المساء اليوم - تطوان: على بعد أسابيع من الاستحقاقات التشريعية، تعود إلى الواجهة أسئلة مرتبطة بتوزيع المشاريع العمومية داخل عمالة المضيق-الفنيدق، وبمدى احترام مبدأ العدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين جماعاتها الترابية، في ظل ما يصفه فاعلون محليون بتفاوت ملحوظ في وتيرة التنمية بين مرتيل وباقي المناطق. وإذا كان السؤال مشروعا، فإن الإجابة تبدأ من شخص عامل العمالة ياسين جاري، الذي عينه الملك محمد السادس في 20 غشت 2018، وهو خريج المدرسة المحمدية للمهندسين سنة 1997، والتحق بسلك مفتشي الإدارة الترابية سنة 2007، ولا يزال حتى اليوم في منصبه، كتطبيق حرفي لربط الفشل بالبقاء طويلا في المنصب. وتزداد حساسية الموضوع عندما نعلم أن النائب البرلماني محمد العربي المرابط، عن دائرة المضيق-الفنيدق وعميد جماعة مرتيل، والذي جدد حزب الأصالة والمعاصرة ثقته فيه وكيلا للائحة الحزب في استحقاقات 2026، يشغل عضوية لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية بالبرلمان. وتكتسب هذه العضوية أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط اللجنة بملفات الإدارة الترابية والجماعات الترابية والتشريع والرقابة البرلمانية في المجالات الداخلة ضمن اختصاصها. ومن هنا يصبح من المشروع طرح سؤال حول كيفية التوفيق بين المسؤولية البرلمانية المرتبطة بمراقبة السياسات العمومية في هذا المجال، وبين رئاسة جماعة مرتيل التي توجد ضمن تراب العمالة نفسها، خصوصا في ظل الجدل المتصاعد بشأن تفاوت توزيع المشاريع والاهتمام الإداري بين جماعات الإقليم. ولا يعني طرح هذا السؤال افتراض وجود تضارب في المصالح أو اتهام أي طرف قبل إثبات الوقائع، وإنما يضع على طاولة النقاش ضرورة الاحتكام إلى المعايير الموحدة والوثائق الرسمية، بما يضمن وضوح القرار الإداري ويعزز ثقة المواطنين في حياد المؤسسات. ويأتي هذا النقاش في سياق اجتماعي واقتصادي حساس تعيشه المنطقة منذ سنوات، خاصة بعد التداعيات العميقة لإغلاق معبر باب سبتة، وما ترتب عنه من فقدان آلاف الأسر لمصادر دخلها، وهو ما تجسد في احتجاجات 2021 ومشاهد العبور الجماعي التي عادت إلى الواجهة مجددا خلال صيف 2026، بما يعكس استمرار هشاشة الوضع الاقتصادي. ولا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن طبيعة الاقتصاد المحلي الذي ظل مرتبطا بشكل كبير بالنشاط التجاري المحاذي للثغر المحتل، الأمر الذي جعل قرار الإغلاق يعيد طرح سؤال البدائل الاقتصادية بحدة، خصوصا بالنسبة إلى الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع اقتصادي جديد دون بدائل كافية تستوعب حاجاتهم وانتظاراتهم. ورغم مرور أكثر من ثماني سنوات على تولي ياسين جاري منصب العامل، وصحيح أن بعض المجهودات الإدارية لا يمكن إنكارها في سياقات محدودة، إلا أن الحصيلة العامة التي تلامس حياة المواطن اليومية تظل في معظم تراب العمالة دون مستوى التطلعات، بحسب منتقدين للشأن العام المحلي. وتحظى المشاريع المنجزة بتراب جماعة مرتيل، منذ مارس 2023، بمتابعة إدارية على مستوى العمالة، بينما يرى منتقدون أن بقية المناطق لا تحظى بالوتيرة نفسها من الاهتمام. فمدينة الفنيدق الحدودية، التي كانت تعيش على اقتصاد التهريب المعيشي، تعاني اليوم من صعوبة توفير بدائل اقتصادية قادرة على استيعاب حجم التحولات التي عرفتها المنطقة، فيما تظل المنطقة الصناعية في حيدرة، رغم الوعود المتكررة، بحاجة إلى دينامية استثمارية أكبر، وهو ما ينعكس على واقع التشغيل والدخل وفرص الشباب. غير أنه لولا الرعاية الملكية لهذه المنطقة، لكانت الأوضاع قد تحولت إلى كارثة حقيقية. ويقول مراقبون للشأن العام المحلي إن التدخل الملكي المباشر والمشاريع التي أعطيت لها الأولوية على المستوى الوطني والجهوي ساهمت في تجنيب المنطقة سيناريوهات أكثر صعوبة. ويضيف هؤلاء أن من استطاع مواكبة جانب مهم من المشاريع التنموية الملكية أشرف عليها الوالي محمد اليعقوبي، الذي ترك، بحسب متابعين للشأن المحلي، أثرا إيجابيا في المنطقة، من خلال مواكبة الأوراش الملكية والعمل على تنزيل عدد من المشاريع المهيكلة. غير أن السؤال المطروح اليوم يتمثل في مدى قدرة الإدارة الحالية على مواصلة الدينامية نفسها، وضمان توزيع آثار التنمية بشكل متوازن بين مختلف جماعات العمالة. وفي خضم هذه الأوضاع، فجر قرار منع شباب المضيق من ممارسة نشاط كراء الدراجات المائية بدون محرك، المعروفة بـ"البيدالو"، موجة غضب محلية. فقد فوجئ شباب المضيق، بعدما أدوا المستحقات المالية والتأمينية التي تجاوزت 2700 درهم للشخص الواحد، وحصلوا على رخص من جماعة المضيق، بقرار يمنعهم من ممارسة نشاطهم، بينما يمارس زملاؤهم النشاط نفسه على شاطئ مرتيل بعد حصولهم على التراخيص ذاتها من جماعة مرتيل التي يرأسها المرابط. وهذا التباين في التعامل الإداري يستحق التوقف عنده، ليس من باب إطلاق الأحكام، وإنما من خلال مقارنة الوثائق والقرارات. وهنا ينبغي الانتقال من الانطباع إلى الوثيقة، فالبت في هذا الملف يقتضي الاطلاع على القرارات الإدارية المكتوبة ومقارنة شروط مزاولة النشاط في المدينتين، وتحديد الجهة التي اتخذت قرار المنع، والأساس القانوني الذي استندت إليه. فإذا أثبتت الوثائق أن الشروط متطابقة وأن القرار مختلف دون مبرر قانوني واضح، فإن الأمر يستحق افتحاصا إداريا شفافا يحدد المسؤوليات ويضمن تطبيق القانون بالمعايير نفسها على جميع المواطنين. وبالتوازي مع هذا الملف، تتوالى المشاريع الكبرى في مرتيل، من الملعب الكبير والمسبح الأولمبي والمسرح الكبير وإعادة هيكلة الأحياء وملاعب القرب وغيرها من الأوراش التي تعطي المدينة صورة تنموية لافتة، وتعطيها أيضا صورة مقززة وفاقعة عن الاستغلال الحزبي للمشاريع التنموية. ومن هنا تبرز ضرورة معرفة الكلفة المالية لهذه المشاريع، ومصادر تمويلها، والجهات المشرفة عليها، وجدول إنجازها، وآثارها الاقتصادية والاجتماعية، حتى يتمكن الرأي العام من التمييز بين الاستثمار التنموي الحقيقي والمشاريع التي تظل آثارها محدودة على المواطن العادي. غير أن الأخطر من ذلك كله هو ملف المخازن التجارية في منطقة باب سبتة المحتلة، تلك المخازن التي أنشئت لتوفير بدائل اقتصادية للشباب المتضرر من إغلاق المعبر، لكنها أصبحت موضوعا للجدل المحلي حول معايير الاستفادة منها وأسماء المستفيدين. وأصبح المطلوب الآن نشر لوائح المستفيدين والعقود والقرارات المنظمة للاستغلال، والكشف عن معايير الاختيار، ومدى استفادة الفئات التي أنشئت هذه المخازن أساسا من أجلها. فإذا كانت هذه المعايير شفافة وعادلة، فإن نشر الوثائق سيضع حدا للجدل، وإذا كانت هناك اختلالات، فإن الكشف عنها يتيح للجهات المختصة تصحيحها. وهذا الموضوع سنعود إليه بالتفصيل في مقال قادم.يستحق النبش فيه لجلال قدره. وتزداد حساسية هذه الملفات مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، لأن أي إحساس لدى المواطنين بوجود تفاوت في التعامل الإداري أو في توزيع المشاريع و رخص تجارية وموسمية يمكن أن يتحول إلى عنصر مؤثر في الثقة السياسية والانتخابية. ومن هنا يصبح السؤال حول حياد الإدارة الترابية مشروعا، لا باعتباره اتهاما مسبقا، وإنما باعتباره مطلبا مؤسساتيا تفرضه طبيعة المرحلة الانتخابية. فالإدارة مطالبة بأن تظل على مسافة واحدة من جميع المرشحين والأحزاب، وأن يكون معيارها هو القانون والمصلحة العامة وليس الانتماء السياسي أو الجغرافي. وهنا يبرز أيضا البعد الأمني للأزمة. فالأوضاع الاقتصادية الهشة يمكن أن تتحول إلى مادة قابلة للاستغلال من طرف شبكات إجرامية أو جهات تسعى إلى توظيف الاحتقان الاجتماعي، كما أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت قادرة على تحويل الغضب الفردي إلى موجات جماعية في وقت قصير. وقد أظهرت تجارب 2021 وصيف 2026 أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية وحدها، بل تحتاج أيضا إلى اقتصاد محلي قادر على خلق فرص العمل والأمل، وإلى سياسات اجتماعية تمنح الشباب بدائل حقيقية، وإلى إدارة قادرة على الاستماع إلى مطالب المواطنين قبل أن تتحول إلى أزمات. إن استمرار أي تفاوت في توجيه الاهتمام والموارد بين جماعات العمالة، أيا كانت أسبابه، يفرض على المؤسسات المنتخبة والإدارة الترابية والهيئات الرقابية فتح نقاش جدي حول العدالة المجالية. كما أن ملف "البيدالو" ومخازن باب سبتة وتوزيع المشاريع ورخص التعاونيات الفلاحية وغيرها لا ينبغي أن يتحول إلى صراع بين مرتيل والمضيق والفنيدق أو بين مدينة وأخرى، بل إلى مناسبة لطرح سؤال أكبر. هل تطبق المعايير نفسها على جميع أبناء العمالة؟ وهل يستفيد المواطن من الفرص المتاحة وفق القانون نفسه، أم أن هناك تفاوتات تحتاج إلى تفسير ووثائق؟ فالمواطن لا يريد معركة بين المدن، ولا يبحث عن امتيازات لفئة على حساب أخرى، وإنما يريد إدارة واحدة بمعايير واحدة، وتنمية عادلة، وفرصا متكافئة، ورخصا تخضع للقانون نفسه، ومشاريع تقاس آثارها بما تحققه للمجتمع لا بحجمها في الخطاب السياسي أو الإعلامي. وحماية المضيق-الفنيدق من تكرار الأزمات لا يمكن أن تقوم على المقاربة الأمنية وحدها، كما لا يمكن أن تتحقق بتنمية تتركز في مجال ترابي دون آخر، وإنما تقتضي رؤية متكاملة تقوم على العدالة المجالية، وخلق فرص الشغل، والرقابة الإدارية، والشفافية في توزيع المشاريع والاستفادة من المرافق، إلى جانب رقابة انتخابية فعالة ومقاربة استباقية لتحصين الشباب والفضاء الرقمي من كل أشكال التجييش والتضليل. وفي النهاية، فإن جوهر القضية ليس استهداف مدينة أو مسؤول أو حزب، وإنما طرح سؤال مؤسساتي بسيط ومشروع، وهو هل تطبق الإدارة الترابية المعايير نفسها على جميع جماعات العمالة، وهل تتوزع المشاريع وفق حاجيات المواطنين وأولويات التنمية، أم أن هناك تفاوتا يحتاج إلى تفسير ووثائق ووضوح أمام الرأي العام؟ فإذا كانت المعايير واحدة، فإن الوثائق كفيلة بإثبات ذلك، وإذا كانت هناك اختلالات، فإن المؤسسات الرقابية والقانونية تظل صاحبة الاختصاص في تصحيحها. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن هو الحكم الحقيقي، وصندوق الاقتراع هو الفيصل، والثقة في الإدارة لا تبنى بالشعارات، وإنما بالحياد والمساواة والشفافية.