سبتـــة: رجاء.. انسوا هذه المدينة الملعونة..!

عبد الله الدامون

 

 

من الناحية القانونية، كان على إسبانيا أن تستقبل نصف من اقتحموا المدينة مؤخرا وتوزعهم على عدد من المدن الإسبانية، وفق الحكم الذي أصدرته مؤخرا المحكمة العليا الإسبانية.

لكن سبتة مدينة غير جدية على الإطلاق، ليس في موضوع الهجرة فقط، بل حتى في وضعها القانوني والجغرافي والتاريخي. إنها مدينة متعبة لإسبانيا والمغرب على حد سواء. مدينة مصابة بلعنة ما.

 

 

سبتة، التي تعتبرها إسبانيا جزءا لا يتجزأ من أراضيها، تعيش فقط بفضل المغرب، الماء من المغرب والخبز من المغرب والمال من المغرب، وحتى أكباش عيد الأضحى من المغرب، إذا وضعنا في الاعتبار أن نصف سكان المدينة مسلمون، أي مغاربة بصريح العبارة.

 

 

هناك رغبة عميقة لدى كل السياسيين الإسبان، من اليمين واليسار والوسط، وهي أن يستيقظوا يوما ليجدوا سبتة غرقت في البحر، لكي يرتاحوا من ضجيجها وتعبها.

 

 

لكن المشكلة أن سبتة هي التي تغرفهم في البحر، وتغرق معهم الكثير من الحالمين بالهجرة، آخرهم المائة جثة التي ابتلعها البحر في عملية الاقتحام الغبية.

 

 

قبل سنوات طويلة، قال جوردي بوجول، ثعلب السياسة الكاتالوني، إن المغرب ربما لا يبذل محاولات جدية لاستعادة سبتة لأنه يستمتع بوجود أوربا قريبة جدا منه. ولو قدر لهذا السياسي أن يضيف تصريحا آخر لشبه سبتة حاليا بمضيق هرمز..!

 

 

على مدى قرون طويلة من الاحتلال الإسباني لسبتة ظل المغرب يتعامل مع هذه المدينة الصغيرة كونها لا تستحق الكثير الجدية. ربما لأن وضعها كمدينة محتلة قد ينفع أكثر مما يضر.

 

 

خلال كل هذا المدة الطويلة من الاحتلال، كانت هناك أيضا محاولات غير جدية لاستعادة المدينة. ففي عهد السلطان مولاي إسماعيل، خضعت المدينة لحصار دام أزيد من ثلاثين عاما، وتبدو هذه المدة طويلة جدا بالمقارنة مع مساحة المدينة وبعدد سكانها الذين كانوا دائما مستعدين لركوب القوارب ومغادرتها حين تأتي ساعة الجد.

 

 

خلال فترة “الحصار الإسماعيلي” صارت عملية الحصار مجرد وسيلة لكسب لقمة العيش لكثير من المُحاصِرين، وتحول الحصار إلى مهنة، ولو أن المحاصِرين كانوا يتوفرون على بطاقة تعريف وقتها لكتبت عبارة “مُحاصر” في خانة المهنة.

 

 

بعدها انفض الحصار وبقيت سبتة، كما كانت دائما، تعيش بفضل تزويدها بكل شيء تقريبا من المغرب..!

 

 

وفي عام 1578، أعطى المغاربة “سلخة” تاريخية للبرتغال في معركة وادي المخازن، وهام الجنود البرتغاليون الناجون يبحثون عن ملاذ في أي مكان، وكان بإمكان المغاربة أن يزحفوا مباشرة إلى سبتة، التي لا تبعد سوى بمائة كيلومتر عن مكان المعركة بين أصيلة والقصر الكبير، لكن ذلك لم يحدث..!

 

 

والمثير أن دولة البرتغال بنفسها اختفت بعد المعركة، وألحقها التاج الإسباني به بعد مقتل ملكهاالشاب سباستيان في وادي المخازن، لكن البرتغال اختفت وسبتة بقيت..!

 

 

هذا يشبه، إلى حد ما، بما وقع بعد معركة “أنوال” سنة 1921، حين سلخ المغاربة الإسبان في معركة مبهرة، لكن محمد بن عبد الكريم الخطابي رفض الزحف نحو مليلية وسبتة لاستعادتهما. ربما شفقة منه على مدينتين “أوربيتين” تؤنسان عزلة المغرب وقتها..!

 

 

المغرب لم يكتف فقط بالتعامل مع سبتة كونها مدينة لا تستحق الكثير من الحزم، بل منحها قبلة الحياة لسنوات طويلة جدا عندما حولها من مدينة مغربية تحتلها إسبانيا إلى مدينة إسبانية تحتل المغرب، ففتحت سبتة أسواقها الخاصة في كل مدينة مغربية، زمن التهريب المعاشي، وأصبحت سلع سبتة “المُهرّبة” أمام عيون السلطات، تحتل كل بيت مغربي من وجدة إلى الكويرة..!

 

هكذا احتلت مدينة مساحتها 19 كيلومترا مربعا وبأقل من مائة ألف من السكان بلدا تقارب مساحته المليون كلم مربع وبقرابة 40 مليون من الأنفس، بالإضافة إلى ما كان يحدث في نقطة العبور من مذلة غير مسبوقة.

 

 

سبتة أيضا هي مدينة العصابات والمنحرفين، وكنا نتمنى لو أن “تلفزيون فيصل العرايشي” اشترى حقوق بث المسلسل التلفزيوني الشهير “إيل برينسيبي”، لكي يفهم المغاربة أكثر طبيعة هذه المدينة التي ضحى الكثيرون بأرواحهم لاقتحامها، بينما هي لا تستحق لدغة بعوضة من أجلها.

 

 

وعلى ذكر “إيل برينسيبي”، فهو حي تسكنه أغلبية ساحقة من ذوي الأصول المغربية، وعدد منهم ظهروا في فيديوهات وهم يمسكون مسدسات وهراوات للتنكيل بالشباب والقاصرين المغاربة الذين اقتحموا المدينة مؤخرا.. من بينهم نائب برلماني “إسباني” اسمه نبيل رحال..!

 

 

وعلى ذكر عملية الاقتحام، لم يفهم الكثير من الإسبان، سواء في سبتة أو مدن شبه الجزيرة الإيبيرية، كيف أن عددا كبيرا من المقتحمين يتوفرون على هواتف “آيفون” آخر موديل ولديهم حسابات على الإنستغرام بصور يظهرون فيها داخل سيارات فارهة أو يقضون عطلهم في مسابح أنيقة..! فالاقتحام كان قضية حياة أو موت للكثيرين، وكانت أيضا مسألة تسلية وطرد للملل، أو حتى إثبات للرجولة، لكثيرين آخرين.

 

 

سبتة التي لا تملك الكثير مما تقتات به بعد إقفال “باب المذلة”، اكتشفت سريعا نعمة الجوار الجغرافي مع المغرب، وفتحت نفق حشيش يمر مباشرة تحت المعبر الحدودي، بتواطؤ بين مسؤولين سياسيين وأمنيين بالمدينة، وتم تهريب كميات هائلة من الحشيش إلى أوربا عبر شاحنات تمر مباشرة من ميناء سبتة، تحت عيون وأبصار الشرطة الإسبانية والحرس المدني..!

ألم نقل إن سبتة مدينة غير جديّة على الإطلاق..!؟

 

 

ربما لم نكن لنخسر الكثير في عملية اقتحام سبتة لولا كل هذه الجثث البريئة في قاع البحر، والتي لا تستحق إطلاقا هذا المصير المحزن.. المحزن جدا جدا.

 

 

في اقتحام سبتة خسرنا شيئا آخر، وهو سمعتنا التي بنيناها حجرا حجرا على مدى سنوات، ولعب المنتخب المغربي لكرة القدم دورا كبيرا في بناء سمعة بلد يسير بقوة نحو تحديث نفسه ويرسم مستقبله بكثير من الحزم، فجاءت عملية الاقتحام لكي ترسم لنا صورة بلد من “الزومبي”، كما قال سياسي أمريكي مندهش مما جرى..!

 

 

ما جرى لم يكن يجب أبدا أن يحدث. أما سبتة، مثلها مثل مليلية، فستعود يوما إلى السقوط في يد المغرب مثل أية ثمرة ناضجة، وقد تتوسل إسبانيا للمغرب باستعادتها، وهذا ليس من باب الخيال السياسي، فانتظروا فقط ما سيحدث يوما…!

 

وقبل أن يحدث ذلك، رجاء.. انسوا هذه المدينة الملعونة.. إننا نحس أن 40 مليون مغربي غرقوا تحت مياه سبتة..!

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )