المساء اليوم - تطوان: تحولت المناطق القروية المجاورة لمدينة تطوان، المطلة على عمالة فحص أنجرة، إلى نموذج خطير للفوضى وتدمير البيئة واحتقار السكان، في ظاهرة فريدة من اقتصاد الريع الذي يدر الملايير على أصحابه، ويحول حياة عشرات الآلاف من السكان إلى جحيم. وبشكل غير مسبوق، توجد الكثير من المقالع في واحدة من المناطق الطبيعية الأكثر روعة بشمال المغرب، أي تلك التي توجد بين طنجة وتطوان، في منطقة الحوز وتغرمت بإقليم تطوان، وهي مناطق كان يجب أن تكون مناطق محمية بموجب قوانين وطنية ودولية. ولا تقيم هذه المقالع أدنى اعتبار لعشرات الآلاف من السكان بالمنطقة، حيث لا تتخذ أية إجراءات احتياطية للوقاية من الأضرار الناتجة عن تهشيم جبال من الحجارة، التي تعتبر نادرة ويعد عمرها بمئات الملايين من السنين. وفي قرية "بلشقرش" مثلا، يجري تحطيم الأحجار في المقلع المحاذي للقرية من دون أية إجراءات خاصة، وهو ما يدفع أطنانا من الغبار يوميا نحو القرية ونحو منطقة الحوز وأنجرة، مما يعرض السكان لأضرار صحية جسيمة. غير أن المثير هو أن هذا المقلع في مدشر بلشقرش يوجد على مقربة من أهم سد بالمنطقة، وهو سد مولاي المهدي، الذي يزود المنطقة، وأيضا جزءا من طنجة وتطوان بمياه الشرب، ويعتبر لا غنى عنه لحماية مناطق شاسعة من الجفاف. وفي حالة هبوب رياح قوية، وهي معتادة في المنطقة، فإن الغبار الكثيف الناتج عن الأشغال في مقلع بلشقرش وغيرها من مقالع المنطقة، يتوجه مباشرة إلى السد، وهو ما يعتبر كارثة بيئية حقيقية. كما أن الرياح تنقل كميات هائلة من الغبار من مقالع الحوز إلى منطقة خميس أنجرة وباقي مناطق عمالة فحص أنجرة، وهو ما يعتبر كارثة بيئية بمقاييس عالمية. ورغم أن هذا يجري أمام عيون الجميع، بما فيها السلطات ومصالح المياه والغابات والإدارة المشرفة على السد والمجالس المنتخبة والجمعيات المهتمة بحماية البيئة، إلا أنه لا أحد تحرك من أجل حماية هذه المنطقة، المتفردة جماليا وبيئيا، من المخاطر الكبيرة المحدقة بها بسبب هذه المقالع المتوحشة. وبالإضافة إلى هذه الأضرار البيئية والصحية البادية للعيان، فإن المقالع في المنطقة تتسبب أيضا في أضرار كارثية للمياه الجوفية، بسبب تدميرها للفرشات المائية السطحية والجوفية، وأيضا بسبب تسرب كميات كبيرة من الغبار نحو هذه الفرشات التي تجد طريقها إما إلى السد، أو مباشرة إلى منازل السكان، وأيضا الحيوان. كما أن هناك أضرارا كبيرة تلحق بالمنطقة بشكل عام وتدمر مستقبلها بشكل ممنهج، وهو ما سنعود إليه بالتفصيل في مواضيع لاحقة. ويبدو أن هذا الوضع الكارثي لا يثير أي أحد، وهو ما يعني وجود تواطؤات خطيرة تجعل من مستقبل المنطقة مسألة على قدر كبير من الخطورة، بحيث يمكن لهذه المقالع أن تدمر الحياة بهذه المناطق بشكل كامل، بما في ذلك القضاء على الزراعة وتدمير الحقول والقضاء بشكل نهائي على الكثير من مظاهر الحياة البرية، بما فيها إبادة النحل، مع ما يعنيه ذلك من مخاطر كبيرة جدا.