عبد الرفيع حمضي بالأمس، صادقت الجمعية الوطنية الفرنسية، بعد أكثر من نصف قرن من النقاشات السياسية والطبية والفلسفية والأخلاقية، على قانون المساعدة على الموت. ولم يكن هذا الخبر مجرد حدث تشريعي عابر، بل أعاد إلى ذاكرتي قصة حكاها لي، قبل نحو عام، صديق يقيم في الخارج. كان أحد أقاربه يعاني مرضا عضالا لا أمل في الشفاء منه. وبعد استكمال جميع الاجراءات القانونية، حدد له موعد للاستفادة من المساعدة الطبية على إنهاء حياته. في اليوم المقرر، كان صديقي إلى جانبه. تبادلا الحديث، واستعادا بعض ذكريات العمر، ثم خيم الصمت. عند الساعة المحددة، رن جرس الباب. دخل أحد المهنيين الصحيين، تحدث مع المريض للمرة الأخيرة، متأكدا من ان قراره لا يزال حرا وواضحا، ثم قام بالاجراء الطبي. وقبل أن يغادر، التفت إلى صديقي وقال بهدوء: “بعد نحو ساعة… سيكون كل شيء قد انتهى.” في ذلك اليوم، لم أفكر في الموت. فكرت في القانون. لكن القصة لم تكن سوى مدخل لسؤال أكبر. فلم يكن ما شغلني: هل نحن مع هذا القانون أم ضده؟ بل كيف انتقلت قضية ظلت، لقرون طويلة، مجالا للفلسفة والدين والضمير الإنساني، إلى نص قانوني يناقشه البرلمان ويصوت عليه النواب؟ هذا النقاش ليس جديدا. فمنذ قسم أبقراط، الذي جعل حماية الحياة أول واجبات الطبيب، استقر في الوعي الانساني أن الطب وجد ليعالج لا لينهي الحياة. كما اعتبرت الديانات الكبرى أن الحياة قيمة مقدسة لا يملك الإنسان سلطة التصرف فيها. غير أن التقدم الطبي أعاد صياغة السؤال بطريقة لم تكن مطروحة من قبل. فإذا كان الطب قادرا اليوم على إطالة الحياة، حتى عندما يغيب كل أمل في الشفاء، فهل يكفي استمرار الحياة البيولوجية وحده؟ أم أن الكرامة الإنسانية تظل جزءا من المعادلة؟ أنصار هذا التشريع لا يقدمونه باعتباره دعوة إلى الموت، بل باعتباره اعترافا بحرية شخص يعيش معاناة لا رجعة فيها، في أن يختار، ضمن شروط استثنائية ورقابة قانونية صارمة، وضع حد لآلامه. أما معارضوه، فيرون أن رسالة الطبيب هي التخفيف من الألم ومرافقة المريض، لا المشاركة في إنهاء حياته، وأن الحياة ليست حقا يجوز التنازل عنه. وبين الموقفين، يصعب الحديث عن حقيقة مطلقة، لأن كلا منهما يستند إلى تصور متكامل للكرامة الإنسانية. وللتجربة الفرنسية خصوصيتها. ففي سنة 1981، قاد الرئيس فرانسوا ميتران، بدعم من وزير العدل روبرت بادنتير، معركة تاريخية انتهت بإلغاء عقوبة الإعدام، معلنة أن الدولة لم يعد من حقها أن تنهي حياة إنسان. واليوم، وبعد خمسة وأربعين عاما، تعود فرنسا لتشرع في موضوع الحياة والموت، ولكن من زاوية مختلفة. فلم يعد السؤال: هل يحق للدولة أن تسلب الحياة؟ بل: هل يجوز لها أن تعترف، في حالات استثنائية، بحق الفرد في أن يختار نهاية حياته؟ قد تختلف مجتمعاتنا في الجواب عن هذا السؤال، وهذا أمر طبيعي، بحكم مرجعياتها الدينية والثقافية. لكن من الصعب الاعتقاد أن هذا النقاش سيظل محصورا داخل الحدود الفرنسية. فمع تقدم الطب، وارتفاع متوسط العمر، وتزايد الأمراض المزمنة، ستجد مجتمعات كثيرة نفسها، عاجلا أم آجلا، أمام السؤال ذاته، حتى وإن اختلفت الاجوبة. وبين ما يقال وما لا يقال، لعل أهم ما فعلته فرنسا ليس أنها شرعت للمساعدة على الموت، بل إنها اعادت طرح واحد من أقدم الأسئلة التي شغلت الإنسان: أين تنتهي حماية الحياة، وأين تبدأ حرية الإنسان في تقرير مصيره؟