ياسين الطالبي ليست كلمة “لقيط” كلمة عابرة. ليست مجرد وصف اجتماعي بريء. ليست اصطلاحًا باردًا يمكن تمريره في هوامش الفقه كأنه لا يجرح، ولا يقتل، ولا يصنع في داخل الإنسان حفرة لا يراها الناس. كلمة “لقيط”، حين تُقال بمعنى الوصمة والعار، هي اعتداء كامل على مشهد الخلق. هي يد بشرية تمتد إلى نفس خلقها الله، ثم تختصرها في حادثة اجتماعية. هي ذاكرة قاسية ترى الطفل ولا ترى الخالق، ترى ظرف العلاقة ولا ترى الهبة، ترى اضطراب الكبار ولا ترى براءة الصغير، ترى الجسد ولا ترى النفخة، ترى العرف ولا ترى القرآن. وهنا يبدأ السؤال الذي لا يريد حراس المدونة سماعه: من أعطاكم الحق في تسمية هبة الله بهذا الاسم؟ من أعطاكم الحق في أن تأخذوا مولودًا خرج إلى الوجود داخل سلطان الله، ثم تلقوا عليه لقبًا يجعل وجوده نفسه جريمة؟ من أعطاكم الحق في أن تجعلوا الطفل ابن فعل لم يفعله، بدل أن يكون نفسًا خلقها الله؟ ومن قال لكم إن العرف، أو المدونة، أو الرواية، أو التصنيف الفقهي، يملك أن يتقدم على القرآن حين يتكلم القرآن عن الخلق، والهبة، والكرامة، وبراءة النفس من وزر غيرها؟ إن أفظع ما فعلته الذاكرة الحاكمة أنها لم تكتف بتنظيم علاقة البالغين، بل نقلت أثر العلاقة إلى الطفل. لم تقف عند سؤال المسؤولية، بل صنعت هوية عقابية. لم تقل: هناك فعل يحتاج إلى نظر، أو ذنب يحتاج إلى توبة، أو حق يحتاج إلى حماية، أو أب يجب أن يتحمل مسؤوليته، أو مجتمع يجب أن يفتح طريق النكاح. بل قالت للطفل نفسه: أنت العار. أنت اللقيط. أنت ابن الزنا. أنت بلا أصل. وكأن القرآن لم يقل: **ولا تزر وازرة وزر أخرى**. وكأن الله لم يقل: **ولقد كرمنا بني آدم**. وكأن الولد ليس داخل قوله: **يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور**. المدونة التي تفعل ذلك لا تخطئ في حكم جزئي فقط، بل تخطئ في أصل الرؤية. إنها لا ترى الإنسان كما يراه القرآن. القرآن يرى الإنسان من أعلى: خلق، وتسوية، ونفخة، وتكريم، وهبة، ومسؤولية فردية. أما هذه الذاكرة فترى الإنسان من أسفل: علاقة جسدية، نسب اجتماعي، سجل قبلي، اعتراف عائلي، وصمة تورث، ولقب يلاحق. القرآن يفتح للإنسان بابًا إلى الله، والمدونة تغلق عليه باب المجتمع. القرآن يقول له: أنت نفس، والمدونة تقول له: أنت أثر. القرآن يقول له: أنت هبة، والمدونة تقول له: أنت فضيحة. القرآن يقول له: أنت لا تحمل وزر غيرك، والمدونة تقول له عمليًا: ستحمل وزر من سبقوك. وهذا هو القلب الشيطاني للمعنى، لا بمعنى اتهام النيات، بل بمعنى وظيفة الخطاب وأثره. أن تجعل الهبة عارًا، هذا انقلاب. أن تجعل المولود ذنبًا، هذا انقلاب. أن تجعل البنت التي لم تختر ظرف ولادتها موضع رفض عند الزواج لأنها “لا أصل لها”، هذا انقلاب. أن تجعل الدم المتخيل أقوى من التقوى، والنسب الاجتماعي أقوى من الخلق الإلهي، والوصمة أقوى من الرحمة، فهذا ليس حفظًا للدين، بل استيلاء على الدين باسم الدين. المسألة تبدأ من مركز الهداية. الإنسان يفتح القرآن بالفاتحة فيقول: **اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين**. هذا ليس دعاءً شفهيًا فقط، بل طلب مركز: أين الطريق؟ كيف لا نكرر أخطاء الأمم التي حملت الكتاب ثم رفعت الذاكرة فوقه؟ كيف لا نصير من الذين ضلوا لأنهم أحبوا النصوص حول الكتاب أكثر من الكتاب؟ كيف لا نحول الدين إلى أرشيف، والرحمة إلى قسوة، والبيان إلى وصاية، والخبر إلى سلطان؟ ثم يأتي الجواب سريعًا، بلا تأخير، في مطلع البقرة: **الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين**. لم يقل: تلك المدونات. لم يقل: أولئك الرجال. لم يقل: تلك الأسانيد. لم يقل: ذلك الصحيح. لم يقل: ذلك الإمام. بل قال: **ذلك الكتاب**. كأن القرآن يغلق الباب منذ البداية أمام كل سلطة ستأتي لاحقًا لتزعم أنها لا تزاحم القرآن، بينما هي عمليًا لا تسمح له أن يعمل إلا بإذنها. كأن القرآن يعلم أن الخطر بعد حفظه لن يكون في حذف آية من المصحف، بل في صنع كتب حول المصحف تملك وظيفة الحاكمية، ثم تقول للقرآن: ابقَ في مقام التلاوة، أما القرار فلي. وهذا هو تحريف الرتبة. ليس أن تقول المدونة: أنا قرآن. فهي أذكى من ذلك. وليس أن تقول: القرآن ناقص. فهي لا تحتاج إلى ذلك. وليس أن تقول: في القرآن ريب. فهي ستضع القرآن في صدر المجلس، وتقبله، وتبجله، وتزين به الجدران، ثم تجعل حكمه العملي مشروطًا بها. تقول: القرآن أصل، ثم لا تسمح له أن يكون أصلًا إلا إذا وافق الرواية. تقول: القرآن هدى، ثم تجعل الهداية لا تتم إلا عبر كتاب آخر. تقول: القرآن لا ريب فيه، ثم تمنح مقام “لا ريب” للمدونة. هذه ليست خدمة للقرآن، هذه مصادرة هادئة لوظيفته. ومن هنا يصبح موضوع “اللقيط” امتحانًا كاشفًا. لأنك حين تسأل: ماذا يقول القرآن عن الطفل؟ تجد القرآن يبدأ من الله. **لله ملك السماوات والأرض**. هذا أول السطر. ليس الملك للمجتمع، ولا للعائلة، ولا للقبيلة، ولا للمدونة، ولا للسجل المدني، ولا للعرف. ثم يقول: **يخلق ما يشاء**. فالطفل قبل أن يكون محل حكم اجتماعي هو مخلوق. وقبل أن يكون ملف نسب هو مخلوق. وقبل أن يكون قضية فقهية هو مخلوق. ثم يقول: **يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور**. لم يقل: يوصم. لم يقل: يعار. لم يقل: يخرج بعض المواليد من دائرة الهبة إذا لم ترضَ عنهم الأعراف. قال: **يهب**. والهبة لا تُشتم. الهبة لا تُرمى في سوق العار. الهبة لا يُقال لها: لا أصل لك. الهبة لا تُعاقب لأنها جاءت من طريق لا يعجب الناس. الطريق يُبحث في بابه، أما الهبة فتصان في بابها. علاقة البالغين تُناقش في باب المسؤولية، أما الطفل فيُقرأ في باب الخلق. يمكن أن يُقال للكبار: اتقوا الله، تحملوا المسؤولية، لا تهربوا من الحقوق، لا تجعلوا الرغبة بلا ميثاق، لا تظلموا، لا تتركوا طفلًا بلا حماية. لكن لا يجوز أن يُقال للطفل: أنت العار. هذا خلط بين الفاعل ومن لم يفعل، بين الذنب ومن لم يذنب، بين العلاقة ومن جاء بعدها نفسًا مستقلة. إن الذي يصر على تسمية الطفل “ابن زنا” لا يدافع عن القرآن، بل يعصي منطق القرآن في أعمق موضع. إنه يأخذ الطفل من باب الهبة ويدخله في باب الجريمة. يجعل الفعل أباه الأعمق من الخلق. يجعل الوصمة نسبه الأوثق من رحمة الله. يجعل العار هويته قبل أن يتكلم، وقبل أن يختار، وقبل أن يعمل. وهذه ليست لغة دينية؛ هذه لغة عقابية ترتدي ثوب الدين. الدين الذي يجعل النفس لا تحمل وزر غيرها لا يمكن أن يرضى بأن يولد طفل محكومًا عليه بلقب فعل لم يفعله. الدين الذي يجعل الإنسان مكرمًا لا يمكن أن يجعل كرامته معلقة برضا دفتر عائلة. الدين الذي يجعل الولد هبة لا يمكن أن يجعل الهبة فضيحة. وإذا قيل: لكن العلاقة محرمة، قلنا: هذا بحث آخر. لا تهربوا من التفريق. لا تختبئوا خلف الطفل لتثبتوا حكمًا على البالغين. لا تجعلوا أضعف من في المسألة مكانًا لتصريف غضبكم الأخلاقي. إن كان هناك فعل يحتاج إلى توبة، فباب التوبة للكبار. إن كان هناك حق ضائع، فباب المسؤولية على من ضيع. إن كان هناك أب هارب، فطاردوا مسؤوليته لا اسم الطفل. إن كان هناك مجتمع أغلق باب النكاح، فحاسبوا البنية لا المولود. أما الطفل فلا يدخل أصلًا في باب التوبة من فعل لم يرتكبه. هو ليس ذنبًا يبحث عن مغفرة. هو هبة تبحث عن حماية. هنا تظهر قسوة المدونة حين تتحول إلى حاكم فوق القرآن. فالمدونة لا تكتفي أحيانًا بأن تنقل خبرًا، بل تصنع قاموسًا. والقاموس يصنع العالم. حين تقول لطفل: “لقيط”، فأنت لا تصف وضعًا قانونيًا فقط، بل تصنع إحساسًا بالنبذ. حين تقول له: “ابن زنا”، فأنت لا تخبره بشيء عن الماضي، بل تضع الماضي في عظامه. حين تقول لبنت: “لا أصل لك”، فأنت لا تناقش نسبًا، بل تقطعها من أصلها الإلهي وتجعلها تنتظر إذن المجتمع كي تكون إنسانة كاملة. وحين تقول: “العرق دساس”، فأنت تلغي العمل، والتقوى، والاختيار، والحرية الأخلاقية، وتعيد الإنسان إلى جاهلية الدم. ما معنى “لا أصل لها”؟ من الذي قال إن أصل الإنسان هو اعتراف الناس به؟ أليس أصلها أن الله خلقها؟ أليست داخلة في **ولقد كرمنا بني آدم**؟ أليست داخلة في **يهب لمن يشاء إناثًا**؟ أليست نفسًا لا تحمل وزر غيرها؟ أم إن الأصل عندكم ليس الخلق، بل الذكر الذي يعترف، والعائلة التي تقبل، والمجتمع الذي يرضى، والمدونة التي تسمح؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنتم لم تجعلوا الله مصدر الكرامة، بل جعلتم المجتمع مصدرها. وهذا ليس توحيدًا في الرؤية؛ هذا شرك اجتماعي خفي، يترك اسم الله على اللسان، ويجعل حكم الناس على القلب. والأشد مرارة أن الأنثى تدفع الثمن مضاعفًا. القرآن يبدأ بالإناث في آية الهبة: **يهب لمن يشاء إناثًا**. هذا التقديم وحده صفعة على وجه كل ذاكرة ترى الأنثى نقصًا. ومع ذلك تأتي المجتمعات فتجعل البنت المولودة في ظرف غير معترف به اجتماعيًا موضوعًا لعارين: عار كونها أنثى في ثقافة لا تزال تحمل بقايا الجاهلية، وعار الظرف الذي لم تختره. فإذا أرادت الزواج، لا تُسأل عن قلبها، ولا عقلها، ولا صدقها، ولا عملها، ولا تقواها، بل تُسأل عن “أصلها”. وكأن الزواج لم يعد مودة ورحمة، بل صار لجنة تفتيش في الدم. أي دين هذا الذي يجعل البنت تحمل تاريخًا لم تصنعه؟ أي فقه هذا الذي يجعل طفلة تكبر وهي تشعر أن جسدها كله اعتذار؟ أي ورع هذا الذي يترك الرجل يهرب أحيانًا من المسؤولية، ثم يعلق على المرأة والطفل كل الرايات السوداء؟ أي أخلاق هذه التي تحتاج إلى سحق ضعيف كي تبدو قوية؟ الأخلاق التي لا تنتصر إلا على طفل لم يذنب ليست أخلاقًا، بل قسوة تبحث عن قربان. والفقه الذي لا يعرف أن يضع المسؤولية في موضعها يصبح أداة ظلم، ولو حفظ آلاف الأسانيد. ومن هنا ينبغي أن يُفتح سؤال آخر: لماذا لا تُسأل المدونة كما تسأل الأطفال؟ لماذا يصبح الطفل مطالبًا بأصل اجتماعي كي يُقبل، بينما المدونة لا تُطالب بأصل وثائقي كي تحكم؟ لماذا يُقال للبنت: من أبوك؟ ولا يقال للنص الذي يحطم حياتها: من أين جئت؟ ما شهادتك؟ ما درجة ثبوتك؟ ما رتبتك؟ من منحك سلطة فوق القرآن؟ لماذا تُفحص دماء الأطفال ولا تُفحص أنساب النصوص؟ لماذا يُطالب الإنسان الضعيف بإثبات نسبه، ولا تُطالب السلطة القوية بإثبات شرعيتها؟ القاعدة التي ينبغي أن تقال بلا خوف: **كرامة الإنسان تثبت بخلقه، أما سلطة النص فتثبت بوثيقته**. الطفل لا يحتاج إلى إسناد كي يكون كريمًا. لا يحتاج إلى راوٍ كي يكون نفسًا. لا يحتاج إلى تصحيح سند كي يدخل في التكريم. أما المدونة، فإذا أرادت أن تحكم القرآن، وتقيد إطلاقه، وتخصص عمومه، وتعيد تشكيل صورة الله والرسول والمرأة والطفل، فعليها عبء الإثبات. من طلب السيادة فعليه الوثيقة. ومن أراد أن يكون فوق السؤال فعليه أن يثبت قبل ذلك أنه أهل للسؤال أصلًا. لسنا ملزمين بأن نقبل قفزة هائلة من “هذا خبر متداول” إلى “هذا حاكم على القرآن”. ولسنا ملزمين بأن نقبل قفزة من “هذا اسم مشهور” إلى “هذا الاسم يغلق باب الفحص”. ولسنا ملزمين بأن نقبل أن الشهرة وثيقة، أو أن التلقي المتأخر شهادة ميلاد، أو أن الإجلال المؤسسي عصمة. الشهرة ليست نسبًا. التداول ليس وحيًا. التراكم ليس برهانًا. والهيبة ليست دليلًا. فإذا كانت المدونة تطلب وظيفة كبرى، فلتقدم وثيقة كبرى. أما أن تأتي بنصوص تؤذي معنى القرآن، ثم تمنع السؤال باسم القداسة، فهذه ليست قداسة؛ هذا استحواذ على الشرعية بلا حق. وحين نقول إن بعض الشخصيات الحاكمية وُلدت داخل مختبر لاهوتي، فلا يلزم أن نرسم خيالًا ساذجًا عن غرفة سرية تصنع الرجال. المختبر هنا شبكة: اسم، كتاب، ترجمة، مناقب، شروح، مدارس، خوف، تلقين، إجماع، ثم سلطة. قد يكون هناك شخص في التاريخ. هذا باب. لكن الشخصية التي صارت قفلًا على السؤال باب آخر. البخاري كشخص مسألة تاريخية. البخاري كأيقونة مسألة لاهوتية. البخاري كسلطة تجعل “الصحيح” يقف فوق صريح القرآن بناء مؤسسي يجب تفكيكه. والترمذي، ومسلم، وغيرهم، لا يُناقشون هنا كأفراد نريد شتمهم، بل كأسماء حاكمية اكتسبت صلاحيات فوق ما تسمح به رتبة الخبر. المدافع عن هذه الحاكمية يظن أنه يحمي النبي، لكنه كثيرًا ما يحمي صورة أرشيفية من أن تُعرض على النبي القرآني. يظن أنه يحمي السنة، لكنه يحمي رواية من أن تُحاكم إلى الكتاب. يظن أنه يحمي الدين، لكنه يحمي نظامًا جعل الدين يعمل عبر أبواب صنعها الناس. ومن هنا تأتي الجملة الفاصلة: لسنا نحاكم النبي بالرواية، بل نحاكم الرواية بمقام النبي والقرآن. النبي لا يحتاج إلى رواية تجرح رحمته كي يثبت. والنبي لا يُدافع عنه بجعل القرآن تابعًا لأرشيف متأخر. من أحب الرسول حقًا لم يجعل كل ما نُسب إليه فوق الفحص، بل حفظ مقامه من أن يلبسوه ما لا يليق به. وحين تُنسب إلى الرسول قسوة على طفل بريء، أو وصمة على بنت لم تختر، أو احتقار لإنسان بسبب ظرف ولادته، فإن السؤال ليس: هل تجرؤ على رد الرواية؟ بل السؤال: كيف تجرؤ على قبول صورة تصادم القرآن ثم تسميها دفاعًا عن النبي؟ الجرأة ليست في فحص المدونة. الجرأة الحقيقية، الجرأة الوقحة، هي أن تجعل المدونة حاكمة على القرآن، ثم تتهم من يعود إلى القرآن بأنه يطعن في الدين. الجرأة أن تجعل خبرًا ظنيًا يقف فوق أصل قطعي في الرحمة والعدل. الجرأة أن تجعل وسيلة بشرية تقول للهبة: أنت عار. وهذا هو إيذاء الله ورسوله والمؤمنين من جهة الوظيفة والأثر. الله لا يضره أحد، تعالى عن ذلك، لكن صورة الله في وعي الناس تُشوَّه حين يُنسب إلى دينه ما يصادم رحمته. والرسول يُؤذى مقامه حين تُلصق به قسوة لا تليق بالرحمة التي جاء بها. والمؤمنون يُؤذَون حين يُربَّون على الخوف والوصم والعار بدل الهداية والسكينة. والطفل يُؤذى حين يكبر وهو يظن أن الله نفسه ينظر إليه كما ينظر إليه الناس. هذه هي الجريمة الروحية: أن تجعل المظلوم يظن أن الله طرف في ظلمه. ولذلك يجب أن يقال لمن عاش هذا الجرح: لست خطأً في الكون. لست فضيحةً تمشي. لست ابن عار. لست بلا أصل. أصلك الأول أن الله خلقك. وأصل كرامتك أن الله كرم بني آدم. وأصل براءتك أن الله قال: لا تزر وازرة وزر أخرى. وأصل وجودك أن الله يهب لمن يشاء. ما فعله الكبار، وما عجز عنه المجتمع، وما أهملته الدولة، وما قسته العائلة، وما أطلقته المدونة من ألقاب، لا يملك أن يكون الكلمة الأخيرة عليك. قد يحمل جسمك النفسي علامة جرح قديم، وقد تكون كبرت وأنت تشعر أن عليك أن تعتذر عن وجودك، لكن القرآن لا يطلب منك اعتذارًا عن خلق الله لك. القرآن لا يقول لك: اذهب واثبت أنك تستحق الكرامة. القرآن يبدأ من أنك مكرم، ثم يدعوك إلى أن تعيش مسؤوليتك مثل كل إنسان. الهبة الإلهية لا تعني أن كل ظرف ولادة كان صوابًا من جهة أفعال البالغين. لا ينبغي أن نكذب باسم الرحمة. الرحمة ليست تزيينًا للخطأ. القرآن لا يعلن الخطأ صوابًا، لكنه يمنع الخطأ من أن يملك الكلمة الأخيرة. قد يكون الطريق ناقصًا، لكن الهبة لا تصبح ناقصة. قد يكون الفعل محتاجًا إلى توبة، لكن الطفل ليس محتاجًا إلى توبة من وجوده. قد يُحاسب البالغون، لكن المولود لا يُحاكم. قد تُنظم الحقوق والنسب والتوثيق، لكن التنظيم لا يجوز أن يتحول إلى إذلال. وقد يُحرم صالحون من الإنجاب دون أن يكون ذلك إهانة، كما قد يولد طفل في ظرف مضطرب دون أن يكون عارًا؛ لأن العطاء والمنع اختباران، لا مقياسان آليان للرضا والغضب. هنا يتجلى الكرم الإلهي: الله لا يترك خطأ البشر يبتلع الحياة. من ظرف ناقص قد يخلق نفسًا كاملة الكرامة. من هشاشة قد يخرج إنسانًا صالحًا. من ألم قد يفتح بابًا إلى رحمة. من ماضٍ ثقيل قد يخلق مستقبلًا أخف. أما المجتمع القاسي فيريد أن يجعل الماضي قفصًا، والظرف قدرًا، واللقب مصيرًا. القرآن يكسر هذا القفص. يقول للإنسان: أنت مسؤول عما تفعل، لا عما فُعل قبلك. قيمتك في مسارك، لا في ملف ولادتك. كرامتك من الله، لا من اعتراف من آذاك. لكن لا تكتمل الصورة دون محاكمة المجتمع الذي صنع الأزمة. من السهل أن يعظ الناس بالعفة بعد أن يغلق باب النكاح. من السهل أن يقول للشباب: اصبروا، ثم يجعل الزواج مشروعًا ماليًا مرعبًا. من السهل أن يرفع راية “الحلال” بينما يجعل طريقه طبقيًا، مكلفًا، خانقًا، معقدًا. القرآن لم يفعل ذلك. القرآن قال: **وأنكحوا الأيامى منكم** قبل أن يقول: **وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا**. أي أن المجتمع مأمور بالتيسير قبل أن يطالب الفرد بالصبر عند العجز. أما أن يلغي المجتمع واجبه، ثم يحتفظ بحق الجلد الأخلاقي، فهذا بتر للآية وقلب للمسؤولية. حين تصبح المهور استعراضًا، والحفلات سوقًا للمكانة، والسكن شرطًا يعجز عنه الشباب، والطلاق سجنًا أو حربًا، والتوثيق متاهة، والأسرة سلطة تعطيل، والدولة باردة أمام هشاشة الناس، فإننا لسنا أمام “تعذر طبيعي” فقط، بل أمام تعذير مصنوع. أي أن النظام البشري أغلق ما أراد القرآن تيسيره. ثم إذا ظهرت علاقات مضطربة، أو مواليد بلا حماية كافية، أو نساء متروكات، أو رجال هاربون، يأتي المجتمع كأنه بريء، ويبحث عن أضعف طرف ليعلّق عليه الراية السوداء: الطفل. هذه ليست أخلاقًا؛ هذه وقاحة بنيوية. ومع ذلك، لا يصح أن تُستعمل هذه الحقيقة لإلغاء الميثاق. لا نقول إن كل علاقة تصبح زواجًا لأن الظروف صعبة. ولا نقول إن الرغبة وحدها تكفي. النكاح في القرآن ميثاق، لا لقاء عابر. مسؤولية، لا استهلاك. إعلان وحفظ حقوق، لا سرية تستعمل الجسد ثم تهرب. لكن بين الفوضى والقسوة طريق ثالث: أن نعيد الزواج إلى جوهره القرآني، سكنًا ومودة ورحمة وميثاقًا ممكنًا، لا امتيازًا ماليًا ولا سجنًا قانونيًا. وأن نفرق بين حكم الفعل، وظروف الفاعل، وحقوق الطفل. هذه الثلاثة إذا اختلطت وقع الظلم. قد يكون فعل بالغين خطأ. وقد تكون مسؤوليتهما متفاوتة بحسب القدرة والضغط والمانع والنية والواقع. وقد يكون المجتمع شريكًا بإغلاق الطريق. لكن الطفل، في كل الأحوال، ليس طرفًا في الذنب. حقوقه ليست جائزة تمنح عند رضا الناس. كرامته ليست ملحقًا بعقد لم يوقعه. حمايته ليست منّة من المجتمع. هو نفس. والقاعدة هنا كالسيف: لا يوجد في القرآن طفل يرث ذنبًا لم يفعله. من قال بغير ذلك، فليأت بقرآنه. أما أن تأتي المدونة وتضع ثقلها على صدر الآية حتى لا تتنفس، فهذا هو الاستحواذ على الشرعية. واللغة يجب أن تُطهَّر. لا يكفي أن نقول: لن نؤذي