المساء اليوم:
لم تتحقق مخاوف الإسبان بشأن قيام المغرب باحتفال استثنائي في الذكرى المائوية لمعركة “أنوال”، حيث مرت الذكرى، كالعادة، باحتشام كبير في وسائل الإعلام المغربية، سواء منها الرسمية أو التي تسمى “مستقلة”.
وكانت وسائل إعلام إسبانية طرحت قبل أيام تكهنات من احتمال تخليد المغرب لاحتفال استثنائي لمائوية هذه المعركة، التي حقق فيها المغاربة انتصارا ساحقا على القوة الاستعمارية الإسبانية، حيث قتل ما يزيد عن 12 ألف عسكري إسباني ما بين جندي وضابط وجنرال.
وفي ظل التوتر الدبلوماسي القائم بين المغرب وإسبانيا منذ بضعة أشهر، خمنت وسائل إعلام إسبانية إمكانية مرور هذه الذكرى في المغرب بطريقة متوترة، قد تدفع إلى عملية اقتحام لمدينة مليلية المحتلة، على الطريقة نفسها التي جرت فيها الأحداث منتصف ماي الماضي، حين اقتحم المئات من المغاربة السياج الحدودي مع سبتة، وتسببوا في واحدة من أقوى لحظات التوتر بين الرباط ومدريد.
غير أن الذكرى المائية لمعركة أنوال مرت في هدوء، باستثناء قيام حوالي 300 شخص من مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء باقتحام السياج الحدودي لمليلية واقتحامها، وهو حادث سبق أن عاشته المدينة مرات عديدة من قبل.
وجرت معركة أنوال في 22 يوليوز 1921، حين كان المغاربة حديثي عهد بالاستعمار، وكانت فاصلا في التاريخ، حين اعتبرت أقسى هزيمة في تاريخ قوى أوربية خارج القارة العجوز، وفقدت إسبانيا خلالها عددا قياسيا من جنودها من مختلف الرتب.
وكان بإمكان معركة “أنوال” أن تُنهي الاستعمار الإسباني والفرنسي بالمغرب مبكرا، غير أن تحالف إسبانيا مع فرنسا وقوى استعمارية أخرى جعل الانتصار يتحول إلى نكسة بضع سنوات بعد ذلك.
ويصف المؤرخون نتائج تلك المعركة بكونها واحدة من الانتصارات الساحقة والمطلقة التي حققها مقاومون مسلحون بطريقة بدائية على جيش نظامي مدجج بمختلف أنواع الأسلحة، إلى درجة أن إسبانيا فقدت خيرة جنرالاتها وجنودها، وبدت المعركة وكأنها نسخة ثانية من معركة “وادي المخازن” التي غير فيها المغرب وجه العالم، لكنها بدت، أيضا، نسخة مكررة من أخطاء ما بعد معركة “وادي المخازن”.
وبعد الانتصار الحاسم في معركة «أنوال» كان من المرتقب أن يزحف المقاتلون المغاربة نحو مدينة مليلية، التي كانت محتلة منذ سنة 1497 من طرف إسبانيا، ولم تتكرر فرصة في التاريخ لتحرير مليلية مثل تلك التي تلت معركة «أنوال»، لكن المنتصرين كان لهم رأي آخر.
ويقول مؤرخون إن بن عبد الكريم تخوف من أن يعمد مقاتلوه إلى سلب ونهب المدينة والانتقام من المدنيين، وهو رأي تبين خطؤه لاحقا، حيث أن الإسبان المهزومين عادوا إلى مليلية بعد الهزيمة وتحصنوا بها، وتحالفوا مع فرنسا، المستعمر الأول للمغرب، ومع الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضا مع ألمانيا التي كانت تصنع غاز الخردل بشكل مكثف، وحولوا حياة سكان شمال المغرب إلى جحيم حقيقي، وسقط عشرات الآلاف من السكان صرعى من جراء أسلحة كيماوية فتاكة، واستمر القصف لسنوات من الحدود الشرقية للريف حتى حدود طنجة، التي لم ينقذها من الأسلحة الكيماوية سوى وضعها الدولي.
وبعد أربع سنوات من الانتصار الباهر في «أنوال»، استسلم المنتصرون بعد أن صاروا على حافة الإبادة بالأسلحة الكيماوية، وتم نفي بن عبد الكريم الخطابي، وتحول الانتصار الباهر إلى نكسة كبيرة، وعانت المنطقة من مجاعة رهيبة سنوات الثلاثينيات والأربعينيات، لأن الأرض ماتت بسبب الغازات وهاجر عدد كبير من السكان نحو كل بقاع الأرض.

