سميرة مغداد كنت سعيدة جدا أن ألتقي وأعرف عن قرب الهرم الفني عبد الهادي بلخياط. ذهبت لمحاورته يوما وأنا أخطو خطواتي الأولى في مهنة المتاعب منتصف التسعينات. كنتُ وجلة وقلقة من مقابلة فنان شامخ أصيل، لكنني فوجئت كثيرا حين وجدتني أمام فنان متواضع، قمة في اللطافة والكياسة. كنت متعطشة ومتحمسه للسؤال، بيد أن أجوبته لم تساير حماسي الكبير في طرح الاسئلة. كانت إجاباته مختصرة وقصيرة ولماحة. أجوبة هادئة بسيطة وعميقة علقت في ذهني إلى اليوم ولم انسها قط. سألته عن سبب اكتفائه بابنة واحدة. قال أنا مثل النسر يخصب مرة واحدة في حياته لاغير. وعن حياته في الفن وقرار الاعتزال أجابني "رزقك موجود ومُصان، زربتي عليه غاتاكليه في الحرام.. صبرتي عليه غاتاكليه في الحلال". أذكر كيف حدثني طويلا عن البركة في حياته التي شعر بها بعدما اهتدى لطريق الله وحياة التعبد وابتعد عن عوالم السهر والغناء واعتبر أن رزقه انذاك أفضل بكثير من أمواله الطائلة التي كان يشتريها من السهرات والأغاني. أما عن موقفه من الفن فقال: الفن إذا استُعمل كرسالة تربوية وترفيهية فلا ضير، مستدلا حينها بقول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم "روّحوا عن أنفسكم، فالنفوس إن كلّت عميت". لمست فيه صدقا كبيراو رغبة جامحة للعودة إلى أصوله والتزامه الديني كما كان أجداده. بل شعرت أنه شبع من الغناء والفن ولم يعد يفكر في شيء سوى إرضاء ربه والتقرب إليه بصالح الأعمال. مرت أيام وسنوات كنت أتواصل معه، حيث أصبح مُقتّرا أكثر في اللقاءات الصحافية. وجاءت فرصة لقاء خاص جدا معه بداية الألفية ليكون ضمن المكرمين للمشاركة في حفل تتويج الفنانين والمبدعين العرب الذي نظمته آنذاك مجلة "سيدتي" في القاهرة. تواصلت معه لتنظيم رحلته إلى القاهرة وكنا على متن نفس الطائرة. هناك في عنان السماء وفي الطائرة التي أعيش رهابها كل طيران، اكتشفت بلخياط الإنسان الورع المتزن. فقد علا فجأة صوت من آخر مقاعد الطائرة لرجل خمسيني نهض من مقعده يصرخ الله أكبر الله أكبر، بأعلى صوته المتوتر، ويهذي بكلام آخر ويضرب بكلتا يديه على مقعده. كان الأمر كفيلا أن يُحدث بلبلة وخوف بين الركاب، وانا أولاهم. ازداد خفقان قلبي وتعرقت يداي. اعتقدت أننا أمام إرهابي مخبول. بدا التوتر واضحا على الجميع، قبل أن نفهم أن الرجل "كبّاص" مخمور عائد إلى السعودية لأجل العمل. رأيت بلخياط يتنقل من مكانه بهدوء ليذهب إلى الرجل ويهمس له ويقنعه بالجلوس. بل طلب من الشخص الذي كان يجلس جنبه أن يعطيه مكانه، وهنا بدأ صوت الراكب ينخفض شيئا فشيئا وبلخياط إلى جانبه لم يتركه طيلة الرحلة، إلى أن وصلنا بأمان إلى القاهرة. هدأ روعي أنا أيضا وحمدت الله كثيرا. نزلنا ومعنا زوجة بلخياط. سألته بصدق كيف استطعت أن تسكته.. والله تستحق جائزة. فأجابني: بالفن والدين. كنت أغني له بعضا من أغانيّ وفي نفس الوقت تحدثت إليه عن أحواله وتلوت عليه آيات من القرآن الكريم. مسكين رجل مقهور بالغربة ترك أولاده وزوجته في ورززات وعاد وحيدا إلى عمله في الرياض. الأمر ليس سهلا، لكن مصيره الآن بيد الله. نزلنا في نفس الفندق واقتربت أكثر من الفنان الإنسان هو وزوجته السعدية. كان يدعوني للدخول بتلقائيه إلى زيارته في جناحه وهو يرتدي بتلقائية بيجامته. كان يعيش عالمه الخاص ولايتوقف عن الترتيل أو دندنة صوفية جميلة، ولايكثر من الكلام.. كان تلقائيا وعفويا جدا. رافقتُه وزوجته إلى السوق. كانت تشتري مايحلو لها من قماش وأغراض وهو يدفع دون اعتراض. حينما سمع الأذان تركنا وذهب للصلاة، ليعود إلينا ويتم جولة سوق القاهرة، حيث كان الجميع يحييه ويسأله عن المغرب ونعيمة سميح والدكالي وعزيزة جلال، بل هناك من شبهني آنذاك بالمطربة المعتزلة عزيزة جلال ويسألني إن كنت قريبتها. هذه أشياء عايشتها عن قرب عن فنان موهوب اختار الزهد والتقرب إلى طريق الله لينشد حياة فضلى وطويلة بجوار ربه. رحمة الله عليه.