حمزة الوكولي "راهم خرجو قدامنا هزين لوان علمنا"... عبارة تحولت في الأيام الأخيرة إلى عنوان للفخر والاعتزاز، وإلى نشيد يردده المغاربة في كل مكان وهم يتابعون ملحمة كروية جديدة يكتبها أسود الأطلس في كأس العالم 2026. وبين الأداء الراقي والنتائج المقنعة، جاء الانتصار العريض على المنتخب الكندي ليؤكد مرة أخرى أن كرة القدم المغربية لم تعد مجرد ضيف شرف في المحافل الكبرى، بل أصبحت رقما صعبا وقوة عالمية يحسب لها ألف حساب. في خضم هذه الفرحة الوطنية الجارفة، يعود بي الزمن إلى شهر شتنبر من سنة 2025. كنت أجلس في مقهى باريس بمدينة طنجة أحتسي فنجان قهوة في مساء عادي، قبل أن يتحول ذلك المساء إلى لحظة اكتشاف حقيقية. وبمحض الصدفة وقدرة قادر، تابعت مباراة المنتخب المغربي للشباب أمام المنتخب الإسباني. يومها لم أكن أشاهد مجرد مباراة لكرة القدم، بل كنت أراقب مدربا يشتغل بعقلية مختلفة ورؤية استثنائية. منذ الدقائق الأولى شد انتباهي ذلك الرجل الهادئ على دكة البدلاء. لم يكن أسيرا لخطة واحدة أو أسلوب جامد، بل كان يغير تموضع اللاعبين، ويقرأ مجريات اللقاء، ويتفاعل مع كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة. كان واضحا أن محمد وهبي لا يؤمن بكرة القدم التقليدية التي تعتمد على الحلول المكررة، بل يمتلك قدرة نادرة على التكيف مع الخصوم وابتكار الحلول المناسبة لكل مباراة. ومنذ ذلك اليوم، وجدت نفسي مضطرا لمتابعة جميع مباريات المنتخب المغربي للشباب. مباراة بعد أخرى، ودورة بعد أخرى، كان الإعجاب يتحول إلى يقين. رأيت منتخبا يعرف ماذا يريد، ويملك شخصية قوية، ويؤمن بقدراته حتى أمام أكبر المدارس الكروية في العالم. ورأيت مدربا يبني فريقا متكاملا، لا يعتمد على الأسماء فقط، بل على العمل الجماعي والانضباط التكتيكي والذكاء في إدارة المباريات. ومع توالي الإنجازات، تحقق ما اعتبره الكثيرون مستحيلا، حين نجح محمد وهبي في قيادة الأشبال نحو التتويج العالمي، مؤكدا أن المغرب أصبح مدرسة كروية قائمة بذاتها، قادرة على منافسة أعتى المنتخبات وإسقاط أكبر القوى التقليدية. وعندما تم الإعلان عن تعيين محمد وهبي مدربا للمنتخب الوطني الأول خلفا لوليد الركراكي، قلت لعدد من الأصدقاء والمعارف دون تردد إن هذا الرجل سيصنع العجب في كأس العالم. لم يكن الأمر مجرد عاطفة أو حماس عابر، بل كان استنتاجا مبنيا على متابعة دقيقة لرجل يعرف كيف يطور لاعبيه، وكيف يتعامل مع تفاصيل المباريات الكبرى، وكيف يحول الضغط إلى مصدر قوة. واليوم، وبعد الأداء المبهر أمام المنتخب الكندي، يشعر الكثيرون بما كنت أشعر به منذ تلك الأمسية الطنجاوية. فالمغرب لا يحقق الانتصارات فقط، بل يقدم كرة قدم ممتعة تجمع بين النجاعة والفرجة، بين الانضباط والإبداع، وبين الواقعية والطموح. لقد أصبح المنتخب الوطني تحت قيادة محمد وهبي قادرا على فرض شخصيته على المنافسين، وفرض احترامه على المتابعين والخبراء عبر العالم. الانتصار على كندا لم يكن مجرد عبور إلى دور جديد من المونديال، بل كان رسالة واضحة مفادها أن المغرب جاء إلى هذه البطولة من أجل المنافسة على أعلى المراتب. أداء جماعي متكامل، روح قتالية عالية، انسجام بين الخطوط، وثقة كبيرة في النفس جعلت أسود الأطلس يضربون موعدا مع ربع النهائي المنتظر وسط أحلام مشروعة بمواصلة كتابة التاريخ. لقد أثبت محمد وهبي أن المدرب الناجح ليس من يملك خطة واحدة يحفظها اللاعبون عن ظهر قلب، بل من يستطيع تغيير مفاتيح اللعب حسب طبيعة الخصم والظروف والمتغيرات. وهذا بالضبط ما يميز هذا المدرب الداهية الذي منح للمنتخب الوطني هوية واضحة وشخصية قوية وأسلوبا ممتعا جعل الجماهير المغربية تعيش تفاصيل المباريات بشغف وفخر. وإذا كان الوصول إلى ربع النهائي إنجازا يستحق الاحتفال، فإن ما يبعث على التفاؤل أكثر هو الطريقة التي تحقق بها هذا الإنجاز. فالمغرب لا يفوز بالحظ أو الصدفة، بل يفوز لأنه يملك مشروعا كرويا حقيقيا، ورؤية واضحة، ومدربا يؤمن بأن المستحيل مجرد كلمة يمكن إسقاطها على أرضية الملعب. هيهو... مبروك علينا. مبروك على هذا الوطن الذي أصبح اسمه يتردد في أكبر المحافل الرياضية. مبروك على الجماهير المغربية التي آمنت بمنتخبها في السراء والضراء. ومبروك على محمد وهبي الذي أثبت أن الثقة في الكفاءة الوطنية كانت خيارا صائبا. أما الموعد القادم، فهو ربع نهائي ينتظره الملايين بقلوب مفعمة بالأمل، وكلهم إيمان بأن أسود الأطلس ما زال لديهم الكثير ليقدموه، وأن راية المغرب ستظل مرفوعة عالية، لأنهم بالفعل خرجوا قدام العالم كامل هزين لوان علمنا.