عيد الأضحى.. بيناتكُم آبيضاوة…!

ع. الدامون

 

في واحدة من حملات التضامن المبهجة، قاطع المغاربة، شبه قاطبة، قبل سنوات، الماء المعدني والحليب والبنزين، في حملة لا يعرف أحد، حتى اليوم، كيف بدأت ولا كيف انتهت.

 

لكن الناس لم يقاطعوا هذه المواد بالطريقة المتعارف عليها، أي أن يتوقفوا عن استهلاكها بالمرة، بل كانوا يتركون نوعا من الحليب جانبا ويشترون نوعا آخر قربه، ويقاطعون مياه معدنية يبدأ اسمها بكلمة “سيدي..” ثم يشترون ماء معدنيا آخر يبدأ اسمه أيضا بكلمة “سيدي..”، ويملؤون سياراتهم بالبنزين من محطات معينة، ويتركون محطات أخرى تنش الذباب.

 

وفجأة.. انتهت أكبر مقاطعة وهمية في تاريخ المغرب الحديث من دون أن يدرك أحد مكاسبها، ولا أدرك أحد من دعا إليها ولا من طالب بوقفها. لكنها مقاطعة استثنائية في تاريخ البشرية لأنه بإمكانك أن تقاطع الحليب وتشربه كل صباح، وتقاطع المياه المعدنية ولا تتخلى عنها أبدا، وتقاطع البنزين من دون أن توقف سيارتك..!

 

في كل الأحوال فإن تلك “المقاطعة” لم تكن سيئة، فقد أشّرت إلى أن المغاربة يمكنهم، في وقت ما، أن ينفذوا حملة حقيقية للمقاطعة، خصوصا للمواد التي تفترس جيوبهم، على رأسها اللحم، لكن ذلك لم يحدث، ولن يحدث أبدا.

 

لسنوات طويلة اشتكى الناس من غلاء اللحوم حتى بُحّت أصواتهم، لكنهم لم يقاطعوها، وعوض ذلك قررت الدولة استيراد اللحوم من كل بقاع العالم، من الأرجنتين وأستراليا وإسبانيا ورومانيا وغيرها من أجل الدفع بأسعار اللحوم نحو الانخفاض، ولا نزال نتذكر تلك الجواميس البرازيلية الجامحة وهي تهرول تائهة في شوارع الرباط، فتحول المشهد إلى كوميديا سوداء.. سوداء جدا.. ولم نعد ندرك هل نحن في العاصمة المغربية الرباط أم في العاصمة الهندية نيودلهي..!

 

مباشرة بعد عمليات الاستيراد الضخمة للحوم الأجنبية ارتفعت أسعار اللحوم، ومعها تضخمت أرصدة الفراقشية بشكل غير مسبوق، وظل الناس يشترون اللحم ويشتكون، بينما الدولة تشبه اللادولة.. تتأمل ما يجري وكأنها تتسلى بمحنة شعب بكامله مع اللحم.

 

في كل هذا لم يفكر المغاربة في مقاطعة اللحوم، لكنهم لا يزالون مستمرين في الشكوى، وحتى عيد الأضحى الذي يعتبر مناسبة بلا مثيل ل”تبراد الغدايْد” في اللحوم، صار عقوبة جهنمية ضد الناس، وأصبح ثمن الكبش يساوي ثمن سيارة مستعملة، ومع ذلك لم يفكر أحد في قيادة حملة لمقاطعة أكباش العيد، حتى الشيوعيين المغاربة لم يفعلوا ذلك. فالكبش دين من لا دين له..!

 

في عيد الأضحى الماضي تنفس المغاربة الصعداء بعد القرار الملكي الذي أهاب بالمغاربة عدم ذبح الأضحية حفاظا على القطيع الوطني، لذلك استغل الكثير من الناس تلك المناسبة واشتروا أكباشا وذبحوها سرا بعيدا عن عيون المقدمين والقياد، وحتى بعد أعوان السلطة ذبحوا الأضحية سرا خوفا من عيون العمال والولاة.. وبعض العمال والولاة ذبحوا الأضحية علانية نيابة عن “شعوبهم”..!

 

الكبش لم يعد مجرد أضحية رمزية.. بل صار ديانة. هناك الإسلام بكامله على اليمين.. والكبش على اليسار..!

 

المثير في كل هذا أن أسعار البيض انخفضت بشكل كبير خلال الأسابيع القليلة الماضية، ليس بسبب قرار شعبي بالمقاطعة، بل فقط لأن “طبيبا” مصريا حذر الناس من استهلاكه، وللأسف فإن هذا “الطبيب” مات مؤخرا في ظروف غامضة، وكنا نتمنى لو يطول به العمر حتى يحذرنا يوما من خطر استهلاك اللحوم.

 

ونحن الآن على أعتاب عيد أضحى جديد، ها هم الناس يبكون ويولولون مجددا من الأسعار، بينما لا أحد يفكر في مقاطعة أكباش العيد، عيد يوافق هواه المعدة. أما الفراقشية الذين تسلموا مئات الملايير من الدولة لتعويضهم عن “عدم بيع” قطيعهم العام الماضي، فقد قرروا الانتقام هذا العام بجعل الأسعار أغلى بكثير من كل السنوات الماضية، بينما الدولة، تمارس هوايتها المفضلة بالاكتفاء بالتفرج.. وتطبق نظرية “بيناتْكم آبيضاوة”..!

 

المعادلة محيرة، فعلا، بين مجتمع مهووس باللحم ويحس بالإهانة لمجرد التفكير في مقاطعة اللحوم، ودولة تفرغ خزائن المال العام في جيوب الفراقشية الذين حصلوا بالقوة على “حكم ذاتي”، ودين لا نأخذ منه سوى القشور، وتديّن استعراضي ونفاق اجتماعي بلا حدود.

 

واقع مخز.. ومضحك.. لكنه ضحك كالبكا..!

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )