كيسنجر في مائويته.. بطل أم شرير..!؟

ياسين الطالبي

هنري كيسنجر، الذي يحتفل هذا الأسبوع بمرور مائة عام على ميلاده، لا يزال يحتل موقعًا متميزًا في صرح السياسة العالمية، وهو أمر نادر للغاية بالنسبة لأي شخصية سياسية. هل هو واحد من الأبطال أم من الأشرار؟ الجواب على ذلك يعتمد، كما هو الحال دائمًا، على من تسأل.

يعتبر كيسنجر نموذجًا حقيقيًا لمبادئ ميكافيلي. كما يقول البعض، إنه الرجل الذي تعلم كيف يعيش مع مصالح متناقضة ويقوم بإدارتها ببراعة. كان له نظرة عالمية حقيقية، واستطاع رؤية الصورة الكبيرة والتواصل مع القادة العالميين لتحقيق الأهداف الأمريكية. أما بالنسبة لمن يقف ضده، فإنهم يرون فيه القوة المظلمة وراء الكثير من الصراعات والمعاناة في العالم. البعض يربطه بشكل مباشر بالأزمات الدولية، من فيتنام إلى شيلي، وحتى الشرق الأوسط.

يمكننا تصوره وهو يعبر على أرضية العالم كأنها لوحة زجاجية تتحرك تحت أقدامه، يشعل ويطفئ النيران في الأماكن التي يرى أنها تحتاج إلى التدخل الأمريكي.

يمكننا أيضا تخيل كيسنجر كمدير سيرك دولي. في هذا السيرك، الأسود والخراف والفيلة وغيرها من الحيوانات، وكلها تحتاج إلى التعامل الحساس والدقيق. البعض منها قوي وخطير، بينما البعض الآخر هادئ وملتزم. لكن بغض النظر عن خصائصها، كيسنجر – كمدير السيرك – جعل الأمور تحت السيطرة وضمن استمرارية العرض في عهده.

من المثير للاهتمام أن كيسنجر يشبه فلاديمير بوتين بخروتشوف، الزعيم السوفيتي الذي اشتهر بقدرته على المفاجأة والتحدي. يعتقد كيسنجر أن القدرة على التأقلم والتعايش مع الأمور المتناقضة هي ما يحدد القوة الحقيقية للقائد.. هنري كيسنجر كان معروفا بنظرته الواقعية تجاه السياسة الخارجية، والتي غالبا ما تركز على الحفاظ على التوازن القوى والاستقرار الجغرافي. في هذا الإطار، يرى كيسنجر أن طلب أوكرانيا للانضمام إلى الناتو كان خطأ فادحا لعدة أسباب، يرى أن هذا الطلب أثار التوتر بين الغرب وروسيا، و أدى إلى تصعيد الصراع بدلاً من تهدئته وأضعف التوازن الجغرافي والسياسي في المنطقة.

على الرغم من الأحاديث حول نظريات المؤامرة، يظل كيسنجر شخصية محورية ومثيرة للجدل في السياسة العالمية. البعض يلقي اللوم عليه بشكل مباشر في بعض الأزمات الدولية، بينما يرى البعض الآخر فيه الشخص الذي استطاع تشكيل العالم على الطريقة الأمريكية.

لا يمكن إنكار أن كيسنجر كان له تأثير عميق ودائم على السياسة العالمية. وسواء أعجبتك أم أثارت استياءك سياساته، فإنك لا تستطيع إلا احترام قدرته على البقاء ذا تأثير على مدى قرن. وفي عيد ميلاده المائة، يمكننا أن نقف لحظة للتأمل في الإرث الذي تركه رجل مشوش ومثير للجدل كما هو دائمًا.

ومع ذلك، لا يمكننا التجاهل أو التقليل من أثر بعض القرارات التي اتخذها كيسنجر، والتي كانت لها تأثيرات طويلة الأمد وعواقب غير متوقعة. على سبيل المثال، تقبله بفتح الولايات المتحدة للصين كان عاملاً رئيسياً في النهوض الاقتصادي والسياسي السريع للصين، التي أصبحت الآن قوة عالمية مهمة تتحدى هيمنة الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، قراراته بدعم القوى الإسلامية في بعض المناطق، كانت لها تأثيرات عميقة ومعقدة في الشرق الأوسط وخارجه.

رغم الانتقادات والتساؤلات حول طبيعة قراراته وتأثيراتها على السياسة العالمية، ينبغي الإشادة برؤيته العالمية وقدرته على التواصل والتعامل مع قادة العالم.

كيسنجر، الذي أشعل وأطفأ الكثير من النيران، لا يزال يعيش في أذهاننا ويشغل أفكارنا، مثيراً للجدل والتأمل. فهو بمثابة رمز حي للتاريخ السياسي الذي نعيشه.

في عيد ميلاده المائة، يمكننا النظر إلى كيسنجر، ورؤية العالم من خلال عينيه. هو عالم متقلب ومتغير، ولكنه، في النهاية، هو العالم الذي نعيش فيه جميعا.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )