ضرار هفتي تداولت في الأيام الأخيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتحديدا إنستغرام، نظرية مؤامرة تستعرض بالتفصيل ما يزعم أنه مخطط محكم بقيادة المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل لضم مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، بالإضافة إلى أرخبيل جزر الكناري. واستند هذا المحتوى، الذي أثار قلقا ملحوظا لدى شريحة من الجمهور، إلى كتاب للضابط السابق في الاستخبارات الإسبانية فرناندو سان أغوستين، وتم تقديم السردية بأسلوب درامي يوحي بأنها خطة عسكرية لا تقبل الخطأ. بيد أنه، ومن منظور مهني مغربي، يقع على عاتقنا مواجهة هذا النوع من التكهنات بالدقة الصحفية التي تتطلبها الأوضاع الراهنة، مع التأكيد على أننا لسنا أمام سيناريو واقعي، ولا يستند إلى أي دليل ملموس. أولا، من المهم التنبيه إلى أن صاحب المنشور نفسه، مدركا لطبيعة مواده المتفجرة، يحذر متابعيه صراحة من ضرورة أخذ المعلومات بحذر شديد، معترفا بأن المضمون يقع بالكامل ضمن دائرة التكهنات والافتراضات. يكفي هذا الاعتراف الأولي لإطلاق كافة أجراس الإنذار لدى القارئ الناقد، إذ لا يمكن لأي أطروحة جيوسياسية رصينة أن تقوم فقط على تفسيرات شخصية أو شهادات أدبية غير مؤكدة. ورغم ذلك، فقد تم تداول هذا المحتوى على نطاق واسع وكأنه وثيقة رفعت عنها السرية، بينما يفتقر في الواقع إلى أي سند رسمي من أجهزة الاستخبارات أو الحكومات التي تم ذكرها في سياقه. وعلاوة على ذلك، فإن نسب استراتيجية غزو عسكري متكاملة لسبتة من طرف المغرب، مؤلفة من سبع مراحل تبلغ ذروتها بدخول جيشه وقواته البحرية بحلول عام 2030، يعد جهلا مطلقا بالسياسة الخارجية للمملكة والتزامها التاريخي باستقرار المنطقة. لا شك أن المطالب الدبلوماسية المغربية بشأن مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين تمثل حقيقة قديمة، إلا أنها كانت وما زالت تطرح عبر قنوات الحوار الثنائي واحترام القانون الدولي، وليس عبر تنسيق لأعمال الشغب العام أو أزمات هجرة مدبرة. إن الادعاء بأن الرباط ستستخدم عشرات الآلاف من البشر المستضعفين كسلاح حربي لأغراض الاحتلال، هو بالإضافة إلى كونه ممارسة مثيرة للذعر، إهانة بالغة لكرامة المهاجرين أنفسهم، وللبروتوكولات الإنسانية التي تسعى الدولتان لإدارتها بشكل مشترك. إلا أن المنشور يلجأ إلى سلسلة من الاقتطاعات المنهجية والخطيرة، مستشهدا بتصريحات لسياسيين دوليين مثل يائير نتنياهو ومايكل روبين، لمنح نظريته غطاء من المصداقية. صحيح أنه في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي توجد أصوات تبحث، من خنادق أيديولوجية مختلفة، عن تأجيج الصراع بين الجيران. بيد أن تحويل تلك الآراء المنعزلة إلى رأس حربة لمؤامرة دولية هو مغالطة لا تخدم إلا من يريدون المواجهة بدلا من التعايش. تعد العلاقة بين إسبانيا والمغرب من أكثر العلاقات تعقيدا واستراتيجية في حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث توجد توترات آنية، ولكنها تمتد أيضا لتشمل شبكة واسعة من المصالح المشتركة في مجالات التجارة والأمن ومكافحة الإرهاب، مما يجعل سيناريو القطيعة العسكرية أمرا شبه مستحيل. وبناء على ما سبق، فإن ترويج هذا السيناريو وكأنه رواية لحرب معلنة يترك أثرا سلبيا مزدوجا: فهو يولد حالة من الهلع الاجتماعي غير المبرر لدى المواطنين الإسبان، ويضعف أجواء الثقة الضرورية للعمل الدبلوماسي. وفي العمق، عادة ما تجد هذا النوع من السرديات أرضا خصبة في صفوف أقصى اليمين، الذي يلجأ، عاجزا عن استيعاب ثقل التاريخ المشترك، إلى استغلال الخوف كسلاح سياسي. وإذا ما أجرينا مراجعة فكرية صادقة، سندرك أنه حتى الآن لا يوجد تسريب رسمي واحد، أو وثيقة، أو حقيقة جيوسياسية قابلة للتحقق تشير إلى أن المغرب قد رسم مخططا للضم مع تاريخ انتهاء محدد تحت ذريعة زعزعة الاستقرار. وفي الختام، تقع على عاتقنا كإعلاميين مسؤولية وقف التضليل دون التقليل من شأن النقاشات المشروعة. إن سيادة مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين ووضع جزر الكناري هي ملفات تشكل جزءا من الأجندة الثنائية بين دولتين جارتين تجمعهما أكثر من ألف سنة من التاريخ المشترك. لكن من ذلك إلى القبول بوجود خطة احتلال عسكري من سبع خطوات، هناك هوة سحيقة. التوصية الأكثر حكمة هي اعتماد مبدأ الحذر والتحليل النقدي، ولأجل صالح العلاقات الإسبانية المغربية واستقرار مضيق جبل طارق، يجب أن نكف عن ترويج الخوف ونركز النقاش على القنوات الحقيقية للسياسة الخارجية، والتي هي وحدها القادرة على بناء الجسور وضمان السلام الذي تحتاجه مجتمعات الضفتين بشدة.