العلوم الإنسانية والاجتماعية بالجامعة المغربية: سوء الفهم الكبير.. كيف نؤسس لعلاقة جديدة؟

د. مصطفى الغاشي 

 

تعيش العلوم الإنسانية والاجتماعية داخل الجامعة المغربية وضعاً مركباً يطبعه نوع من “سوء الفهم الكبير” بين المجتمع والدولة والوسط الاقتصادي والمهني المرتبط بسوق الشغل من جهة، وبين هذه العلوم ووظيفتها المعرفية والحضارية من جهة أخرى. فبينما يُنظر إلى التخصصات التقنية والعلمية باعتبارها قاطرة للتنمية الاقتصادية المباشرة، تُقدَّم العلوم الإنسانية أحياناً باعتبارها فضاءً نظرياً قليل الجدوى، أو مجرد تخصصات لإنتاج البطالة والشهادات دون أفق مهني واضح. غير أن هذا التصور يخفي خللاً عميقاً في فهم طبيعة العلوم والإنسان والمحتمع والتنمية، لأن أي مشروع مجتمعي لا يمكن أن يقوم فقط على التكنولوجيا والاقتصاد، بل يحتاج أيضاً إلى فهم الإنسان والمجتمع والثقافة والسياسة والقيم.

 

أولاً: جذور سوء الفهم أو داء العطب.

1. الإرث التاريخي للنظرة الأداتية، فمنذ عقود، ارتبطت الجامعة المغربية بمنطق الوظيفة العمومية، حيث كان الطالب يتجه نحو تخصص يضمن له الإدماج المهني المباشر. ومع التحولات الاقتصادية وتراجع التوظيف العمومي، أصبحت العلوم الإنسانية والاجتماعية أولى ضحايا هذا التحول، إذ تم اختزال قيمتها في “سوق الشغل” فقط، بدل اعتبارها رافعة للفكر والنقد والتخطيط المجتمعي،

2. ضعف الربط بين الجامعة والمجتمع، حيث تعاني كثير من كليات الآداب والعلوم الإنسانية من عزلة كبيرة عن محيطها الاقتصادي والمهني والثقافي والإعلامي. فالبحوث الجامعية غالباً ما تبقى حبيسة الرفوف، ولا تتحول إلى خبرة عمومية أو مساهمة فعلية في صناعة القرار أو تحليل الظواهر الاجتماعية.

3. أزمة الخطاب الأكاديمي، اذ في حالات عديدة، بقي الخطاب الجامعي أسير لغة نخبوية مغلقة، بعيدة عن هموم المواطن اليومية. ولذلك تراجع تأثير المثقف الجامعي في المجال العمومي، لصالح خطاب سطحي سريع ومبسط تنتجه وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي على الخصوص.

4. هيمنة النموذج التقني، حيث أصبح العالم المعاصر يميل إلى تمجيد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، ما خلق انطباعاً بأن العلوم الإنسانية أصبحت “ترفاً فكرياً”. والحال أن التطور التقني نفسه يحتاج إلى أخلاقيات وقيم وفلسفة وعلم اجتماع وتاريخ وحغرافيا وقانون وعلم نفس من أجل فهم آثاره وتوجيهه.

ثانياً: لماذا لا يمكن الاستغناء عن العلوم الإنسانية والاجتماعية؟ السؤال الأهم!

 

إن العلوم الإنسانية والاجتماعية والفنون والآداب ليست مجرد تخصصات مدرسية، بل هي أدوات لفهم الإنسان وتحليل المجتمع وتفكيك الأزمات. فالدول المتقدمة لا تستثمر فقط في الهندسة والطب، بل أيضاً في علم الاجتماع والعلوم السياسية والفلسفة والتاريخ والأنثروبولوجيا لأن وظائفها الأساسية تتلخص في:

أولا، فهم التحولات الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالإنسان والمجتمع والديناميات المرتبطة بهما.

 

ثانيا، تحليل قضايا الهوية والدين والقيم، للتخلص من الشكليات وتسطيح الفهم والخطابات الشعبوية التي تختصر الهوية والدين في فهم ضيق لا ينتج إلا التطرف والكراهية.

 

ثالثا، المساهمة في صنع السياسات العمومية، المرتبطة بتنظيم المجتمع كمؤسسات وأفراد ومجتمع مدني.

رابعا، دراسة ظواهر العنف والتطرف والهجرة، وهو الموضوع ألذي يحتاج الى خبرات في علم الاجتماع وعلم النفس والدين…، فبدون الدراسات الميدانية لايمكن فهم واستيعاب الكثير من الظواهر المقلقة في المجتمع.

 

خامسا، مواكبة التحول الرقمي وأثره على الإنسان، وهي كضرورة من ضروريات العصر، حيث صار الإنسان محاطا بهذا التحول الرقمي مما يغير في ثقافته وسلوكه وتفكيره

 

سادسا، بناء ثقافة الحوار والديمقراطية، كرهان مركزي لبناء الإنسان والمجتمع.

لقد أظهرت أزمات العالم المعاصر — من الجائحة إلى الحروب الرقمية — أن الإنسان ليس مجرد رقم اقتصادي، بل كائن ثقافي ونفسي واجتماعي معقد.

ثالثاً: الجامعة المغربية وأسئلة التحول.

تعاني الجامعة المغربية اليوم من عدة إشكالات بنيوية تؤثر بشكل خاص على العلوم الإنسانية والاجتماعية:

1. الاكتظاظ وضعف الإمكانات، حيث تعرف كليات الآداب والعلوم الإنسانية أعداداً ضخمة من الطلبة مقابل ضعف في التأطير والميزانيات المرصودة والتجهيزات المتاحة.

2. إشكالية البحث العلمي، خيث لا يزال البحث في العلوم الإنسانية يعاني من:ضعف التمويل، وقلة المختبرات الفاعلة ومحدودية النشر العلمي الدولي.د، مع غياب لقواعد بيانات وطنية متطورة.

3. أزمة اللغات والمعرفة، حيث تتأرجح العلوم الإنسانية والاجتماعية بالمغرب بين تعدد لغوي معقد (العربية، الفرنسية، الإنجليزية)، ما يؤثر بالضرورة على الإنتاج العلمي والانفتاح الأكاديمي.

4. ضعف التثمين المجتمعي، اذ نادراً ما يتم استدعاء الباحثين في العلوم الإنسانية للمساهمة في صياغة السياسات العمومية أو الاستراتيجيات الوطنية، رغم أن قضايا المجتمع تحتاج إلى خبرتهم.

رابعاً: كيف نؤسس لعلاقة جديدة؟

لا شك أن الأمر يحتاج الى:

1. إعادة تعريف وظيفة العلوم الإنسانية، اذ ينبغي تجاوز الفكرة التي تختزل الجامعة في التوظيف فقط، والانتقال نحو تصور يعتبر الجامعة فضاءً لإنتاج المعرفة وصناعة الوعي المجتمعي.

2. ربط البحث العلمي بالحاجيات الوطنية، اذ يجب أن تنخرط مختبرات البحث في دراسة القضايا المغربية الكبرى: كالتحولات القيمية، والشباب والهجرة، الذكاء الاصطناعي والمجتمع، والإعلام الرقمي، والهوية والثقافة. والتنمية الترابية…إلخ.

3. ضرورة بناء شراكات جديدة، اذ من الضروري فتح الجامعة على: الجماعات الترابية، والمؤسسات الإعلامية. ومراكز التفكير، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني…إلخ.

فالعلوم الإنسانية يمكن أن تقدم خبرات مهمة في التواصل والتدبير الثقافي والتحليل الاجتماعي.

4. تحديث المناهج الجامعية، ينبغي في هذا الإطار إدماج:

المهارات الرقمية، وتحليل البيانات الاجتماعية، والذكاء الاصطناعي والعلوم الإنسانية الرقمية، واللغات الأجنبية، ومهارات التواصل والابتكار.

5. إعادة الاعتبار للمثقف الجامعي، اذ تحتاج الجامعة المغربية إلى حضور أكبر للأساتذة والباحثين في النقاش العمومي، حتى تستعيد العلوم الإنسانية دورها التنويري والنقدي.

خامساً: نحو جامعة تفكر في المستقبل.

 

إن مستقبل المغرب لا يمكن أن يبنى فقط بالطرق السيارة والمشاريع الاقتصادية، بل أيضاً ببناء الإنسان القادر على التفكير النقدي والإبداع والحوار. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للعلوم الإنسانية والاجتماعية.

فالجامعة ليست مصنعاً للشهادات فقط، بل مؤسسة لإنتاج المعنى. وكل مجتمع يهمش العلوم الإنسانية، يجد نفسه عاجزاً عن فهم أزماته العميقة مهما امتلك من تقنيات.

سادسا: اقتراحات عملية للنهوض بالعلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعة المغربية:

أولاً: على مستوى الجامعة والتكوين تلبيظاغوجي:

1. إحداث مسارات جديدة مرتبطة بسوق التحولات الحديثة

بدل الاكتفاء بالتخصصات التقليدية، يمكن فتح مسالك حديثة مثل:

– العلوم الإنسانية الرقمية.

– الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات.

– علم اجتماع التحولات الرقمية.

– الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى.

– الدراسات الاستراتيجية والأمن الفكري.

– السياسات الثقافية والصناعات الإبداعية.

– تحليل البيانات الاجتماعية.

ان هذه التخصصات تربط المعرفة الإنسانية بالتكنولوجيا والاقتصاد.

2. إدماج التكوين المهني داخل كليات الآداب والعلوم الإنسانية من خلال:

– تدريب ميداني إجباري.

– شراكات مع الإعلام والمؤسسات الثقافية.

– وحدات في ريادة الأعمال الثقافية.

– تكوين في إدارة المشاريع.

والهدف من ذلك حتى لا يبقى الطالب معزولاً عن الواقع المهني.

3. إنشاء مختبرات تفكير جامعية (Think Tanks)

تشتغل على قضايا المغرب الراهنة:

– الشباب.

– الهجرة.

– الأسرة.

– التحولات القيمية.

– الذكاء الاصطناعي.

– الأمن الثقافي.

الإعلام الرقمي.

وتكون مهمتها إصدار تقارير دورية موجهة لصناع القرار.

ثانياً: على مستوى البحث العلمي والابتكار:

4. تمويل مشاريع بحث مرتبطة بالمجتمع ، اذ يجب أن تُمنح الأولوية للأبحاث التي تعالج القضايا ذات الأولوية الوطنية:

– العنف المدرسي.

– البطالة.

– التطرف.

– التحولات الثقافية.

– أزمة القراءة.

– الرقمنة والهوية.

مع ضرورة ربط التمويل بنتائج قابلة للاستثمار المجتمعي.

5. إنشاء بنك وطني للبيانات الاجتماعية كقاعدة بيانات وطنية مفتوحة للباحثين تشمل:

– الإحصائيات الاجتماعية.

– التحولات الديمغرافية.

– الدراسات الميدانية.

– الأرشيف الشفوي والرقمي.

لأن البحث العلمي اليوم قائم على المعطيات واضحةو الدقيقة.

6. تشجيع النشر الدولي والترجمة

عبر:

– دعم الترجمة من العربية وإليها.

– تمويل النشر العلمي الدولي.

– إنشاء مجلات مغربية مفهرسة عالمياً.

– تشجيع الكتابة الأكاديمية بالإنجليزية.

ثالثاً: على مستوى العلاقة مع المجتمع، وهي حلقة مهمة،

7. إخراج الباحث من العزلة الجامعية

وذلك عبر:

– حضور الأساتذة في الإعلام.

– تبسيط المعرفة للعموم.

– إنتاج محتوى رقمي أكاديمي.

– تنظيم لقاءات مفتوحة داخل المدن والقرى.

فالجامعة يجب أن تعود إلى المجتمع.

8. إنشاء مرصد وطني للتحولات الاجتماعية

ويهتم بمتابعة:

– تغير القيم.

– سلوك الشباب.

– تأثير وسائل التواصل.

– التحولات الأسرية.

– الثقافة الرقمية.

ويصدر تقارير سنوية تساعد الدولة والمجتمع.

9. ربط العلوم الإنسانية بالسياسات العمومية

اذ يجب إشراك الباحثين في:

– إعداد البرامج التعليمية.

– السياسات الثقافية.

– التخطيط الحضري.

– قضايا الشباب.

– الأمن الثقافي والإعلامي.

لأن التنمية ليست اقتصادية فقط بل إنسانية أيضاً.

رابعاً: على مستوى الطالب

10. تكوين الطالب في المهارات الجديدة

إضافة إلى المعرفة النظرية يحتاج الطالب إلى:

– اللغات الأجنبية.

التحليل الرقمي.

– الذكاء الاصطناعي.

– التواصل الاحترافي.

– التفكير النقدي.

– إدارة المشاريع.

11. تشجيع المقاولة الثقافية والفكرية

مثل:

– دور نشر رقمية.

– منصات بودكاست معرفية.

– مراكز دراسات صغيرة.

– شركات استشارة اجتماعية وثقافية.

– إنتاج وثائقيات تاريخية وثقافية.

خامساً: على مستوى الدولة والرؤية الاستراتيجية

12. ضرورة إعادة الاعتبار الرمزي للعلوم الإنسانية

عبر:

– رفع ميزانيات البحث.

– تحفيز الباحثين.

– منح جوائز وطنية.

– دعم المشاريع الفكرية.

– إدماج الباحثين في القرار العمومي.

13. بناء جامعة مغربية ذكية

جامعة تعتمد على:

– الرقمنة.

– المكتبات الرقمية.

– التعليم الهجين.

– الأرشفة الإلكترونية.

– الذكاء الاصطناعي في البحث.

مع الحفاظ على البعد الإنساني والنقدي للمعرفة.

 

في خلاصة،

إن أزمة العلوم الإنسانية والاجتماعية ليست أزمة تخصصات فقط، بل أزمة رؤية مجتمعية للمعرفة. فالمغرب اليوم يحتاج إلى:

– مهندس يفكر،

– وطبيب يفهم المجتمع،

– وخبير اقتصادي يدرك الثقافة،

– وباحث إنساني يواكب التكنولوجيا.

 

لهذا فإن المستقبل الحقيقي هو في التكامل بين العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية، لا في الصراع بينهما

إن المطلوب اليوم ليس الدفاع العاطفي عن العلوم الإنسانية، بل إعادة تأسيس علاقتها بالدولة والمجتمع والاقتصاد على أسس جديد: المعرفة المنتجة، والبحث المرتبط بالواقع، والجامعة المنفتحة، والمثقف القادر على التأثير.

 

وبذلك فقط، يمكن تجاوز “سوء الفهم الكبير”، وبناء عقد معرفي جديد يجعل العلوم الإنسانية والاجتماعية شريكاً أساسياً في مشروع المغرب المعاصر.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )