لعبة “بوتين الرهيب” مع المحكمة الدولية

إذا كانت الخرائط تروي قصص الأراضي والحدود، فإن خريطة روسيا تحكي قصة إمبراطورية امتدت بأذرعها لتشمل جزءًا كبيرًا من العالم، متوغلةً في قلب أوروبا ومترامية الأطراف في أعماق آسيا. هذه الأرض، التي كتبت أغاني النصر والهزيمة، عرفت كيف ترتقي بعد كل سقوط، وتبني نفسها من جديد بعد كل انكسار.

ومع غروب القرن العشرين، ألقى تاريخ روسيا بظلاله الطويلة على العالم، حيث شهدت لحظاتٍ حرجة، توجت بانكسارات وانتصارات، لكنها في كل الأحوال أظهرت قدرة روسيا على التجديد والاستمرارية. قصة روسيا هي رواية عن الصمود، والإرادة، والتحدي في وجه التغييرات المتلاحقة.

غورباتشوف، في محاولته لتجديد الاتحاد السوفياتي، بدا كأنه يملك الخبرة الكافية في هندسة النسف السياسي. تم تطبيق “البيروسترويكا” بسرعة، بدلاً من إحداث التجديد المرجو، أعطى جرعة زائدة وبدون تقدير كامل لتداعيات هذه الإصلاحات على هيكل الدولة. وكنتيجة، بدأ الاتحاد السوفياتي ينهار، كمبنى ضخم يتم هدمه بتقنية ودقة، مثل قطع الدومينو التي تسقط واحدة تلو الأخرى.

كانت خطوات يلتسين في خوصصة المؤسسات وممتلكات روسيا بمثابة تمزيق لصورة العائلة الوطنية التي علقت فوق مدافئ البيوت، وشبه الرئيس بتاجر سوق الخردوات الذي لا يدرك قيمة الكنوز التي بين يديه، دون التفكير في القيمة الحقيقية أو العاطفية لما يبيع. كانت الخسارة ليست فقط في الموارد، ولكن في الروح، في الكرامة، في الفخر الوطني الذي كان يميز روسيا على مر العصور. شعر الشعب الروسي بالخيبة والإحباط، حيث أصبحوا يرون ثروات بلادهم تسرق أمام أعينهم.

فلاديمير بوتين، الذي شهد عن كثب هذه الأحداث الكارثية بحكم موقعه كعميل في الـKGB، لم يكن مجرد شاهد عابر. لقد تأثر بشكل مباشر بالانهيارات التي حلت بروسيا وشعبها. وبحكم خلفيته وتجاربه، كان يفهم جيدًا الجروح العميقة والمؤلمة التي تعرضت لها روسيا.

منذ تسلمه الحكم في روسيا، عُرف فلاديمير بوتين بالتفكير الاستراتيجي المحكم، حيث ينظر للأمور في إطار طويل الأمد، مع الحفاظ على المرونة في اتخاذ قرارات تكتيكية قصيرة الأمد. إنه يتميز بقدرته على استغلال الفراغات السياسية والأمنية في الساحة الدولية، كما في أوكرانيا وسوريا. ورغم جرأته واستعداده للمخاطرة، فإنه يُظهر مهارة في فن التفاوض مع القوى العظمى. تُظهر سياساته توازنًا نادرًا بين القوة والديبلوماسية، ما يجعله من أبرز الشخصيات على الساحة الدولية.

بدأت روسيا تحت قيادته بعملية إعادة بناء طويلة ومعقدة، مثل النحات الذي يعمل على تشكيل تحفة من الصخر الخام.

المرحلة الأولى كانت تركيزًا على استقرار الاقتصاد وتقوية الروبل. بوتين اتبع سياسات محددة لجذب الاستثمار وتطوير الصناعات الوطنية. أعاد بناء الجيش الروسي وصقل قواته حتى بات من بين أقوى الجيوش في العالم.

ثم جاءت المرحلة الثانية، التي كان فيها الهدف هو إعادة تأسيس روسيا كقوة عظمى على الساحة الدولية. عبر سياساته الخارجية المحكمة والدبلوماسية القوية، نجح في إعادة روسيا إلى الواجهة، وجعلها شريكًا رئيسيًا في القضايا العالمية.

أبرز ما قام به بوتين هو إعادة الثقة والفخر للشعب الروسي. وفي زمن كان فيه الروس يشعرون بالتهميش والإقصاء، عمل بوتين على لملمة جراح روسيا وخياطتها بخيوط من الأمل والطموح.

ففي كل مرة يظن المحللون وفقهاء سياسة العالم أنهم قد توصلوا إلى فهم استراتيجية بوتين، يباغتهم بوتين بخطوة جديدة، تكون في الغالب غير متوقعة وغير مألوفة. ولكن ما يميز هذه الخطوات هو أنها ليست مجرد تحركات سياسية عابرة، بل هي أحداث ذات أثر طويل الأمد، تغير مجرى التاريخ وتعيد ترتيب توازن القوى.

إذا نظرنا إلى التدخل الروسي في سوريا، فقد كان له دور حاسم في تحديد مصير المنطقة وتوازن القوى فيها. وأما ضم شبه جزيرة القرم ودونباس وغيرها من المناطق، فقد أظهر مدى قدرة روسيا على تغيير الحقائق الجغرافية.

الانقلابات العسكرية في دول مثل مالي وبوركينافاسو  والنيجر لها دلالة بارزة وتظهر آثار النفوذ الروسي بوضوح في إفريقيا.

في الأسبوع الماضي، شهد العالم حركتين روسيتين استثنائيتين أثارتا الاهتمام والدهشة في الأوساط الدولية. أولهما، إرسال الجنرال سوروفيكين إلى الجزائر، والثانية، قرار روسيا باللجوء إلى المحكمة والدفاع عن نفسها أمامها. لطالما عُرفت روسيا بتحركاتها المدروسة واستراتيجياتها التي تحمل دائمًا بصمة الدهاء والحكمة، لكن ما حدث في الأسبوع الماضي تجاوز  توقعات الكثيرين.

ظهور الجنرال الروسي سوروفيكين في الجزائر، في منطقة ذات أهمية جيوسياسية لروسيا، وهو بلا شارات عسكرية، لم يكن فقط له دلالة تكتيكية، بل هو إشارة استراتيجية تُلقي الضوء على نية روسيا الجديدة في المنطقة.

احتمالية قيادته لمجموعة فاغنر، والتحول الواضح في الاستراتيجية من الأساليب القوية والصريحة التي كان يتبعها بريغوجين، إلى توجه أكثر هدوءًا واحترافية، تعكس رغبة روسيا في تعزيز نفوذها من خلال التواجد العسكري الفعال وليس فقط عبر العروض الإعلامية. هذه المفاجأة تتزامن مع تحولات جيوسياسية عميقة، حيث تسعى القوى الكبرى لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة وتعزيز وجودها.

لقد اعتبرت روسيا، لفترة طويلة، أن المحكمة الجنائية الدولية هي جزء من نظام دولي يسيطر عليه الغرب ويرسم الأجندة وفقًا لمصالحه، لذلك فإن قرارات روسيا الأخيرة ولجوؤها المفاجئ إلى المحكمة الدولية تكتسب دلالة خاصة وتحمل تعبيرًا عن رغبة موسكو في إعادة تقييم قواعد اللعبة الدولية، وتقديم نفسها كدولة تسعى للعدالة والشرعية.

وعلى الرغم من التهم الموجهة إليه، يرى بوتين أن الانخراط في المحاكمة ستمنحه فرصة لتقديم وجهة نظر روسيا، عكس الانسحاب الذي كان سيعكس صورة للضعف أو القبول الصامت بالاتهامات.

في الداخل الروسي، يحاول بوتين الحفاظ على الوحدة والاستقرار، وخصوصاً في ظل العقوبات الغربية والتحديات الاقتصادية.  بالرغم من أن بوتين يتمتع بشعبية كبيرة، إلا أن هناك معارضة داخلية نشطة. فالظهور أمام المحكمة الدولية والدفاع عن النفس قد يُعتبر خطوة جريئة تظهر قوة وعزم القيادة، وقد تساعد في تقوية الصورة الداخلية لبوتين أمام الشعب الروسي.

الجدير بالذكر أن هذا القرار يمكن اعتباره استراتيجية من قبل روسيا لتقديم نفسها في ساحة العالم كدولة تحترم القانون الدولي. أو استعمال المحكمة كأداة لإقامة حجة ضد الغرب، بحيث تكون روسيا الضحية والغرب هو المعتدي. هذه الإستراتيجية قد تسعى لتحميل الغرب المسؤولية عن احتمال اندلاع حرب نووية، بحجة أن الغرب لم يترك خيارًا لروسيا.

هذه الإستراتيجية هي نوع من أنواع “اللعب على الوتر السياسي”. فإذا نجحت، فإن روسيا ستكون قد حققت المراد في تحويل الجدل الدولي نحو انتقادات الغرب ومسؤوليته التاريخية والسياسية.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )