تحولات الجامعة المغربية بين القانون 01.00 والقانون 59.24: هل نحن أمام طفرة أم إعادة تشكيل وظيفي؟!

تحولات الجامعة المغربية بين القانون 01.00 والقانون 59.24: هل نحن أمام طفرة أم إعادة تشكيل وظيفي؟!

د. مصطفى الغاشي

عرفت الجامعة المغربية منذ الاستقلال 1956 دينامية إصلاحية متواصلة، ارتبطت عامة بتحولات الدولة والمجتمع. وقد شكل صدور القانون 01.00 سنة 2000، لحظة مفصلية في تاريخ التعليم العالي المغربي، حيث سعى إلى ترسيخ استقلالية الجامعة وتحديث هياكلها. غير أن التحولات العالمية التي غطت اكثر من عقدين من الزمن خاصة صعود اقتصاد المعرفة، فرضت مراجعة ساملة لهذا الإطار، ما أفضى إلى صدور القانون 59.24. الذي تمت المصادقة عليه مؤخرا وصدر في الجريدة الرسمية عدد 7485، بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.04 الصادر في 11 فبراير 2026.

 

تسعى هذه المقالة الى النقاش العام بالتعليم العالي حول هذا القانون وما اثاره من جدل في اوساط الجامعيين. وبناء على ذلك تطرح هذه المقالة الإشكالية التالية:
هل يمثل الانتقال من القانون 01.00 إلى القانون 59.24 طفرة نوعية في مسار الجامعة المغربية، أم مجرد تحول وظيفي ضمن استمرارية بنيوية؟

 

ويمكن ان تتفرع عن هذه الإشكالية الأسئلة أخرى ليست اقل أهمية من الاولى:
– ما طبيعة التحول في فلسفة الجامعة؟
– هل عزز القانون الجديد استقلالية المؤسسة الجامعية؟
– ما حدود التحول في الحكامة والتدبير والبحث العلمي؟
– إلى أي مدى يمكن الحديث عن طفرة حقيقية؟
أولا: السياق التاريخي والإصلاحي للقانون 01.00.
1. في خلفيات الإصلاح: جاء القانون 01.00 في سياق:
اولا، التناوب السياسي أواخر التسعينيات، وبالتالي فهو يدخل ضمن الإصلاحات الكبرى التي شهدتها المغرب منذ فترة التناوب.
ثانيا، إصلاح وتحديث الإدارة العمومية، حيث ظهرت رغبة قوية لدى الدولة لإدخال تغييرات مهمة في هياكل وبنيات الإدارة العمومية.

ثالثا، تنامي الطلب الاجتماعي على التعليم والتعليم العالي الذي أصبح يستقبل افواجا كبيرة من فئات المجتمع الراغبة في التعلم. دون ان ننسى توصيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999). الذي كان بمثابة الانطلاقة الأساسية لإصلاح التعليم.
2. في مرتكزات القانون، قام القانون 00 01 على عدة مبادئ أساسية:

الاول، استقلالية الجامعة (الإدارية والبيداغوجية)
ثانيا، الديمقراطية التمثيلية داخل المجالس
ثالثا، تنوع العرض التكويني بالجامعات
رابعا، الانفتاح على المحيط الاقتصادي
وقد اعتبرت هذه العناصر في تلك المرحلة بمثابة “ثورة” في الجامعات العمومية المغربية!!
3. في حدود التجربة: الا أنه وبالرغم من هذا الطموح، واجه القانون عدة إكراهات نخلصها في التالي:
اولا، اشكالية ضعف التمويل
ثانيا، تضخم أعداد الطلبة مما أدى الى الاكتظاظ خاصة في المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح.
ثالثا، محدودية البحث العلمي، حيث تقلص البحث يشكل ملحوظ في الفرق والمختبرات وتراجع الإنتاج العلمي بصفة عامة.
رابعا، معضلة بيروقراطية التدبير، خاصة مع تعقد المساطر والإجراءات الادارية والقانونية.

ثانيا: القانون 59.24 وسياقات إعادة الهيكلة،
1. سياقات الإصدار، جاء صدور القانون الجديد في سياق:
اولا، تفعيل توصيات النموذج التنموي الجديد للمغرب كرؤية إستراتيجية للفترة 2021-2035، (ماي 2021).
ثاتيا، التحولات الرقمية، التي صارت تفرض نفسها بحدة في كل المجالات وفي التعليم العالي على وجه خصوصا.
ثالثا، ضغط البطالة في صفوف الخريجين، والتي تزيد من تعقيدات التشغيل كأحد اهم قضايا التكوين في علاقته بسوق الشغل.
رابعا، تصاعد المنافسة الدولية، حيث يجد المغرب نفسه فاقدا لعناصر القوة لمواجهة التحديات الاقتصادية الدولية.
2. في مرتكزات الإصلاح الجديد، يقوم القانون 59.24 على:
اولا، ربط الجامعة بـ سوق الشغل، كاولوية في التكوين.
ثاتيا، تعزيز الحكامة الاستراتيجية، من خلال الانخراط في المشاريع الاستراتيجية الوطنية.
ثالثا، إدماج القطاع الخاص، وجعله شريكا وطنيا في المشاريع الوطنية العمومية.
رابعا، تطوير البحث العلمي التطبيقي، لجعل الخريجين قادرين على الاندماج في سوق الشغل الوطني.
3.في أدوات التغيير والإصلاح. من أجل تحقيق الإقلاع الوطني في ظل القانون الجديد، وضع المغرب الآليات التالية:
اولا، إحداث مجلس الأمناء (المجلس الاداري) الذي أثار جدلا كبيرا في عملية اختيار أعضاءه وتعيينهم وهو ما يمكن أن يعرف بالاستقلالية والديموقراطية.
ثانيا، اعتماد التعاقد والتمويل المشروط، في كل متطلبات الجامعات المالية.
ثالثا، تعزيز الشراكات الدولية، كمطلب أساسي لتحقيق إمكانية المنافسة الدولية.
رابعا، إدخال مسارات تكوينية مرنة. بما يقتضيه الوقت ومتطلبات سوق الشغل.

ثالثا: التحول في مفهوم وفلسفة الجامعة، مقارنة بين القانونين، وملاحظات في هذا الإطار أننا ننتقل:
1. من الجامعة-الرسالة إلى الجامعة-الأداة، ففي القانون 01.00: الجامعة فضاء لإنتاج المعرفة والنقد. اما في القانون 59.24: الجامعة أداة لإنتاج الكفاءات وربطها بالاقتصاد. وتعتبر هذه المسألة جوهرية في الإشكالية.
2. أثار هذا التحول، يتمظهر ذلك في:
اولا، تراجع البعد الإنساني لصالح البعد التقني.
ثانيا، إعادة ترتيب الأولويات البحثية من بحث أساسي إلى بحث تحت الطلب.
ثالثا، صعود التخصصات التطبيقية خاصة في المجالات العلمية والتكنولوجية والذكاء الاصطناعي.
رابعا: الحكامة الجامعية بين الديمقراطية والتدبير الاستراتيجي، من الملاحظ انه:
1. في القانون 01.00 مجالس منتخبة بمشاركة الأساتذة والطلبة ولها طابع تشاركي.
2. في القانون 59.24، الهيئات الاستراتيجية يتم تعيينها مع حضور فاعلين اقتصاديين ويشترط منطق النجاعة والنتائج الايجابية.
3. في التحليل النقدي، يطرح هذا التحول إشكالية جوهرية:
اولا، تراجع الديمقراطية الجامعية،التعيين بدل الانتخاب.
ثانيا، صعود “تقنوقراطية التعليم”، أي تدبير تقني بعيد عن المعرفة.
خامسا: معضلة البحث العلمي بين الطموح والواقع، إذ نلاحظ في هذا الصدد:
1. ازمة البحث العلمي، حيث يعاني من:
اولا. ضعف التمويل (أقل من 1% من الناتج الداخلي)
ثانيا، محدودية الإنتاج العلمي، حيث لازال لايرقى إلى الطموحات الوطنية.
ثالثا، هجرة الكفاءات نحو الخارج. هو النزيف الذي يظل غائبا عن أي نقاش عمومي جاد.
2. ما هي رهانات القانون الجديد؟ تتحدد أهداف القانون 24 . 59 في :
اولا، ربط البحث العلمي بالابتكار، وهذه المسألة لا زالت تراوح مكانها في كل الجامعات العمومية.
ثانيا، تشجيع الشراكة مع المقاولات، فبقدر ما تتردد المقاولات في ذلك بقدر ما تتباطأ الجامعات في السعي لتحقيق ذلك.
ثالثا، تسويق المعرفة، حيث تكاد تنعدم وسائل تسويق لمنتوجنا العلمي والمعرفي.
3. في حدود الرؤية. تواجه هذا التصور، أي القانون 24- 59
اولا، خطر تهميش البحث الأساسي خاصة المعرفي منه.
ثانيا، اختزال المعرفة في بعدها الاقتصادي المادي والتقني.
سادسا: الجامعة وسوق الشغل. اية علاقة؟
1. أزمة ومعضلة الملاءمة. تعاني الجامعة المغربية من:
اولا، بطالة الخريجين. ذلك أن سوق الشغل لا زال بعيدا عن استيعاب اعداد الخريجين.
ثانيا، ضعف المهارات التطبيقية، وتغليب النظري على التطبيقي.
2. ما الحلول في القانون الجديد؟
اولا، خلق مسارات مهنية تزاوج ببن النظري والتطبيقي وتستجيب لمتطلبات سوق الشغل.
ثانيا، خلق تكوينات قصيرة، التي يستطيع الطلاب م خلالها الاندماج في سوق الشغل.
ثالثا، ابرام شراكات مع القطاع الخاص.
3. تقييم نقدي، رغم أهمية هذه الإجراءات:
اولا، لا يمكن تحميل الجامعة وحدها مسؤولية البطالة
ثانيا، الإشكال مرتبط ببنية الاقتصاد الوطني عموما والذي لا زال غير قادر على خلق مناصب الشغل.
سابعا: هل نحن أمام طفرة؟ أم تحول وظيفي فقط؟
1. ما هي مؤشرات الطفرة؟
اولا، تحديث الإطار القانوني، وهذا شيء إيجابي.
ثانيا، إدماج الاقتصاد، إذ يجب أن تكون الجامعة مندمجة في الإقتصاد الوطني.
ثالثا، تطوير الحكامة، واليات التدبير الجيد.
2. في حدود الطفرة وقصورها؟
اولا، استمرار الاكتظاظ خاصة في المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح.
ثاتيا، ضعف التمويل، إذ تظل الميزانيات المرصودة غير قادرة على تحقيق الطفرة.
ثالثا، غياب تقييم شامل للإصلاح السابق ( القانون 01.00 )
3. في الاستنتاج، فيما يخص هذا التحول:

نستنتج مما سبق اننا أمام دإعادة تشكيل وظيفي أكثر منه طفرة بنيوية! وهو ما يستدعي التفكير من الان في التعديلات المستقبلية على القانون 24- 59، لتحقيق إصلاح جذري في الجامعة المغربية.

تكشف المقارنة بين القانونين عن انتقال نوعي في تصور وفلسفة الجامعة، من مؤسسة معرفية إلى فاعل اقتصادي. غير أن هذا التحول، رغم أهميته، لا يرقى إلى مستوى الطفرة الشاملة، بسبب استمرار الإشكالات البنيوية. وعليه، فإن نجاح الإصلاح الجديد رهين بـ:
اولا، تعزيز التمويل.
ثانيا، الحفاظ على استقلالية الجامعة.
ثالثا، تحقيق التوازن بين المعرفة والسوق.

للتوسع أكثر نقدم لائحة بيبلوغرافية بغرض الإفادة
– وزارة التربية الوطنية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، 1999.
– القانون رقم 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي، الجريدة الرسمية، 2000.
– المجلس الأعلى للتربية والتكوين، الرؤية الاستراتيجية 2015-2030.
– تقرير النموذج التنموي الجديد، 2021.
– مشروع القانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي، 2025.
– البنك الدولي، تقرير التعليم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، 2020.
– UNESCO, Higher Education Report, 2021.
OCDE, Education at a Glance, 2022.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )