغاز المرتبطة بعقود طويلة المدى، أوقفت الجزائر كل المبادلات الاقتصادية مع إسبانيا، التي كانت قيمة بضائعها المصدرة إلى الجزائر تصل إلى 3 مليارات يورو، قبل الأزمة السياسية غير المسبوقة بين البلدين.
وكان رئيس “منتدى التجارة والصناعة الجزائري – الإسباني” (فضاء يجمع رجال أعمال)، جمال الدين بو عبد الله، قد صرح بأن سر الانفراج في العلاقات الثنائية يعود إلى اتصالات جرت بين وفدي البلدين المشاركين في اجتماعات الجمعية العام للأمم المتحدة في بنيويورك في سبتمبر الماضي. بينما أشارت صحف جزائرية يومها، نقلاً عن “مسؤولين حكوميين”، بأن الخطاب الذي ألقاه سانشيز بهذه المناسبة، لم يتناول موقفه السابق بشأن الصحراء، حيث أكد أن بلاده “تؤيد حلاً للنزاع بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن الدولي”. وعدّت الجزائر هذا الكلام نزولاً عند شرطها، وهو “العدول عن الموقف الداعم للمقترح المغربي، مقابل عودة العلاقات إلى سابق عهدها”.

