حين يتدخل العرش لتصحيح المسار الديمقراطي

  1. ضرار هفتي

 

في ظل احتقان سياسي وتراجع واضح في أداء المؤسسات المنتخبة، يعود إلى الواجهة النقاش حول الفصل 51 من الدستور المغربي، الذي يمنح لجلالة الملك صلاحية حل البرلمان أو أحد مجلسيه بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية وإخبار رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي النواب والمستشارين، على أن يوجه خطاب ملكي إلى الأمة عقب القرار.

 

هذه الآلية الدستورية الرفيعة ليست استثناء في النظم الملكية، بل تجسيد لعمق النظام المغربي القائم على مبدأ التوازن بين السلط والضمانة الملكية العليا لاستمرار الدولة. فالملك لا يمارس هذه الصلاحية خارج الدستور، بل في صميم روحه التي تجعل منه الحكم الأسمى والضامن لدوام المؤسسات.

 

لقد بيّن التاريخ السياسي للمملكة أن تدخل المؤسسة الملكية في لحظات الأزمات لم يكن يوما تعبيرا عن نزعة تحكم، بل استجابة لحاجة وطنية لتصحيح المسار حين تتغلب المصالح الحزبية على المصلحة العامة. فحين يختل أداء البرلمان أو تفقد الحكومة ثقة الشارع، يظل العرش هو الصمام الذي يمنع الانهيار، ويعيد للحياة السياسية معناها الدستوري والأخلاقي.

 

وفي السياق الراهن، حيث يشهد المشهد الحزبي ارتباكا غير مسبوق وتراجعا في منسوب الثقة الشعبية، يبرز الفصل 51 كأحد الأعمدة التي تذكّر الجميع بأن الملكية ليست طرفاً في الصراع السياسي، بل المرجعية العليا التي تضمن توازن السلط واستمرار الدولة.

 

إن الخطاب الملكي الموجه إلى الأمة عقب أي قرار بحل البرلمان أو أحد مجلسيه، أو غيرها من القرارات السامية والموزونة، يُعدّ في المنطق الدستوري المغربي لحظةً تأسيسية جديدة، لا لإدانة المؤسسات، بل لإعادة بعثها على أسس من الانضباط والمسؤولية. فجوهر القرار ليس في الحل ذاته، بل في الرسالة التي يحملها. أن لا أحد، كائنا من كان، فوق المصلحة العليا للوطن.

 

وفي زمن تتقاذفه الفوضى الإقليمية والارتهان الخارجي، يبقى المغرب محصنا بفضل هذا النظام الفريد الذي جمع بين الشرعية التاريخية والتجديد الدستوري، وجعل من جلالة الملك الضامن الأول لاستقرار الوطن واستمرار دولته.

 

لقد برهن المغاربة، في كل محطة حرجة، أن حبهم للملك لا يفرض من فوق، بل يخرج من أعماقهم كعهد متجدّد بالوفاء، وهو ما تجلّى في الاحتجاجات الوطنية السلمية التي رفعت شعار الإصلاح في ظل الاستقرار، تأييدا للمؤسسة الملكية وثقة في المسار الدستوري والإصلاحي.

 

فهذا الجيل من الرجال والنساء لن يفر إلى الجبال، ولن يتراجع أمام الصعاب، بل سيصمد في صفوف متراصّة إلى جانب المؤسسة الملكية ضدّ كل محاولة لزعزعة استقرار الوطن، وضدّ كل أشكال الفساد والامتياز غير المستحق.

 

إنه جيل وطني جديد أقام صلة رحم مع أجداده، واستعاد في ذاته روح المغرب العريق، يؤمن بأن الإصلاح الحقيقي لا يبنى بالفوضى، بل بالولاء للوطن، وبالانخراط الواعي في حماية الدولة التي تحميه.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )