نوستالجيا الزمن الجميل… روح القسم التي انتصرت

حمزة الوكولي

 

ما زلت أذكر، كأنها البارحة، صباحات المدرسة الابتدائية حين كنا نحفظ عن ظهر قلب قسم المسيرة الخضراء، ونردده بصوت جماعي مفعم بالبراءة والحماس.

 

كنا صغارًا، لكننا نحمل في أعماقنا وطنًا كبيرًا. تردد جدران القسم أهازيجنا الوطنية: نداء الحسن… 350.000 من أفراد شعبك يا سيدي… يا زائر أرض الصحراء… معجزة القسم… نشيدنا على الدوام.. إلخ.. أغاني خالدة لا نزال نرددها عن ظهر قلب، رغم بلوغنا من العمر عتيّا.

 

في زمن الطفولة البعيد، كنا لا ندرك تمامًا معنى كلمات تلك الأغاني، لكننا كنا نحسها، نحياها، ونكبر على وقعها، فكبرنا.. وبقيت تلك الأغاني شابة يافعة.

 

مرت السنوات، ووجدت نفسي، وقد كبرت، أحقق حلم الطفولة وأجوب أقاليمنا الجنوبية العطاءة، من العيون إلى الداخلة، ومن السمارة إلى بئر كندوز، حتى وصلت حدود موريتانيا، لكن لا حدود في الوجدان والقلب، فالرمل هو الرمل، والفضاء هو الفضاء، والإحساس هو الإحساس.

 

عند الخط الرملي، حيث يمتد الجدار الأمني كدرع من الصخر والإيمان، التقيت برجال القوات المسلحة الملكية، حماة الوطن، أولئك الذين يصنعون التاريخ في صمت. تحدثت إليهم، نظرت في عيونهم، فقرأت فيها القسم ذاته الذي كنا نحفظه ونحن أطفال، ولا نزال نحفظه كإرث منقوش على قلوبنا وفي ذاكرتنا.

 

لذلك، في ليلة 31 أكتوبر 2025، عندما جاء الاعتراف الأممي بمغربية الصحراء وتثبيت مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي ونهائي… لم تكن تلك لحظة سياسية قوية فحسب، بل وجدانية، روحية، ومغربية حتى النخاع. تسللت الدموع إلى عيني دون استئذان. كانت دموع فرحة، دموع وطن انتصر بعد الانتصار.. وأكد وحدته بعد تأكيد، وذاكرة أقسمت ألا تنسى.

 

لكنّ جذور هذا النصر تعود إلى 16 أكتوبر 1975، اليوم الذي أصدرت فيه محكمة العدل الدولية بلاهاي قرارها التاريخي الذي أكد وجود روابط البيعة والولاء بين العرش المغربي وسكان الصحراء المغربية، مُسقطًا كل دعاوى الخصوم وممهّدًا الطريق أمام المسيرة الخضراء المظفرة، التي أبدعها وأعلن عنها المغفور له الملك الحسن الثاني، حين دعا شعبه إلى زحف سلمي مهيب نحو الصحراء لتحرير الأرض بالقرآن قبل السلاح، وبالإيمان قبل القوة.

 

الصحراء ليست فقط أرضًا أو حدودًا جغرافية. إنها رمز الوجود المغربي الممتد من وجدة إلى الكويرة، عقيدة وطنية لا تقبل القسمة على اثنين، حقيقة راسخة لا غبار عليها. في رمالها سُطّرت ملاحم الشرف والكرامة، ومن خيراتها ينبع الإصرار على البناء والتنمية.

 

ومنذ المسيرة الخضراء سنة 1975 إلى اليوم، وبلادنا تشهد نهضة تنموية غير مسبوقة بفضل الرؤية المتبصّرة لجلالة الملك محمد السادس، من مشاريع البنية التحتية الكبرى إلى الموانئ العملاقة، ومن المدن الخضراء إلى الطرق السريعة والمناطق الصناعية، تجسّد الصحراء اليوم مغربًا جديدًا واثقًا من نفسه، مؤمنًا بوحدته، معتزًا بهويته.

 

ونحن نحتفل بالنصر والاعتراف، لا ننسى الأرواح الطاهرة لجنودنا الأشاوس، أولئك الذين ضحّوا بدمائهم ليظلّ العلم المغربي خفّاقًا فوق كل شبر من أرض الوطن.

 

رحم الله الشهداء، وخلّد ذكراهم في سجل الخالدين، فهم من رسموا بخطوط الفداء طريق الوحدة والسيادة.

 

بين طفولة القسم ونضج النصر، تمتد نوستالجيا الزمن الجميل كجسر من الوفاء بين الأجيال… روح المسيرة التي انتصرت، وصوت الوطن الذي ما زال يصدح:

الله، الوطن، الملك.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )