حمزة الوكولي مرة أخرى، تعود سبتة المحتلة إلى واجهة الأحداث، ليس لأنها شهدت حدثا سياسيا أو دبلوماسيا استثنائيا، بل لأنها كانت مسرحا لمشاهد مؤلمة لشباب مغاربة اختاروا مواجهة البحر والأسلاك والحواجز، أملا في الوصول إلى الضفة الأخرى. بعضهم عبر من محيط معبر تراخال، وآخرون ألقوا بأنفسهم في البحر، غير آبهين بما قد ينتظرهم من غرق أو اعتقال أو ترحيل. إنها ليست مجرد محاولة هجرة غير نظامية، بل هي مرآة تعكس أزمة أعمق: أزمة تصور، وأزمة أمل، وأزمة ثقة في المستقبل. ورغم ما يشهده المغرب من أوراش كبرى، واستثمارات متنامية، ومشاريع تنموية في مختلف الجهات، فإن جزءا من الشباب لا يزال يحمل قناعة راسخة بأن أوروبا هي "جنة الفردوس"، وأن مجرد الوصول إليها كفيل بتغيير الحياة بين ليلة وضحاها. وهي صورة غذتها سنوات طويلة من الحكايات، ومن بعض المحتويات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعرض النجاح وتخفي المعاناة. لكن الحقيقة مختلفة تماما. فأوروبا اليوم تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، من ارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمات السكن، وتشديد قوانين الهجرة، وتراجع فرص الإدماج بالنسبة للمهاجرين غير النظاميين. وكثير ممن يصلون إليها يكتشفون أن الحلم الذي رسموه في مخيلتهم لم يكن سوى سراب. ويبقى السؤال الجوهري الذي يعجز عنه العقل، ويصطدم به الواقع، ولم يجد له التشريع المغربي ولا السياسات العمومية جوابا نهائيا: كيف نقنع شابا مستعدا للمخاطرة بحياته في البحر، بأن مستقبله يمكن أن يبنى داخل وطنه؟ هذا هو السؤال الحقيقي. لأنه لا توجد قوة أمنية تستطيع أن تمنع حلما، ولا قانون يستطيع أن يعاقب وهما، ولا سياج يمكنه أن يوقف إنسانا فقد إيمانه بأن الغد قد يكون أفضل في بلده. إن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تظل رهينة المقاربة الأمنية وحدها، مهما كانت أهميتها، بل تحتاج إلى مقاربة شاملة تجعل الشباب يشعر بأن الوطن يمنحه فرصة حقيقية للحياة الكريمة، والعمل، وتحقيق الذات، وأن النجاح ليس حكرا على الضفة الأخرى. ويبقى لسبتة ومليلية المحتلتين رمزية خاصة في الوجدان الوطني المغربي، ليس فقط باعتبارهما نقطتي عبور، بل لأنهما جزء من قضية تاريخية وسيادية لا تغيب عن ذاكرة المغاربة. وأستحضر هنا موقفا لن أنساه ما حييت. ذات يوم، وأنا أغادر سبتة عبر معبر تراخال عائدا إلى طنجة، وبعد أن أنهى أحد رجال الأمن الوطني إجراءات ختم جواز سفري، نظر إلي وقال بكل عفوية وصدق: "الله يحن على هاد الأرض حتى ترجع لمواليها." كانت جملة قصيرة، لكنها اختزلت تاريخا كاملا، ومشاعر وطن بأكمله. ولم أجد يومها إلا أن أجيبه من أعماق القلب: اللهم آمين... يا رب رد سبتة ومليلية والجزر والصخور المحتلة إلى وطنها، واحفظ المغرب وأدم عليه نعمة الأمن والاستقرار والوحدة، واجعل الأمل أكبر من اليأس، والوطن أكبر من كل الأوهام.