ياسين الطالبي "إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ"، آيةٌ تُفتَح بها أبواب التأمل الفلسفي في العلم الإلهي الشامل، ذلك العلم الذي لا يُحد بزمان أو مكان، ولا يُخفي عنه شيء في الأرض ولا في السماء. إنها عدسة إلهية تخترق الزمان والمكان، تُظهر الحقائق كما هي، بلا زيف ولا تزييف. في بداية سورة مريم، يُبرز القرآن هذا العلم كتمهيد لقصص تحمل في طياتها عمقًا إنسانيًا وحكمةً إلهية. ولكن لماذا يبدأ الله بالخوف؟ ولماذا يضع "الموالي" في قلب هذا المشهد؟ "إني خفت الموالي"، عبارة يفتتح بها القرآن سورة مريم، وكأنها مفتاح لإعادة تشكيل الوعي حول أخطر الفيروسات التي عرفتها البشرية: الموالي. ليست المسألة مجرد خوف نبي، بل تحذير إنساني خالد، يُجسد القلق العميق على الرسالة الإنسانية التي جاءت لتحقق السعادة على الأرض. الخوف من الموالي هو خوف من تحريف الرسائل الإلهية إلى أدوات تدمير، من تحويل الدين إلى صناعة تُنتج الكراهية، ومن تحويل النصوص إلى نصال تُشق بها الإنسانية بدلاً من أن تُجمع. "إني خفت الموالي" ليست فقط صرخة نبي يراقب انهيار القيم، بل هي نافذة تُطل بنا على عالم يُعاد تشكيله بمهارة تشبه الجراحة، حيث الأديان تُستخدم كأدوات لا لتحقيق السعادة للبشرية، بل كأقنعة تحجب الحقيقة. هذه العبارة هي مفتاح لفهم دائرة الشر المتجددة التي تُصنّع فيها النصوص والأفكار لتخدم مصالح القلة وتُبقي الأغلبية في قبضة العذاب. زكريا والموالي: القلق على جوهر الرسالة عندما خاف زكريا، لم يكن خوفه شخصيًا أو عابرًا. الأنبياء لا يخافون إلا على القيم التي يحملونها كرسالات سماوية. الموالي هم الإيدوميون الذين تم إدخالهم إلى اليهودية قسرًا في عهد المكابيين، في القرن الثاني قبل الميلاد. هؤلاء لم يكونوا يهودًا بالأصل، بل تم إجبارهم على التهود بقرار سياسي وعسكري. ومع مرور الوقت، تحولوا إلى محترفين في استغلال الدين، وحوّلوا اليهودية من رسالة روحية تهدف إلى توجيه المجتمع نحو القيم السامية إلى أداة للهيمنة والسيطرة. مع مساعدات القوى الكبرى، خاصة الرومان الذين رأوا فيهم أدوات مفيدة لإدارة ولاية يهودا، استطاع هؤلاء الموالي التغلغل في البنية الدينية والاجتماعية لليهود. تحوّلوا إلى متنفذين يسيطرون على مقاليد السلطة الدينية والسياسية، واستغلوا ذلك لاضطهاد اليهود الحقيقيين من الصدوقيين والفريسيين، الذين كانوا يرون أنفسهم الحُماة الحقيقيين للدين اليهودي وتراث آل هارون وآل يعقوب. تولّى كهنة مُلحدون تابعون لهذه الطبقة الموالية مناصب دينية عليا، مما أفسد قدسية الكهنوت. هؤلاء لم يكونوا مؤمنين حقيقيين بل أدوات سياسية تهدف إلى السيطرة على اليهود الحقيقيين عبر الدين. زكريا، كنبي يمثل أحد الرموز التي وقفت في وجه هذا التحريف والاضطهاد. خوفه، رغم كونه نبيًا، يعكس إدراكه العميق لخطورة هذه الطبقة الموالية التي لم تكتفِ بتحريف الدين بل سعت لتدمير أساسه الروحي. القصة لا تقتصر على اليهودية أو التاريخ القديم، بل تعكس ظاهرة إنسانية تتكرر في سياقات مختلفة. عندما تتحول الأديان إلى أدوات سياسية في أيدي من لا يؤمنون بها حقًا، تصبح وسيلة للاضطهاد بدلًا من التحرير. إن ما فعله الموالي في يهودا يمكن اعتباره نموذجًا مبكرًا للصناعة الدينية التي تستغل الإيمان لتحريف القيم الروحية وتحويلها إلى أدوات للقهر والاستغلال. القرآن، يقدم تحذيرًا بأن الخطر الحقيقي على الأديان لا يأتي من الخارج فحسب، بل من الداخل، من أولئك الذين يحوّلون الدين إلى صناعة تُدار لمصالح شخصية أو سياسية، متجاهلين الهدف الأسمى: إسعاد البشرية في الأرض أولا. عندما ننظر إلى سقوط سوريا، نرى أن ما حدث ليس مجرد حرب سياسية أو صراع إقليمي، بل هو فصل جديد في صناعة الفوضى التي تُدار من مختبرات صناعة الأديان. الصناعات الدينية، التي انطلقت من عهد هيرودس وتمثلت في الموالي الذين حوّلوا اليهودية من رسالة روحية إلى أداة قمع واستبداد، تجد اليوم امتدادها في التنظيمات التي تُسوّق عبر الإعلام كمناضلين. داعش، الوجه الآخر للصناعة الدينية، ليست سوى استمرار لذات المشروع الذي بدأ بتحريف النصوص، واستخدام الدين كقناع يخفي به الجلادون أيديهم الملطخة بالدماء. الإعلام، الذي يُفترض أن يكون عين الشعوب، أصبح شريكًا في هذه المسرحية الكبرى، يضخم الاختلافات ويُجمّل الأقنعة، بينما الحقيقة تُدفن تحت ركام الشعارات. الدين، الذي كان ملاذًا للروح في أزمنة الظلام، أصبح اليوم وقودًا تُشعل به نار الصراعات. كل قذيفة تحمل في باطنها فكرة تُصور الآخر كعدو أبدي، لا مكان له في عالم التعايش. تُقدم الحروب كحتمية تاريخية، كأن الأرض لا تتنفس إلا تحت وطأة الصراع، وكأن السلام لا مكان له إلا في صفحات الكتب القديمة. الإرهاب، في حقيقته، ليس ابن الدين، بل هو ابن التشويه المتعمد للنصوص، تلك النصوص التي جاءت لتُعيد للإنسان إنسانيته، تُقطع اليوم وتُحرف لتُصبح قناعًا يغطي وجوه المصالح. الدين، الذي كان ملاذًا للروح، أُعيدت صياغته ليُصبح سلاحًا يُبرر العنف، وكل ذلك باسم الأمان والسلام. الصناعات العسكرية، التي تُدير هذه اللعبة، تُتقن فن تحويل الدين إلى أداة تسويق. إنها لا تكتفي بإنتاج الأسلحة، بل تُنتج معها سرديات تُبرر استخدامها. تتحول الاختلافات بين البشر إلى فجوات لا تُسد، ويُصور الحوار كضعف، يتحول الدين إلى قناع يُخفي وجوهًا جشعة لا تعرف إلا لغة الأرقام. أرباح تُقدر بمليارات الدولارات تُكتب بدماء الشعوب، وأجندات تُخطط لعقود قادمة تُبرمج عقول الأجيال لتبقى في دوامة من الخوف والكراهية. في مسرح السياسة، يقف أردوغان كفنان بارع يُبدل الأقنعة دون أن يرمش. خطبه تمتلئ بالشعارات التي تدغدغ مشاعر الجماهير، لكنه في الكواليس يوقع الاتفاقيات مع نفس القوى التي يُدينها. قضية خاشقجي كانت المسرح الذي لعب عليه أردوغان دور المدافع عن الحق، الخطيب الذي لا يخشى المواجهة. لكنه لم يكن سوى مشهد في مسرحية أعدها بعناية، حين قلب الطاولة وصافح ذات الأيدي التي كان يُدينها. المصالحة مع السعودية جاءت كخطوة تُظهر مدى براغماتيته؛ الخطاب للمظلومين، والقرارات لمن يدفع أكثر. في علاقته مع إسرائيل، يتقن أردوغان لعبة التناقض. كان يومًا يُدينها، ويخطب عن القضية الفلسطينية وكأنها قضيته الأولى. لكن ذات اليد التي صُورت وهي تُشير إلى الانتهاكات، صافحت قادة إسرائيل في لقاءات خلف الكواليس. سفينة مرمرة، التي كانت رمزًا للصمود، انتهت كجزء من ذاكرة باهتة في بحر المصالح. في ذكرى مرور مئة عام على إسقاط الخلافة العثمانية 1924، يقف أردوغان كراقص بارع على أنغام الماضي، يتمايل بين الشعارات الدينية والبراغماتية السياسية، يُحاكي مجدًا زائفًا. سوريا، التي كانت جزءًا من إرث الدولة العثمانية، أُسقطت على يد أدوات تُدربت على أراضيه، في مشهد يحمل عبق الذكرى ومرارة التناقض. أردوغان يُقدم نفسه كوريث شرعي للخلافة، كأنه يسعى لإعادة أمجادها، لكنه في الواقع يُشارك في إسقاط رمزية ما تبقى منها. الذكرى المئوية لإزالة الخلافة لم تمر دون احتفال خاص؛ سقوط سوريا، الذي أُعد له في مختبرات السياسة الدولية، كان مشهده البارز. إنه استكمال لمشروع بدأ بإسقاط السلطنة العثمانية، واستُكمل بإزالة الرمزية الحضارية للدولة السورية، التي كانت آخر خطوط دفاع المنطقة أمام مشروع التفكيك. في الذكرى المئوية لإزالة الخلافة، أردوغان لا يُحيي الماضي، بل يُشارك في طمس ما تبقى منه. سوريا، التي كانت جزءًا من ذلك الإرث، أُسقطت بيده عبر أدواته، في مسرحية يُديرها المخرجون الحقيقيون من خلف الستار. تمكين الدواعش للحكم في سوريا يفتح بابًا خطيرًا على مصراعيه: انهيار شرعية الأنظمة التي زعمت محاربة الإرهاب. الحكومات الغربية، التي بنت جزءًا كبيرًا من خطابها السياسي على مكافحة الإرهاب، ستجد نفسها في مواجهة شعوبها حين يتبين أنها لم تكن تحاربه بل ترعاه. هذا التناقض يهدد أحد أهم أعمدة العقد الاجتماعي بين الحكومات وشعوبها: الثقة. التهديد الحقيقي لتمكين الدواعش لا يكمن في الفوضى المباشرة التي يُحدثها، بل في التداعيات غير المرئية. انهيار الثقة بين الشعوب وحكوماتها، تشظي التحالفات الدولية، وتفاقم الأزمات الإنسانية، كلها تداعيات تُعيد تشكيل العالم بطريقة تجعل استدامة النظام القائم شبه مستحيلة. على ساحة ملطخة بدماء الأرواح التي أُزهقت في معارك لا تُحصى ضد الإرهاب، يتجدد المشهد في انعطافة عبثية. الدواعش، الذين كانوا بالأمس أعداءً وجوديين، يُقدمون اليوم بفضل ماكياج إعلامي مُتقن من شبكات مثل سي إن إن والجزيرة، كرموز "للحرية" و"النضال"، بينما يُغرق نظام الأسد في دوامة شيطنة لا تنتهي. السجون التي كانت تُغلق على أسرار القمع تُعرض الآن كمعارض تُبرر الإطاحة بدولة، لتُفسح المجال لفوضى جديدة. في هذا المشهد العبثي، تُنسى الأرواح التي قُتلت في معارك مكافحة الإرهاب. رجال الاستخبارات والجيش الذين واجهوا هذا الوحش في ميدانه يُمحى دورهم. كأنما المعارك التي خيضت كانت مجرد مشاهد من فيلم قديم أُزيلت نهايته. من يُكرم الآن ليسوا من سقطوا في مواجهة الوحش، بل الوحش نفسه، الذي يرتدي أقنعة جديدة تُغلف وحشيته بشعارات الحرية والنضال. الهندسة البريطانية لم تُعطِ اليهود وطنًا؛ بل وضعتهم في قلب معركة لا تنتهي. كل خطوة في هذا المشروع كانت مدروسة، بدءًا من وعد بلفور، الذي أُلبس قناع الخلاص، وصولًا إلى دعم الاغتصاب التدريجي للأرض الفلسطينية. بريطانيا لم تسعَ لإنقاذ اليهود، بل لتحويلهم إلى أدوات تخدم أجندتها في السيطرة على الشرق الأوسط. إنها عبقرية الهيمنة: تحويل الضحية إلى جلاد، ووضع السيف في يد المرتعب. "من النيل إلى الفرات" ليست حدودًا جغرافية فحسب، بل إطار فكري يزرع الخوف ويُشعل الحروب. إسرائيل، التي تُسوق كواحة الديمقراطية في بحر من الدكتاتوريات، ليست سوى قاعدة أمامية لمشروع أكبر. خلف الشعارات الدينية، تكمن استراتيجيات النفط والطاقة والموارد. اليهود الذين يعيشون على أرض هذا المشروع هم كأوراق شجر، تُستخدم لتغطية جذور تمتد إلى لندن وواشنطن. الهندسة البريطانية لم تكتفِ بتحويل اليهود إلى جلادين، بل أوجدت إطارًا لاستدامة الصراع. كل اتفاقية سلام هي مجرد استراحة، وكل حرب جديدة هي جزء من خطة لإبقاء المنطقة في حالة ضعف دائم. العبقرية ليست في بناء إسرائيل، بل في تحويلها إلى ساحة قتال دائمة تُبرر الهيمنة الغربية. ما يفعله اليهود الآن مع الفلسطينيين يُعيد إلى الأذهان دورًا مُظلمًا عاشوه سابقًا تحت وطأة الألمان. حين كانت مصانع الأسلحة الألمانية تُغذي آلة الحرب النازية، كان الظاهر أن هذه التكنولوجيا هي صناعة ألمانية خالصة، لكن الحقيقة تُظهر أن الولايات المتحدة كانت اللاعب الخفي وراء المشهد. الشركات الأمريكية، بشبكاتها المالية والصناعية، كانت تُغذي النسيج الصناعي الألماني، وتحول العنف إلى مشروع مربح يخدم أهدافها الاستراتيجية. اليهود، الذين كانوا ضحايا لتلك المرحلة، أُعيد تشكيلهم في إطار هندسي يجعلهم يُمارسون الدور ذاته ولكن من موقع مختلف. في ألمانيا النازية، كانت المصانع تُنتج الأسلحة التي تُستخدم في الإبادة والتهجير، بينما تُدار المصالح الحقيقية من مكاتب بعيدة، حيث تُحسب الأرباح وتُوضع الاستراتيجيات. الآن، في فلسطين، تُدار اللعبة بنفس الطريقة. اليهود في الحرب العالمية الثانية كانوا كطائر أُجبر على الطيران تحت أعين صيادين مُخادعين. الآن، الفلسطينيون يُجبرون على تحمل العبء ذاته، حيث تُستخدم أجسادهم كأهداف في مختبرات الحروب. إسرائيل ليست دولة بالمعنى التقليدي، بل هي شركة تسويق عملاقة لصناعات الأسلحة الغربية، حيث تتحول أجساد الفلسطينيين إلى لوحات اختبار لأحدث التقنيات العسكرية. في كل صاروخ يُطلق، وفي كل مبنى يُهدم، تُعرض قدرات الأسلحة الجديدة أمام أنظار المشترين الدوليين، وكأن الحرب أصبحت منصة عرض لترويج منتجات الموت. منذ إنشائها، تم إعداد إسرائيل لتكون مختبرًا مفتوحًا، تُجرب فيه تكنولوجيا القتل تحت غطاء "الدفاع عن النفس". المعارك ليست فقط لحماية الحدود أو السيطرة على الأراضي، بل هي أيضًا عمليات تسويقية تُظهر كفاءة الأسلحة في ساحات القتال الحقيقية. غزة، التي تُحاصر بين السماء والبحر، ليست سوى مسرح مظلم تُجري فيه الشركات الكبرى عروضها الدموية. الفلسطينيون لا يُنظر إليهم كأناس يعيشون حياتهم، بل كأهداف تدريبية تُستخدم لإثبات كفاءة الذخائر والأسلحة المتطورة. القصف العشوائي ليس عشوائيًا، بل هو استعراض للقدرات. والدمار الذي يخلفه ليس مجرد أثر جانبي، بل شهادة جودة تُقدم في معارض السلاح العالمية. الشعب الفلسطيني لم يكن هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لإبقاء المنطقة في حالة اشتعال دائم. كل صراع، كل تهجير، كل مذبحة، كانت تُخطط بعناية لتبرير استمرار الهيمنة والسيطرة. إذا انتهى الوجود الفلسطيني، ستُفتح صفحة جديدة يُكتب فيها اسم ضحية جديدة. إنه نظام يُدار كعجلة لا تعرف التوقف. الخلف ليس إلا ضحية أخرى تُجهز لتُكمل اللعبة. في هذا النظام، لا يُسمح للسلام أن يتحقق، لأن السلام يعني نهاية الأرباح. البرجوازية البريطانية، التي كانت العقل المدبر لهذه الصناعات منذ الاستعمار الأول للهند وحتى الحروب العالمية، تجاوزت مفهوم الدولة. إنها الآن قوة عابرة للحدود، تُدير العالم من خلال شبكات معقدة من المصالح الاقتصادية والإعلامية والدينية. سقوط الأنظمة أو تماسكها لم يعد يثير قلقها، لأنها أصبحت تعيش في عالم من المرونة المطلقة. لكنها، رغم كل قوتها، ليست محصنة من التصدع. التناقضات التي بدأت تظهر في التحالفات الغربية، والخلافات داخل الاستخبارات العسكرية، تُشير إلى أن البركان الذي يغلي تحت السطح قد ينفجر في أي لحظة، مُعيدًا تشكيل ملامح النظام العالمي. الموالي، بأقنعتهم المزيفة وخطاباتهم الجوفاء، يحولون هذه الوسيلة إلى أداة للسيطرة، يسلبونها قدرتها على البناء، ويجعلونها سلاحًا يُشهر في وجه الضعفاء. حين يُرفع الدين كغطاء، تتوارى الحقائق خلف الشعارات، وتُبرر المظالم باسم المقدس، ويُباع العدل في سوق المصالح. الخطر الحقيقي ليس في النصوص التي يحرفونها أو الخطابات التي يطلقونها، بل في قبولنا لصمتنا تجاههم. حين نصمت، نمنحهم القوة لتحويل الفرج الموعود إلى عذاب دائم، ولإغراق الإنسانية في مستنقع من الكراهية والانقسامات. "إني خفت الموالي" تظل صرخة تُلخص كل هذه التحديات. الموالي، الذين تحولوا من أتباع قسريين إلى صُنّاع للديانة المُسيّسة، يجسدون التحول الأخطر في تاريخ الأديان. زكريا، الذي خاف على آل يعقوب، لم يخشَ على الدين بذاته، بل على رسالته الإنسانية. هذا الخوف يظل حاضرًا في عالم اليوم، حيث الصناعات الدينية تُعيد تشكيل النصوص لخدمة الأهداف السياسية، وتحول الدين من رسالة للسلام إلى خطاب للكراهية. إن حوار الأديان الحقيقي يمكن أن يكون بمثابة مضاد حيوي لهذه الفيروسات اللاهوتية، لكنه يواجه تحديات ضخمة. القوى الكبرى، التي تدير الصناعات العسكرية والإعلامية، لن تسمح بسهولة بصعود خطاب يُعري الأكاذيب ويفضح الاستغلال. السلام، في هذا السياق، ليس خيارًا مربحًا، بل تهديدًا لنظام اقتصادي يعتمد على الحرب كمنتج أساسي.