المساء اليوم - متابعات كشفت صحيفة “أ ب س” عن مخاوف متزايدة داخل الأوساط الاستراتيجية الإسبانية من تداعيات التوتر الحاد بين مدريد وواشنطن، والذي يهدد بحسب التحليلات الإسبانية بترك المدينتين المحتلتين في وضع جيوسياسي أكثر هشاشة، في ظل ما يوصف بتقارب غير مسبوق بين المغرب والولايات المتحدة. وبحسب الصحيفة الإسبانية، فإن رفض الحكومة الإسبانية المشاركة في الهجوم الأمريكي ضد إيران، ورفضها السماح باستخدام القاعدتين العسكريتين روتا ومورون لدعم العمليات العسكرية، أدى إلى توتر واضح مع واشنطن وأثار نقاشا داخل حلف شمال الأطلسي حول موقع مدريد داخل المنظومة الأطلسية، وترى الصحيفة أن هذا التوتر قد يضعف موقع إسبانيا في عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية الذي يشهد زخماً دبلوماسياً تقوده الولايات المتحدة. وفي تحليل استراتيجي لصحيفة ABC، حذر عدد من الخبراء من أن التحولات الجارية في التوازنات الدولية قد تخلق من وجهة نظر إسبانية، فرصة سياسية أو دبلوماسية للمغرب لإعادة طرح ملف سبتة ومليلية بقوة أكبر على الساحة الدولية. وتشير الصحيفة إلى أن المدينتين لا تحظيان بحماية صريحة وواضحة ضمن المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، وهو ما يثير قلقا متزايدا داخل بعض الأوساط السياسية الإسبانية، خاصة في ظل تنامي التعاون الاستراتيجي بين المغرب وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل في مجالات الأمن والدفاع والتكنولوجيا العسكرية. التطورات الدولية انعكست سريعاً على الساحة السياسية الداخلية في إسبانيا، حيث فجرت تصريحات رئيسة إقليم مدريد، إيزابيل دياز أيوسو ، موجة جدل واسعة بعدما اتهمت حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانتشيث بترك “الحدود والسواحل والجزر الإسبانية دون حماية”، محذرة من أن “سبتة ومليلية قد تكونان التاليتين” في إشارة إلى ما تعتبره المعارضة تنازلات قدمتها الحكومة في ملفات مختلفة مرتبطة بالعلاقات مع المغرب. غير أن هذه التصريحات لم تحظ بإجماع حتى داخل المعسكر المحافظ نفسه، إذ سارع رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس إلى تهدئة الأجواء، مؤكدا أن سيادة إسبانيا على المدينة “مضمونة بالدستور وبمؤسسات الدولة”، داعيا السكان إلى عدم الانجرار وراء الخطابات السياسية المتشنجة. وتظل مدينتا سبتة ومليلية من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، فالمدينتان تمثلان آخر الجيوب الخاضعة للإدارة الإسبانية في شمال إفريقيا منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بينما تعتبرهما الرباط جزءا من أراضيها التي لم تستكمل وحدتها الترابية بعد الاستقلال سنة 1956. كما تمثل المدينتان الحدود البرية الوحيدة بين الاتحاد الأوروبي والقارة الإفريقية، ما يجعلهما نقطة توتر دائمة مرتبطة بقضايا الهجرة والأمن والتجارة. وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، يتزايد النقاش داخل إسبانيا حول مستقبل هذين الجيبين، وما إذا كانت التطورات الدولية قد تعيد رسم موازين القوة في غرب المتوسط، وبين المخاوف الإسبانية والتحليلات المتباينة، يبقى الملف مفتوحا على احتمالات متعددة قد تحددها طبيعة العلاقات بين الرباط ومدريد وواشنطن في المرحلة المقبلة.