دور التواصل السياسي في إضفاء الشرعية على العمل السياسي في النظامين المغربي والأمريكي

محمد بنزهرة

لم يعد الحديث عن شرعية العمل السياسي في الزمن الراهن مقتصرا على ما تمنحه النصوص الدستورية أو ما تفرزه صناديق الاقتراع، بل أصبح مرتبطا، إلى حد بعيد، بقدرة الفاعلين السياسيين على التواصل مع المجتمع، وإقناع، والتفاعل معه. فالتواصل السياسي لم يعد مجرد وسيلة لنقل المعلومة أو تبرير القرار، وإنما تحول إلى عنصر بنيوي في بناء الثقة، وإدخال القبول، ومن ثم إضفاء الشرعية على الممارسة السياسية.

ومن هذا المنطلق، يكتسي التساؤل حول دور هذا التواصل في النظام السياسي المغربي مقارنة بالنظام الرئاسي الأمريكي أهمية خاصة، لاسيما في ظل اختلاف السياقات والمؤسسات، وتباين مستويات الاحتراف في إدارة الاتصال السياسي.

في الحالة المغربية، تستمد الحكومة شرعيتها في الأصل من نتائج الانتخابات ومن المقتضيات الدستورية التي تؤطر عملية التعيين وممارسة السلطة. غير ان هذه الشرعية، رغم وضوح أساسها القانوني، لا تظل كافية بذاتها لضمان الاستمرار في نيل ثقة المواطنين، بل تحتاج الى دعم متواصل عبر خطاب سياسي قادر على الشرح والاقناع والتفاعل. فالممارسة أظهرت أن تنفيذ البرامج الحكومية، مهما كان مستواه، يظل ناقص الأثر إذا لم يواكب بتواصل فعال يوضح الأهداف، ويشرح الاختيارات، ويقرب السياسات من المواطنين. وبعبارة أخرى، فإن العمل الحكومي لا ينجح فقط بقدرته على الإنجاز، بل أيضا بقدرته على التعبير عن هذا الإنجاز وإقناع المجتمع به.

غير أن هذا الجانب التواصلي لا يزال يواجه، في التجربة المغربية، مجموعة من الإكراهات التي تحد من فعاليته. إذ يلاحظ أن الخطاب السياسي، سواء على مستوى الحكومة أو الأحزاب، كثيرا ما يتسم بالعمومية أو الغموض، ويفتقر إلى الوضوح والمرجعية الفكرية الدقيقة، مما يجعله عاجزا عن التعبئة والإقناع. كما أن حضور الفاعلين السياسيين في الفضاء العمومي يظل في كثير من الأحيان مناسباتيا، مرتبطا بظروف معينة، بدل أن يكون تواصلا مستمرا ومنظما. ويزداد هذا الوضع تعقيدا في ظل التحولات التي يعرفها المجال الإعلامي، حيث أصبحت المعلومة تنتشر بسرعة كبيرة، وأصبح المواطن أكثر قدرة على التفاعل والنقد والمساءلة، وهو ما يفرض مستوى أعلى من الاحترافية في الخطاب السياسي.

وإذا كان من الممكن تفسير جزء من هذه الصعوبات بضعف التأطير الحزبي أو محدودية التكوين في مجال التواصل السياسي، فإن جانبا آخر يرتبط بغياب استراتيجيات واضحة ومؤسساتية للتواصل داخل الأحزاب والمؤسسات الحكومية. فالتواصل، في كثير من الحالات، لا يزال يمارس كرد فعل على الأحداث، لا كخطة استباقية مبنية على تحليل دقيق لانتظارات الرأي العام، وهو ما يؤدي، في نهاية المطاف، إلى تراجع مستوى الثقة، واتساع الفجوة بين السياسي والمواطن، حتى في الحالات التي تكون فيها السياسات العمومية ذات أثر إيجابي.

وفي مقابل ذلك، يقدم النظام الرئاسي الأمريكي نموذجا مختلفا من حيث موقع التواصل السياسي داخل العملية السياسية. فهناك، لا يُنظر الى التواصل باعتباره مجرد اداة مكملة، بل كعنصر اساسي في ممارسة السلطة وفي الحفاظ على الشرعية. فالرئيس، والأحزاب، وأعضاء الكونغرس، وكل الفاعلين السياسيين، يدركون أن استمرارهم في مواقعهم مرتبط بقدرتهم على مخاطبة الرأي العام بشكل دائم، وعلى تفسير قراراتهم، وعلى التفاعل مع القضايا المطروحة في الفضاء العمومي.

ومن هذا المنطلق، يتميز المشهد السياسي الأمريكي بحضور قوي لوسائل الاعلام بمختلف أشكالها، التقليدية والرقمية، حيث تلعب دورا محوريا في نقل المعلومة، وتفسير الأحداث، بل وفي توجيه النقاش العام. كما أن الحملات الانتخابية هناك ليست مجرد مرحلة عابرة، بل هي تعبير عن ثقافة سياسية قائمة على التواصل المستمر، يتم خلالها توظيف مختلف الوسائط والآليات من أجل الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناخبين والتأثير في اختياراتهم. ولا يتوقف هذا التواصل بانتهاء الانتخابات، بل يستمر خلال ممارسة السلطة، من خلال الخطب، والندوات، والمناظرات، والتفاعل عبر المنصات الرقمية.

وعلاوة على ذلك، فإن خصوصية هذا النموذج تكمن في الطابع التفاعلي للتواصل، حيث لم يعد المواطن مجرد متلق سلبي، بل أصبح فاعلا يشارك في النقاش، ويعبر عن مواقفه، ويؤثر في اتجاهات الرأي العام. وهو ما يجعل الفاعل السياسي مضطرا الى تطوير خطابه باستمرار، وإلى مراعاة الدقة والوضوح والسرعة في إيصال الرسائل، تجنبا لأي تاويل قد ينعكس سلبا على صورته أو على موقعه السياسي. وهنا تتجلى العلاقة الوثيقة بين التواصل السياسي والشرعية، إذ أن القدرة على الاقناع والتفاعل تصبح جزءا من شروط الاستمرار في ممارسة السلطة.

وإذا كانت المقارنة بين التجربتين تكشف عن اختلافات واضحة، فانها في الوقت نفسه تبرز ان التواصل السياسي يشكل، في كلتا الحالتين، عاملا حاسما في دعم الشرعية او اضعافها. فغياب التواصل او ضعفه يؤدي الى تآكل الثقة، حتى وإن كانت المؤسسات قائمة على أسس قانونية سليمة، في حين أن التواصل الفعال يمكن أن يعزز القبول الاجتماعي، ويمنح السياسات العمومية مشروعية أوسع.

وعليه، يمكن القول أن التحدي الذي يواجه النظام السياسي المغربي اليوم لا يتعلق فقط بتحسين الأداء الحكومي أو تطوير البرامج، بل أيضا باعادة النظر في كيفية التواصل مع المواطنين، وبناء خطاب سياسي أكثر وضوحا وواقعية، قائم على التفاعل والاستمرارية. فالمواطن، في ظل التحولات الراهنة، لم يعد يكتفي بتلقي القرارات، بل أصبح يطالب بالفهم والمشاركة والتفسير، وهو ما يجعل من التواصل السياسي أداة لا غنى عنها في ترسيخ الشرعية وتعزيز الاستقرار.

وفي النهاية، يتضح أن التواصل السياسي لم يعد ترفا أو خيارا ثانويا، بل أصبح شرطا أساسيا من شروط نجاح العمل السياسي. فحين يكون التواصل فعالا، تتعزز الثقة، وتترسخ الشرعية، ويصبح العمل السياسي أكثر استقرارا وفاعلية، أما حين يغيب أو يضعف، فإن ذلك ينعكس مباشرة على صورة الفاعلين السياسيين وعلى مستوى القبول المجتمعي لسياساتهم.

وبين التجربتين المغربية والأمريكية، يظهر أن الفرق لا يكمن فقط في طبيعة النظام السياسي، بل أيضا في درجة الوعي بأهمية التواصل، وفي القدرة على توظيفه كأداة لبناء الشرعية وتجديدها باستمرار.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )