عبد الله الدامون في الوقت الذي بدأت الاستعدادات على قدم وساق للانتخابات التشريعية في المغرب المقررة نهاية سبتمبر المقبل، فإننا نبدو لامبالين بانتخابات على قدر كبير من الأهمية مقررة العام المقبل في جارتنا إسبانيا، وهي انتخابات تهمنا كثيرا.. بل كثيرا جدا. منذ زمن طويل، لا شيء يحدث في إسبانيا لا يهم المغرب، ولا شيء في المغرب لا يهم إسبانيا، لذلك من الطبيعي أن تظهر باستمرار استطلاعات رأي في إسبانيا تعتبر المغرب "الخطر الداهم الأول"، وهذا في الغالب نتيجة تراكمات تاريخية موغلة في الزمن وملأى بخليط من الأحقاد والأفكار النمطية. اليوم، لا يبدو التاريخ بعيدا جدا عن الحاضر، فاليمين الإسباني التقليدي واليمين المتطرف عادة ما يستخدم ورقة المغرب، وعلى رأسها قضية الهجرة والصحراء وسبتة ومليلية، لكي ينفخ مزامير العداء، وهو ما تأجج في الأشهر الأخيرة. زعيم اليمين المتطرف "فوكس"، سانتياغو أباسكال، يفرك يديه فرحا منذ الآن بنتائج غير مسبوقة سيحصل عليها حزبه في الانتخابات المقبلة. وحتى نفهم طريقة تفكير هذا الرجل، فإنه، منذ خطابه الأول كزعيم للحزب، قال في معقله ببلاد الباسك إن هذه المنطقة كانت النقطة التي انطلقت منها "حروب الاسترداد" ضد المسلمين زمن الأندلس. وهذا يعكس طريقة تفكير حزب لا يزال يعيش على تاريخ انقضى منذ قرون، ويستحضر أحقاد الماضي لتأجيج مشاعر الحاضر. وبعد أن اكتسح اليمين الانتخابات المحلية والجهوية في كل مناطق إسبانيا تقريبا، فإن استطلاعات الرأي الحالية تقول إن اليمين واصل لا محالة إلى حكم إسبانيا، لكن من الصعب أن يحكم الحزب الشعبي لوحده من دون التحالف مع اليمين المتطرف، كما يستحيل على اليمين المتطرف الإمساك بزمام الحكم منفردا، لذلك يبدو التحالف بينهما مسألة وجودية. وفي كل الأحوال فإن المغرب يوجد في قلب المعادلة الانتخابية بإسبانيا، واليمين بشقيه، التقليدي والمتطرف، يهدد منذ الآن بأن المغرب سيكون عدوه المفضل، كما كان دائما، سواء تعلق الأمر بقضية الصحراء أو بمسألة المهاجرين أو سبتة ومليلية أو بقضايا أخرى. تاريخيا، أو على الأقل خلال العقود الخمسة الأخيرة، كانت أفضل العلاقات بين البلدين في زمن الاشتراكيين الإسبان، من زمن فليبي غونزاليس وحتى اليوم، رغم بعض التفاوتات في المواقف وتغير في الظرفيات. ويتذكر المغاربة، أن أكثر المراحل حلكة في العلاقة مع مدريد كانت زمن اليمين، خصوصا زمن رئيس حكومة اسمه خوسي ماريا أثنار، بطل كوميديا "جزيرة المعدنوس"، أو كما تسمى شعبيا "جزيرة ليلى"، حين ارتدى الرجل هندام دون كيشوت ديلا مانتشا، المحارب الخرافي المعتوه، وحوّل صخرة على مرمى حجر من شواطئ المغرب إلى قضية حياة أو موت، وأرسل مروحيات وجنود لغزو صخرة يرعى فوقها الماعز. هذا الرجل، أي أثنار، لا يزال فاعلا قويا في الحزب الشعبي، ولو من وراء ستار، ولا يزال يرسم الخطط لحزبه بنفس العقلية التي تصرّف بها أيام كان رئيسا للحكومة، وهذا يعني أن شهية اليمين الإسباني نحو المغرب لا تزال مفتوحة. وقبل بضعة أيام نشر أثنار مقالا مطولا على صحيفة "ABC" اليمينية يحتفي فيه بمرور 30 عاما على حصوله على الأغلبية المطلقة سنة 1996، وبشّر بأن أغلبية مطلقة أخرى قادمة في انتخابات العام المقبل. وفي كل مرة يدلي فيها أثنار بحوار صحفي يتهم حكومة بيدرو سانشيز الاشتراكية ب"الاستسلام للمغرب" في موضوع الحكم الذاتي"، مع أن اليمين الإسباني ترتعد فرائصه من كل محاولة انفصالية ومتحمس جدا لنظام الحكم الذاتي الممنوح لكل جهات إسبانيا، لكنه لا يريده في الصحراء المغربية..! أمام هذه الشهية المرضية، قد يبدو مثيرا أن الأحزاب المغربية التي تتعارك اليوم على التزكيات والمقاعد، تبدو غير مبالية تماما بما يُرسم في الجارة الشمالية، فما يهمها هو الهوس المرضي بترؤس ما يسمى "حكومة المونديال"، وهو مونديال تم الإعلان عنه زمن الحكومة الاشتراكية الإسبانية، لكن على الأرجح سيتم تنظيمه في وقت سيكون اليمين الإسباني هو الحاكم الجديد في قصر لامونكلوا، إلا في حال حدوث مفاجأة مدوية. الحكومة المغربية المقبلة، بصلاحياتها الحقيقية والمفترضة، يجب أن تكون استثنائية بكل ما في الكلمة من معنى، ليس بسبب مونديال 2030، بل لأنه يرتقب أن تتعامل مع جار سيميل بقوة نحو الاستفزاز والمناوشة، لينضاف إلى جارتنا الشرقية الغارقة في أوهام محنّطة، لذلك لا معنى في الاستمرار في إيصال أشخاص جهلة وأميين إلى البرلمان، ولا فائدة من تعيين وزراء لا ينظرون إلى أبعد من أنوفهم، ولا معنى لتحويل الانتخابات إلى مجرد بهرجة بلا معنى نفقد فيها الكثير من المال والجهد لإنتاج برلمان ينتظر الأوامر والتوجيهات. اليمين الإسباني الذي ينام على أوهام الماضي، يجب أن يواجهه المغرب بعقلية المستقبل، وأكثر ما يزعج اليمين الإسباني هو أن يرى جاره الجنوبي متقدما ومتطورا ويسير قدما إلى الأمام بكثير من العزيمة والثبات، وهذا ما لن يتحقق إذا استمرت الانتخابات والحكومات عندنا مجرد تجمع بروتوكولي لبرلمانيين ووزراء ومستشارين ينطبق عليهم وصف "ما عاف السبع"، ويتهافتون على المصالح والفتات. لذلك، من الطبيعي أن نطالع في صحف اليمين انزعاجا كبيرا من مشاريع المغرب الاقتصادية، بدءا بمصانع السيارات وقطع غيار الطائرات، مرورا بالانتعاش السياحي وتطور البنية التحتية، لذلك كلما أقام المغرب مشروعا اقتصاديا كبيرا، يتصرف اليمين الإسباني وإعلامه وكأن المغرب يقيم قواعد عسكرية وينصب صواريخ على تخوم سبتة ومليلية..! على أية حال، ومهما كانت نتائج الانتخابات، سواء في إسبانيا أو جزر الوقواق، فإنه لا بد أن ندرك أنه آن الأوان لكي "ننتج" برلمانا محترما بعيدا عن قانون "الكوتا" الحزبية العجيبة أو المناصفة النسائية التي أوصلت الكثير من قريبات ومحظيات زعماء الأحزاب إلى مجلس النواب، ولا بد من استخدام غربال دقيق نعزل به النخالة عن الطحين، فقد تعبنا من "السيرك"، كما وصفه يوما الملك الراحل الحسن الثاني. والمستقبل لن يرحم تخاذلنا.