العيد الكبير: حديث في المعنى

سميرة مغداد

اطلعت على فيديو لمؤثر مغربي معروف عن معنى ومغزى الأضحية والنحر، والذي اعتبر فيه بأننا ابتعدنا كثيرا عن المعنى الحقيقي للنحر والاحتفال بالأضحية التي لم يقل فيها الله بأن نتباهى بها ونشتري أغلاها وأضخمها ونتفاخر بها، بل هي تعني فك التعلق بمن نحب أكثر في الحياة في إحالة عن علاقة قصة سيدنا إبراهيم مع ابنه إسماعيل، أي اختبار علاقتنا بالخالق بعيدا عن الخلق مهما قرب منا، وتثمينها بالتضحية والنحر تقربا أكثر إلى الباري سبحانه، أو كما قال “نحن ننحر الوحش الذي يسكن فينا كالحقد والجشع والشر والطمع”.. وهو تحليل صائب وقراءة معقولة لما اضحينا عليه.

الحقيقة أن التأمل في ورش العيد الكبير الذي عايشناه منذ الطفولة يلحظ أننا في يوم النحر كان استثنائيا بكل المعايير تسود فيه حركة غير اعتيادية، تتسارع فيه دقات قلوبنا الصغيرة لإعداد الأضحية وتوديع الخروف خاصة وأننا نكون ربطنا معه علاقة ودية، وكيف نعده ونضع عليه بعض الحناء ونجتمع لرؤية عملية النحر. وهناك طبعا من كان يختفي لحظة الذبح. وحين ينتهي الأب من قراءة البسملة والتكبير ثم الذبح نحوم حوله جميعنا ونسقي الماء وننظف آثار الدماء الحمراء الفاقعة. نساعد في السلخ وتنظيف الكرش التي تعد الوجبة الأساسية”لعلاوة ” اليوم الأول بعد شيّ الكبد والطحال. ولعل ألذ ما آكل في العيد بعد الذبح الطحال الذي نحشوه مباشرة بالتوابل والبصل والثوم ونشويه ونقتسم قطعه الصغيرة فيما بيننا.

 

كان اليوم يمضي شاقا. نغسل المصارين والكرش والرأس ونصبّن الهيدورة في التحام جماعي تام فيه تعب كبير، لكنه بمذاق لذيذ. آخر المساء وكأننا نتخلص جميعنا من مشاعر سلبية متراكمة طيلة العام .

العيد وطقوسه فعل جماعي فيه إشراك وتقاسم مع الجميع. وحتى الجيران كانوا يأتون للمساعدة في الذبح أو تقطيع اللحم، فتشعر أن الكل يساعد الكل ولكل منا نصيبه من الناتج اللحمي. حتى الأطفال الذين ينتظرون قطع اللحم الصغيرة لإعداد “عشّاااوة” التي كانت مبتغى كل أطفال المرحلة، أضف التفكير في الآخرين واقتسام لحم العيد معهم. وطبعا لطعم العيد نكهة خاصة جدا ولذته لاتضاهى.

في العيد تفريغ فعلي للطاقة السلبية والاستمتاع بالطيبات وتذكير بالعبادات التي تقربك إلى الله وتعبد الطريق إليه ذات لقاء، طبعا هذا الأمر يعني المسلمين المؤمنين الذين يحرصون على احتفالية العيد الكبير الذي يشعرهم بالله وعظمته ويتطلعون معه لرحلة ممتعة نحوه لتحقيق أمنيات يحملها القلب. لكن انفجار عالم “السوشل ميديا” اليوم واختلاط الحابل بالنابل والفيديوهات والصور التي تحيد عن المعنى والمغزى وتجعل من عيد الأضحى فرصة للغو والبلبلة والمتاجرة الرخيصة، تسائلنا عن مستقبل هذه الشعيرة الدينية التي من المفترض أن تعزز قيم المحبة والتآزر الاجتماعي وتقوي الإيمان ومعاني التضحية في زمن الأنا المتضخمة والنرجسية المريضة.

 

في زمن أنا ثم أنا ثم أنا نحن الذين ابتعدنا كثيرا عن طريق الله المؤدي للسكينة والاطمئنان، وهو في الواقع نفس الطريق نحو نفسك التي يتجلى فيها شيء من الله. كلنا نمثل الله فينا بصفاته وتجلياته. الله يتجلى فينا ويعطينا منه ويزكي آدميتنا وينتصر للخير. حين نعرف طريق الله نقبض على ماهية أنفسنا ونطوعها لتكون نفسا مطمئنة تزرع بذور الخير وتمد يدها للجميع وتسعد لسعادة الآخرين، فتسموا عن صغائر الأمور وتفتح ذراع المحبة للجميع، بعيدا عن لوثة الأنا التي تفشت فينا حد التفاهة واللامعنى.

لذا، العيد الكبير أتى وسيأتي ليذكرنا بالمعنى وبأننا عابرو سبيل فقط، وأن الله مولانا وإليه الرجعى، فلا داعي لذاك التهافت والتفاخر وتقديس اللحم وملء البطنة التي تذهب الفطنة. الحكمة في النحر مشاركة وزيعته بين الجميع وبصم يوم عظيم عند الله كفسحة من رب العالمين للرحمة والمغفرة وتعبيد طريقنا نحو لقائه بأقل الذنوب الممكنة. ومن أجمل الدعوات عندنا “الله يزيّن ملقانا مع الله”.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )