سميرة مغداد صيف يوليوز 2026 سيبقى صيفا قائظا جدا على مستوى التاريخ الاجتماعي المغربي.. صيف الطوفان البشري الذي تدفق نحو باب سبتة طلبا للهجرة والإقامة في أوربا. لقد أفقنا دونما سابق إنذار على مسيرات من كل اتجاه صوب باب الحياة: باب أوربا التي مازالت تدغدغ أحلام الشباب والقاصرين. يحدث هذا في عز صيف يعج بالحرارة والبشر الباحث عن الاسترخاء والاستجمام ولقاء الأحبة والغائبين طيلة العام في الغربة أو مدن بعيدة. أعتقد أن سلوك الناس لا يكون سويا تماما في الصيف، أو تلحقه، على الأقل، تغيرات مزاجية بسبب القيظ، لذا تكون العطلة مطلوبة جدا للتنفيس والترويح عن النفس. أصطدم مرارا بحشود من المراهقين في قلب العاصمة الرباط يفيض بهم بحر الرباط وسلا، وحتى الوادي الرقراق الذي يفصل المدينتين. تراهم يقفزون في كل أنحاء الماء وما شابهه. يفيضون بطاقة هائلة غير مؤطرة. شباب شارد عريان يقتفي أثر المياه وتلفحه أشعة شمس حارقة.. يحاول البحث عن المتعة وتزجية وقت غير قصير فرضته العطلة الصيفية الطويلة. هؤلاء هم خريجو مواقع التواصل الاجتماعي السامة. شباب يريد أشياء ولايجد شيئا. أذكر الصيف العام الماضي كيف تحولت إحدى الحفر العشوائية التي تكونت إثر أشغال بناء لمدرسة إلى مسبح شعبي يقفز فيه أبناء أحياء هامشية بالجوار، في منظر غريب لأطفال يبحثون عن أي فسحة ممكنة لممارسة الصيف. للأسف لم يتبق مرب ولا أم ولا أب مسؤول ولا مؤسسة تحتضن أطفالا وشبابا لفظتهم الحياة بقسوة وسط عجز الجميع. للأسف فراغ فظيع يحاصرهم في غياب الاحتضان والتأطير. أرى أن الاشتغال مع الشباب يجب أن يبدأ من الصيف ليكون فصلا مريحا يتبنى أنشطة مختلفة ويساعد الأسر المعوزة على خلق برامج لجعل العطلة من حق الجميع. عطلة تعزيز المواهب والقدرات وتنمية المدارك واحتضان الرغبات وتهذيبها بالرياضات المختلفة والأنشطة الثقافية والفنية المدروسة ضمن استراتجيات مسبقة ومخطط لها، وليس فقط تنظيم مهرجانات الشعبي "وستك اتاك النمرة عفاك". العطلة والصيف يجب أن تكون من أولويات الأولويات التي ستؤهل أبناءنا لدخول مدرسي سليم ..الدخول المدرسي يبدأ بصيف جيد. أتساءل بأية نفسية سيقبل اليوم أبناؤنا على الدخول الدراسي، وكيف سيجيب الآباء عن أسئلة أبنائهم حول سبب هذا الزحف المخيف نحو باب سبتة هربا من بلد اسمه المغرب. لعل بعض الآباء الظرفاء سيفسرون هذا الهروب بحالة ملل جماعي وشعور عابر بالضيق والضجر في صيف ساخن صعب لا حل معه سوى القفز في الماء.. فالمياه تطفىء حتى الغضب ونار النفس الواهنة. شاهدنا في هذا الهروب الكبير "تفوسيخة جماعية" لمشاعر سلبية متراكمة من هول الضياع والضغوط، بما فيها حتى الضغوط التي تمارسها الحياة الرقمية على نفوسنا الضعيفة المتعبة من حر الصهد المحيط بنا. أرى أيضا أنه يجب تشكيل خلية يقظة من المسؤولين والأباء للتحذير من استعمال الهواتف الحاملة لفيروسات تعيش في الدماغ، والتي حولت الأوهام إلى حقيقة وجعلت من حلم العبور هدفا حيويا. حذر الهواتف على غير البالغين أصبح أمراضروريا. الهواتف اليوم مثل المخدرات، تسلب العقول وتغرق أطفالنا في مقارنات واهمة وفي مواقف جنونية لا معنى لها. لقد كنا مراهقين وعشنا تقلبات نفسية وعانينا، لكننا كنا نجد الأمان في لمسة حنان من أمهاتنا وفي نظرة صارمة من آبائنا. لم نفكر يوما أن نهرب. قليلون من عاقبوا آباءهم بسبب بعض القسوة منهم بمغادرة البيت، أحيانا دون علمهم، ليبيتوا عند أقرب خالة أو عم أو قريب، لأن المجال لايسمح بمغامرة كبرى. وكان الإجماع تاما على قيم الصبر ورضى الوالدين. أما اليوم فقيم الهواتف الذكية الجديدة غزت كل العقول، والتحريض على حياة أفضل، بين قوسين، أصبح شريعة المؤثرين الذين يلوكون كلاما لامعنى له ويبيعون العجل لشباب خاوي الوفاض. لقد بات الشباب مضغة لليأس الذي ينخر نفوسا ضجرة حاقدة بسبب المقارنات الكبرى التي أشعلت فتيلها مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة في صيف حار جدا يتطلب ظرف حياة مختلف يخفف وطأة الضجر والتوتر الذي تفرضه حرارة الجو. ومما لاشك فيه ثمة دراسات تربط تحسن المزاج بالجو الذي قد يلعب دورا كبيرا في الشعور بالضيق والضجر، لذا توحدت مشاعر الضجر لدى الشباب وآمنوا بفكرة "الطجّان" نحو باب النجاة ونحو البحر العريض الذي يستوعب الجميع ويطفىء غل الضجر. لقد شعرت أحيانا أن المسيرات نحو باب سبتة هي أيضا فرصة للترويح عن النفس والخروج من القنط والملل . أعتقد أن شبابنا محتاج جدا لصيف بهي يستوعب بعضا من رغباته واحتياجاته. صيف يؤهله لاستقبال عام دراسي جديد بحماس. الصيف هو أهم فصول السنة بالنسبة لأولادنا وبناتنا، وعلى الدولة والوزارة الوصية والجمعيات أن تتأهب أكثر وأكثر لهذا الفصل. لابد من فسح مجالات الترفيه والتثقيف والتسلية قبل أن نسقط جميعا في البحر. هيئوا بر الأمان للشباب عبر صيف جميل ولطيف يتكرر كل عام دون الوقوع في الهروب الجماعي، فلا شيء يعجب شبابنا اليوم. إنهم ضجرون قنطون جدا. الشباب في حاجة ملحة للتأطير والحب والعناية ليحتفلوا بأهم وأجمل مراحل العمر، وإلا فحجم الخسائر سيكون فادحا وقد ندفع ثمنه غاليا من أمننا النفسي والاجتماعي ونعمق فجوة الحقد والكراهية بين بعضنا البعض. على المسؤولين عن قطاعات الشباب أن يبرمجوا خططا استراتيجية لكل صيف محتمل ليكون بردا وسلاما عليهم ويمنحهم طاقة استقبال الفصول الأخرى بإيجابية.