الطفل، ثم نبقي قاموس الإيذاء يعمل. كلمة “لقيط” بمعنى العار يجب أن تُكشف. كلمة “ابن زنا” يجب أن تُحاكم. عبارة “لا أصل له” يجب أن تُطرد من خطاب الكرامة. “العرق دساس” يجب أن تُفضح كجاهلية مغلفة. نحتاج قاموسًا قرآنيًا: مولود، طفل، نفس، إنسان، هبة، مكرم، صاحب حق. إن اللغة ليست زينة على الواقع؛ اللغة تصنع جدران الواقع. من سماك عارًا بنى حولك سجنًا. ومن أعاد تسميتك هبة فتح لك نافذة. وهنا لا بد من لمسة الحكمة التي تمنع الغضب من أن يتحول إلى عمى. لا نحاكم قلوب الناس. كثيرون ورثوا هذه الألفاظ ولم يخترعوها. كثيرون ظنوا أنهم يحفظون الدين وهم يحفظون قسوة قديمة. كثيرون يخافون من فتح السؤال لأنهم تربوا على أن السؤال خيانة. لكن الحكمة لا تعني الاستسلام. الرحمة بالناس لا تعني الرحمة بالمنظومة حين تسحق الضعفاء. نفرق بين شخص جاهل يحتاج إلى تعليم، ومنظومة حاكمة تحتاج إلى تفكيك. نفرق بين فقيه اجتهد في زمنه، وبين استعمال قوله كسوط أبدي. نفرق بين خبر يُدرس، ومدونة تستولي على مقام القرآن. الحكمة تقول: لا تجعل نقد المدونة كراهية للناس. والغضب العادل يقول: لا تجعل حب الناس ذريعة لترك المدونة تطحنهم. الحكمة تقول: لا تدّعِ أكثر مما تستطيع إثباته. والغضب العادل يقول: لا تسمح لمن لا يثبت سلطته أن يسحق الهبة. الحكمة تقول: افصل بين الفعل والفاعل والطفل. والغضب العادل يقول: من خلطها ليهين الطفل، فقد ظلم. الحكمة تقول: افتح باب التوبة للكبار. والغضب العادل يقول: لا تجعل التوبة المطلوبة منهم وصمة على الطفل. إن من يجعل المدونة حاكمة على القرآن سيغضب من هذا الكلام، لا لأنه ضعيف الحجة فقط، بل لأنه يسحب منه أداة السيطرة. هو يريد قرآنًا في التلاوة ومدونة في الحكم. يريد آيات الرحمة في الخطب، وأحكام القسوة في الواقع. يريد أن يقول: ذلك الكتاب لا ريب فيه، ثم يجعل “لا ريب” تعمل في مكان آخر. يريد أن يبقى القرآن شاهدًا رمزيًا على سلطة ليست له. لذلك يستفزه السؤال: أين رتبة القرآن؟ أين حق القرآن في تسمية الإنسان؟ أين حق الهبة أن تُقرأ من آية الهبة لا من قواميس العار؟ أين حق الطفل أن يدخل إلى الحياة من باب “يخلق ما يشاء” لا من باب “العرق دساس”؟ ليغضب من يغضب. ليست المشكلة في غضبه، بل في السبب الذي يغضبه. إن كان يغضب لأن القرآن عاد إلى المركز، فليفتش عن إيمانه بمركزية القرآن. إن كان يغضب لأن الرواية صارت خبرًا تابعًا لا أصلًا حاكمًا، فليفتش عن الرتبة التي منحها للرواية. إن كان يغضب لأن الطفل لم يعد قربانًا على مذبح النسب، فليفتش عن جاهليته. وإن كان يغضب لأن كلمة “لقيط” عادت لتُسأل هي ومن صنعها، فليعلم أن زمن الألفاظ التي تجرح باسم الدين يجب أن ينتهي. ليس الطفل هو اللقيط. هذه هي الجملة التي ينبغي أن تُكتب على باب كل فقه جديد للهبة. الطفل لا يمكن أن يكون لقيطًا في عين القرآن وهو داخل الخلق. لا يمكن أن يكون بلا أصل وهو مخلوق لله. لا يمكن أن يكون عارًا وهو هبة. لا يمكن أن يكون حامل ذنب وهو لم يفعل. لا يمكن أن يكون أقل إنسانية لأن الكبار فشلوا في ترتيب علاقتهم، أو لأن المجتمع فشل في فتح طريق النكاح، أو لأن الدولة فشلت في حماية الحقوق، أو لأن المدونة فشلت في رؤية الرحمة. أما المدونة، فهي التي تُسأل. لا من باب الشتيمة، بل من باب العدل. أنتِ التي تطلبين سلطة، فأين وثيقتك؟ أنتِ التي تسمين الناس، فمن سمّاك؟ أنتِ التي تقيدين القرآن، فمن أعطاك هذا الحق؟ أنتِ التي ترفعين الرواية إلى مقام الحاكمية، فأين إثباتك بقدر سلطانك؟ أنتِ التي جعلتِ الطفل عارًا، فأين وقوفك أمام آية الهبة؟ أنتِ التي جعلتِ البنت “لا أصل لها”، فأين أنت من “ولقد كرمنا بني آدم”؟ أنتِ التي جعلتِ الدم دساسًا، فأين أنت من أن أكرم الناس أتقاهم؟ الجواب الأخير لمن جُرح بهذا الملف: لا تسمح للقب قديم أن يصير نبيًا كاذبًا في داخلك. لا تسمح لصوت عائلة، أو مجتمع، أو شيخ، أو مدونة، أو زميل، أو خاطب جاهل، أن يملك حق تعريفك أكثر من القرآن. أنت لست الجملة التي قالوها عنك. لست الهمسة التي طعنتك. لست الملف الذي أخفوه. لست السؤال الذي تهربوا منه. أنت نفس. وقد يكون في داخلك ندبة، نعم، لكن الندبة ليست عارًا؛ إنها شاهد على ظلم تجاوزته، أو تحاول تجاوزه. والقرآن لا يأتي ليزيد الندبة ملحًا، بل ليقول لك: لا تحمل وزر غيرك. لا أحد يملك أن يقول لهبة الله: اعتذري عن وجودك. لا أحد يملك أن يقول لطفل: كان ينبغي ألا تكون. لا أحد يملك أن يقول لبنت: أنت ناقصة الأصل. من فعل ذلك فقد اعتدى على معنى الخلق قبل أن يعتدي على الشخص. فليُبحث فعل البالغين في موضعه، وليُفتح باب التوبة والمسؤولية، وليُلزم الأب بحقوقه، ولتُحمَ الأم من الشيطنة، وليُصلَح المجتمع الذي جعل النكاح متاهة، ولتُفحص المدونة التي رفعت نفسها فوق القرآن. أما الطفل، فليُترك في مقامه الذي وضعه القرآن فيه: هبة. والخلاصة الجامعة: القرآن لا يبرر الخطأ، لكنه يمنع الخطأ من أن يصير قدرًا أبديًا على بريء. القرآن لا يلغي النكاح، لكنه لا يجعل النكاح مصدر كرامة الطفل الوجودية. القرآن لا يهمل الحقوق، لكنه لا يحول الحقوق إلى سلاح إذلال. القرآن لا يقدس الفوضى، لكنه لا يسمح لمنظومة ظالمة أن تغلق باب الرحمة ثم تعاقب الضحايا باسم العفة. القرآن لا يحتاج إلى مدونة كي يتعلم الرحمة؛ المدونة هي التي تحتاج إلى القرآن كي تنجو من قسوتها. فمن هو اللقيط؟ ليس الطفل الذي خلقه الله. ليس البنت التي قال عنها الله ضمنًا: هبة. ليس المولود الذي لا يحمل وزر غيره. ليس الإنسان الذي كبر بعلامة جرح في جسمه النفسي. ليس من احتاج إلى كلمة رحمة بعد أن طعنته كلمات الناس. اللقيط، في ميزان الحاكمية والوثيقة، هو كل خطاب لا أصل قرآنيًا له ثم يطلب أن يحكم القرآن. كل مدونة لا تثبت سلطتها ثم تتسلط على الهبة. كل قاموس يخرج من رحم القسوة ثم يسمي نفسه دينًا. كل ذاكرة تستولي على مقام “لا ريب فيه” ثم تطعن من يعود إلى الكتاب. كل نظام يسأل الطفل عن نسبه ولا يجرؤ أن يسأل نفسه عن شرعيته. أما الطفل، فليس لقيطًا. الطفل هبة. والهبة لا تُهان.