المساء اليوم - وكالات: تدفق آلاف المهاجرين من المغرب، برا وبحرا، نحو مدينة سبتة الخاضعة للاحتلال الإسباني، في ما وصفت بأكبر عملية عبور جماعي انطلاقا من المغرب منذ العام 2021، عندما وصل نحو 10 آلاف مهاجر في سياق أزمة دبلوماسية بين البلدين. وقد أثارت هذه الواقعة أزمة إنسانية وسياسية، وجدّدَت الجدل بشأن ظاهرة الهجرة غير النظامية إلى دول الاتحاد الأوربي والتحديات المرتبطة بها. ومساء الأربعاء الماضي أفادت وسائل إعلام إسبانية ومغربية، بأن نحو 1500 مهاجر مغربي تمكنوا من الوصول سباحة إلى مدينة سبتة خلال الأيام القليلة الماضية. غير أن الأزمة تفاقمت أمس الخميس، مع قيام حشود كبيرة من المهاجرين غالبيتهم من الشباب من الوصول سباحة أو سيرا على الأقدام إلى مدينة سبتة. وأفادت مصادر أمنية إسبانية بارتفاع الوفيات أثناء محاولة أعداد كبيرة من المهاجرين العبور من المغرب إلى سبتة لـ27 شخصا. أمام العبور الجماعي الكبير طلبت السلطات الإسبانية في مدينة سبتة -أمس الخميس- تدخل الجيش الإسباني لصد عبور آلاف الأشخاص الحدود دون تصاريح. كما أكدت وزارة الداخلية الإسبانية الخميس أنها ستنشر عناصر من القوات المسلحة لدعم الدرك في "الحفاظ على الأمن في مدينة سبتة". وعند مداخل سبتة، نشرت السلطات المغربية شاحنات مزودة بمدافع مياه وأبعدت الناس، ولم تصدر السلطات المغربية بعد أي بيان رسمي بشأن تدفق المهاجرين، غير أن مصدرا مغربيا رسميا قال إن البلدين أجريا مباحثات بشأن القضية. والمسافة بين الحدود المغربية ومدينة سبتة قريبة جدا، إذ تتراوح فيما بين شاطئ مدينة الفنيدق المغربية وأقرب نقطة حدودية بحرية لسبتة (رصيف تراخال) بين 2 و3 كيلومترات فقط. ونُقل عن وزارة الداخلية الإسبانية اليوم الجمعة إنه وفقا لتقديراتها، عبر نحو 49 ألف مهاجر إلى سبتة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، بعدما تدفقوابحرا وبرا من المغرب. فيما أفاد مصدر في الشرطة الإسبانية للوكالة الفرنسية اليوم الجمعة، أن نحو 40 ألف شخص خلال الأيام القليلة الماضية الحدود بين المغرب وسبتة. ويعيد تدفق المهاجرين التذكير بأزمة العام 2021 حين وصل أكثر من 10 آلاف مهاجر إلى سبتة قادمين من المغرب خلال يومين بالتزامن حينها مع أزمة دبلوماسية بين البلدين. ومع توافد هذا العدد الكبير من المهاجرين الذي وصفته إسبانيا بأنه أكبر أزمة منذ عام 2021 على الأقل، قال حاكم سبتة خوان خيسوس فيفاس في مقابلة بثها التلفزيون الإسباني الخميس: "نحن نواجه حالة طوارئ إنسانية واجتماعية". وحذّر فيفاس من أن استمرار تدفق المهاجرين بالمعدل الحالي قد يعيد مدينة سبتة إلى ظروف مماثلة لتلك التي عاشتها خلال أزمة ماي 2021، عندما شهدت تدفقا جماعيا غير مسبوق للمهاجرين. وقال حاكم سبتة إن مراكز الاستقبال مكتظة بالكامل بهم وغير قادرة على استقبال المزيد، ووفقا لإحصاءات نشرتها السلطات في مدينة سبتة -الأربعاء الماضي- فإن عدد الوافدين يتجاوز 200 شخص يوميا. ومن جهتها، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية -في بيان- أن عدة وزارات تنسق فيما بينها للاستجابة "بأقصى سرعة" للوضع الإنساني والأمني في سبتة. وقالت إنها ستضمن سلامة المواطنين وسلامة حدود البلاد، ولكن الحكومة لا تستطيع إعلان حالة الطوارئ الوطنية حسبما طالبت به سلطات مدينة سبتة، لافتة إلى أن التشريعات الخاصة بإعلان حالات الطوارئ الوطنية لا تعتبر تدفق المهاجرين خطرا على الأمن القومي. وأشارت إلى أن الحكومة عززت الموارد اللازمة "لضمان الأمن وضبط الهجرة، إضافة إلى توفير المساعدات الإنسانية بما يضمن عدم تعريض أي أرواح للخطر". وأعلنت وزارة الداخلية الإسبانية تفعيل إجراءات إعادة المهاجرين -الذين دخلوا مدينة سبتة بطريقة غير نظامية- في أقرب وقت ممكن، بعد مباحثات مع الحكومة المغربية. وقالت الوزارة -في بيان- إن إسبانيا والمغرب اتفقا على تعزيز التنسيق والجهود، ومراجعة وتطبيق الإجراءات الرامية إلى إعادة جميع الأشخاص الذين دخلوا سبتة بصورة غير قانونية في أقرب الآجال. وكشفت وجود تنسيق مع السلطات المغربية للحد من تدفق المهاجرين، مشيرة إلى أن قوات الأمن المغربية تمنع وصول أعداد كبيرة من الأشخاص تحاول العبور من المغرب إلى سبتة. ورغم تأكيد إسبانيا تعاون المغرب معها لحل الأزمة، انتقد زعيم الحزب الشعبي المعارض الإسباني ألبرتو نونيز فييخو تعامل الحكومة مع الأزمة، متحدثا عن "وضع لا يطاق" و"أزمة أمنية وطنية". وتوسعت تداعيات موجة عبور المهاجرين المغاربة نحو مدينة سبتة لتنتقل من أزمة هجرة إلى جدل سياسي أوروبي متصاعد، بعد دعوة إيطاليا إلى تعليق عضوية إسبانيا في منطقة "شنغن". وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إن الصور الواردة من سبتة غير مقبولة، مشددة على ضرورة وقف عمليات العبور "الخطرة" فورا. بدورها قالت رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية جورجا ميلوني إن بلادها مستعدة "للتدخل وفرض إجراءات استثنائية لحماية الحدود وسلامة المواطنين، بما في ذلك تعليق العمل باتفاقية شنغن مع إسبانيا". وطالب وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني الخميس بتعليق عضوية إسبانيا في منطقة "شنغن"، وهي نظام للحدود المفتوحة يضم 29 دولة أوروبية، ألغت رسميا إجراءات مراقبة الحدود عند معابرها المشتركة. وكتب وزير الخارجية الإيطالي على منصة "إكس": "أنا أؤيد إغلاق منطقة شنغن أمام إسبانيا. فالهجرة غير النظامية وغير المنضبطة تشكل خطرا على الأمن القومي". وأضاف: "الصور الواردة من سبتة تُظهر أن قرار حكومة مدريد منح الجنسية الإسبانية -وبالتالي الجنسية الأوروبية- لأكثر من 500 ألف مهاجر غير نظامي، قرار خاطئ تماما ويشجع على الاتجار بالبشر". من جانبه، دعا ماتيو سالفيني -نائب رئيس الوزراء الإيطالي وزعيم حزب "الرابطة" اليميني المتطرف- إلى تعليق العمل بمنطقة "شنغن". ورد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بأن تصريحات تاياني "غير مقبولة"، قائلا إن إسبانيا تتوقع من شريكتها "التضامن لا المزايدات السياسية الحزبية"، معلنا استدعاء السفير الإيطالي للاحتجاج على ذلك. إلى ذلك وصف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، ما وقع في سبتة بأنه "هجوم ضد السيادة الوطنية"، متعهدا باستخدام كل إمكانيات الدولة للدفاع عنها. وأشار إلى أن بلاده تتعاون مع المغرب لمحاربة منظمات التهريب، معبرا عن أسفه لسقوط عدد من الوفيات جراء الأزمة في سبتة. وشكر سانشيز، السلطات المغربية على استعدادها للتعاون بشأن إعادة المهاجرين. من جهته أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز الجمعة أن فرنسا ستشدد ضبط حدودها مع إسبانيا بعد تدفق آلاف المهاجرين غير النظاميين الى جيب سبتة الحدودي مع المغرب خلال الأيام الماضية. وكتب نونييز على منصة إكس "إزاء الوضع الذي تم رصده في سبتة، أصدرتُ منذ مساء أمس (الخميس) تعليمات لتعزيز عمليات التفتيش على الحدود الإسبانية دون إبطاء"، مشيرا الى أنه على تواصل مع نظيره الإسباني. في السياق ذاته، أعلنت فنلندا تأييدها طلب إيطاليا استبعاد إسبانيا من منطقة شنغن، متهمة مدريد بالفشل تماما في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن من التوغّلات. وقالت وزيرة الداخلية الفنلندية ماري رانتان في منشور على منصة إكس، إنه لا يمكن أن يستمر هذا الوضع، داعية كل الدول الأوروبية إلى دعم اقتراح "ميلوني". وأشارت إلى أن الدول التي لا تفي بالتزاماتها في حماية الحدود الخارجية، لا يمكنها أن تكون عضوا في شنغن. وتقع مدينة سبتة في أقصى شمالي المغرب، وقد تعاقب على احتلالها البرتغاليون عام 1415 ثم الإسبان عام 1580. وتحتل سبتة موقعا إستراتيجياً وتطل على البحر الأبيض المتوسط الذي يحيط بها من 3 جهات (شمالا وشرقا وجنوبا)، ويقابلها في الضفة الأخرى مضيق جبل طارق. وتبلغ مساحتها حوالي 19 كيلومترا مربعا، وتبعد عن أقرب نقطة على الساحل الجنوبي لإسبانيا 26 كيلومترا. وتخضع سبتة الموجودة على الأراضي المغربية للحكم الإسباني، في حين تعتبرها الرباط جزءا من أراضيها وتطالب باسترجاعها. وتحيط بالمدينة أسوار حدودية، إلا أن عددا من المهاجرين غير النظاميين يلجؤون إلى محاولة الوصول إليها سباحة عبر البحر المتوسط. وبحسب وزارة الداخلية الإسبانية، لم تشهد سبتة وصول أي مهاجر غير نظامي عبر البحر حتى 15 يوليوز الجاري، فيما لم يصل إليها سوى أربعة أشخاص في عام 2025، و28 شخصا في عام 2024. ويأتي هذا التدفق الكبير للمهاجرين وأغلبهم من المغرب في ظل أوضاع اقتصادية صعبة يعاني منها جزء من الشباب المغربي. وأعلن المغرب -في فبراير الماضي- أن معدل البطالة في البلاد بلغ 13% خلال عام 2025. وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي قد أفاد -في ماي 2024- بأن نحو 1.5 مليون من الشباب والشابات -الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما- خارج سوق العمل، في حين يبلغ عدد سكان المملكة نحو 36.8 مليون نسمة.