ياسين الطالبي ليس من السهل أن يُختزل رجلٌ مثل عبد الإله بنكيران في توصيف سياسي تقليدي، ولا أن يُدرج ضمن القوالب الجاهزة التي تُصنّف الفاعلين السياسيين بين إصلاحيين ومحافظين أو بين شعبويين وتقنوقراط، لأن ما مثّله في لحظة تاريخية دقيقة من تاريخ المغرب لم يكن مجرد دور حكومي أو تجربة حزبية عابرة، بل كان قبل ذلك وبعده حالة خطابية كاملة، تشكّلت عند تقاطع الدين والسياسة، الشعبوية والمؤسسة، الجرأة والسقف، بحيث أصبح حضوره لا يُقرأ فقط من خلال قراراته، بل من خلال لغته، إيقاعه، طريقته في ترتيب العالم من حوله، وكيفية تقديم نفسه والآخرين داخل سردية متماسكة تُعيد إنتاج المعنى باستمرار دون أن تسمح له بالاستقرار النهائي. لقد دخل بنكيران إلى وعي المغاربة لا كسياسي فقط، بل كصوت، كنبرة، كحكاية تُروى، كرجل يتكلم أكثر مما يُدبّر، لكنه عبر الكلام نفسه كان يُدبّر موقعه داخل المجال، وكان يُعيد تشكيل التوازنات الرمزية بين الدولة والحزب، بين القيادة والقواعد، بين الخصم والحليف، حتى بدا أحيانًا وكأنه يمارس السياسة بالكلمات أكثر مما يمارسها بالقرارات، أو لعل كلماته نفسها كانت قرارات من نوع آخر، تُصاغ لا لتُنفّذ إداريًا، بل لتُرسّخ مواقع وتُحرّك تصورات وتُعيد تعريف ما يمكن قوله وما يجب السكوت عنه. وفي هذا المعنى، لا يمكن فهم بنكيران إلا باعتباره ظاهرة خطابية قبل أن يكون فاعلًا سياسيًا، ظاهرة تقوم على القدرة على الإمساك بخيوط متعددة في آن واحد: خيط التدين الشعبي الذي يمنحه شرعية أخلاقية، وخيط القرب من الناس الذي يمنحه حرارة جماهيرية، وخيط الاعتراف بالسقف السياسي الذي يضمن له الاستمرار داخل النظام، ثم خيط السخرية الذي يسمح له بتفكيك التوترات دون أن ينفجر بها، وكل ذلك ضمن توازن دقيق لا يبدو للوهلة الأولى محسوبًا، لكنه في العمق نتاج حسّ سياسي عالي يُدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط في اتخاذ القرار، بل في تفسيره، وفي تحديد من يتحمل معناه، ومن يُعفى من تبعاته. لقد شكّل بنكيران، في لحظة ما بعد الربيع العربي، إجابة مغربية خاصة على سؤال التغيير، لا بوصفه حامل مشروع ثوري، ولا بوصفه مدافعًا عن الوضع القائم كما هو، بل بوصفه وسيطًا بين الممكن والممنوع، بين ما يُقال في الشارع وما يُقبل في الدولة، بحيث بدا كمن يتقدم خطوة ويتراجع أخرى، لا لأن خطاه مترددة، بل لأن المجال نفسه مفخخ بتوازنات لا تسمح بالقفز، فيتحول التقدم إلى تفاوض دائم، ويصبح التراجع جزءًا من إدارة الاستمرار لا علامة على الهزيمة، وهنا تحديدًا تتشكل المفارقة التي ستلازم تجربته: خطاب مرتفع السقف في لحظة المعارضة، وسلوك محكوم بالسقف في لحظة السلطة، وبينهما فجوة لا تُردم بالحجج، بل تُدار بالكلام. ولعل ما يميز هذه الظاهرة أكثر من غيرها هو قدرتها على تحويل التناقض من أزمة إلى مادة خطابية، بحيث لا يُقدَّم التناقض باعتباره خللًا يجب إصلاحه، بل باعتباره واقعًا يجب فهمه، ثم التعايش معه، ثم إعادة صياغته بطريقة تجعله أقل حدة وأقل قابلية للانفجار، وهنا يظهر بنكيران لا كمن يحل الأزمات، بل كمن يُعيد توزيعها، لا كمن يواجه السؤال الأخلاقي مباشرة، بل كمن ينقله إلى مستوى آخر حيث يفقد حدّته الأولى، فيصبح النقاش حول “المبدأ” نقاشًا حول “الصلاحيات”، ويتحول “الالتزام” إلى “تقدير للمصلحة”، وتذوب الحدود بين ما قيل وما فُعل داخل لغة مرنة قادرة على استيعاب كل شيء دون أن تعترف صراحة بشيء. غير أن هذه القدرة نفسها، التي منحت بنكيران قوة في إدارة اللحظة، حملت في داخلها بذور محدوديتها، لأن الخطاب حين يصبح أداة لاحتواء التناقض بدل حله، فإنه يراكم مع الوقت مسافة بين القول والفعل، مسافة لا تُرى في البداية لأنها مغطاة بالكاريزما وبالقدرة على الإقناع اللحظي، لكنها تظهر تدريجيًا حين يبدأ الجمهور في إعادة قراءة ما قيل على ضوء ما حدث، وحين تتحول الثقة من شعور تلقائي إلى سؤال، ومن تسليم إلى مساءلة، وهنا يدخل الخطاب في اختبار لا يكفي فيه الذكاء البلاغي، بل يحتاج إلى انسجام يصعب الحفاظ عليه داخل شروط السياسة الواقعية. وفي قلب هذه الظاهرة، يبرز عنصر آخر لا يقل أهمية، وهو طريقة بنكيران في إدارة الآخرين داخل مجاله، حيث لا يترك للخصم أن يحتفظ بهيبته كاملة، ولا يسمح للحليف أن ينمو رمزيًا بعيدًا عن المركز، بل يعيد باستمرار ترتيب المواقع عبر السخرية أحيانًا، وعبر استدعاء البدايات أحيانًا أخرى، أو عبر إعادة تعريف الأدوار قبل الدخول في النقاش، بحيث يصبح التحكم في الصورة جزءًا من التحكم في الواقع، ويغدو الخطاب أداة لضبط المجال لا مجرد وسيلة للتواصل داخله، وهو ما يمنح حضوره قوة، لكنه يطرح في الآن نفسه سؤالًا حول كلفة هذه المركزية على المدى الطويل. ذلك أن القيادة التي تقوم على احتكار الرمزية قد تنجح في لحظة التعبئة، لكنها تواجه صعوبة في بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار دونها، لأن كل محاولة لنمو مستقل تُعاد إلى المركز، وكل بروز جديد يُقاس على المسافة من الزعيم لا على قيمته الذاتية، فيتحول التنظيم تدريجيًا إلى فضاء يدور حول شخص بدل أن يكون إطارًا يُنتج أشخاصًا، وهنا يظهر الوجه الآخر للظاهرة: قوة في الحضور، وضعف في الامتداد. ومع ذلك، فإن اختزال بنكيران في هذه المفارقة وحدها يظل تبسيطًا مخلًا، لأن الرجل كان أيضًا ابن سياق، وسياق المغرب في تلك المرحلة كان يفرض توازنات معقدة، حيث لا يمكن لأي فاعل سياسي أن يتحرك خارج محددات المؤسسة الملكية، ولا يمكن في الآن نفسه تجاهل مطالب الشارع التي انفجرت مع الربيع العربي، فكان على بنكيران أن يتحرك داخل مجال ضيق، يوسّعه بالكلام حينًا، ويضيّقه بالواقع حينًا آخر، في لعبة دقيقة بين الجرأة والحذر، بين التعبير والاحتواء، بين تمثيل الغضب وامتصاصه، وهي لعبة قد تُفسَّر أحيانًا كتناقض، لكنها في منظور آخر تعبير عن حدود الممكن داخل بنية سياسية محددة. من هنا، فإن دراسة بنكيران لا ينبغي أن تُختزل في الحكم عليه، بل في فهم ما يكشفه، لأن الظواهر السياسية لا تهمّ فقط بما تقوله عن أصحابها، بل بما تكشفه عن البنية التي أنتجتها، وبنكيران، في هذا المعنى، يكشف عن علاقة معقدة بين الخطاب والسلطة في المغرب، علاقة لا يُلغى فيها الخطاب، لكنه لا يُترك أيضًا ليحدد المسار، بل يُستخدم كوسيط، كأداة ترجمة، كمساحة تفاوض بين ما يُراد قوله وما يُسمح به، وبين ما يُنتظر من السياسة وما تستطيع تحقيقه فعليًا. وهكذا، يصبح السؤال الحقيقي الذي تفتحه هذه الظاهرة ليس: هل نجح بنكيران أم فشل؟ بل: كيف اشتغل الخطاب داخل تجربته؟ وكيف تحوّل من وعد إلى أداة إدارة؟ وكيف أمكن له أن يحمل التناقض دون أن ينفجر به، وأن يؤجل الأسئلة بدل أن يجيب عنها، وأن يعيد توزيع المعنى بدل أن يحسمه؟ وهي أسئلة لا تخص بنكيران وحده، بل تتجاوزها إلى فهم أوسع لكيفية اشتغال السياسة في سياقات مشابهة، حيث لا تكون المشكلة في غياب الخطاب، بل في قدرته على البقاء رغم انفصاله التدريجي عن الفعل. بهذا المعنى، فإن “بنكيران” ليس فقط اسمًا في سجل السياسة المغربية، بل هو عنوان لمرحلة، وصيغة خاصة لإدارة التوتر بين المبدأ والمصلحة، بين الأخلاق والسلطة، بين القول والفعل، صيغة قد تختلف حولها التقييمات، لكنها تظل جديرة بالفهم، لا لأنها استثناء مطلق، بل لأنها تكثيف ذكي لما هو أوسع منها، وما يزال مستمرًا بعدها.