المساء اليوم - هيئة التحرير: رفض النواب المحترمون، أو الكثير منهم، إنشاء لجنة تحقيق في ملف الدعم "الخرافي" الذي قدمته الدولة لمستوردي الأغنام بعد نكسة عيد الأضحى الماضي، ومعها أعياد سابقة. يجب أن نقبل بقواعد الديمقراطية كما هي متعارف عليها مغربيا، أي أن ممثلي الشعب رفضوا التحقيق في ملف خطير أضر كثيرا بالشعب.. إنها خصوصية مغربية بامتياز. قد يكون النواب الرافضون لمبدأ التحقيق أكثر تعقلا من ملايين المغاربة، أي أن السكاكين "دازت" على عنق الأضاحي وانتهى الأمر، ولا معنى لسفك المزيد من الدماء، أو كما قال بنكيران يوما.. "عفا الله عما سلف"..! ما جرى في قضية دعم الفراقشية يعتبر في علم الإجرام "جريمة كاملة"، أي أن الجريمة ثابتة والضحية موجود وأداة الجريمة متوفرة والشهود حاضرون، لكن المجرم خارج المتابعة. عموما فإن تحكيم العقل يقتضي رفض إنشاء لجنة تحقيق، فنحن على أعتاب المونديال، ومع المونديال سينسى الناس سريعا ما جرى في عيد الأضحى، وستنسيهم الكرة المدوّرة دوّارة الكبش التي حُرم الكثيرون منها، ولمثل هذه الأسباب وُجدت كرة القدم. في أي بلد في العالم، حتى لو كان متخلفا جدا، يعتبر ما جرى، ليس فقط شتيمة في حق شعب بكامله، بل سبّة في حق القوانين والأعراف والمؤسسات والدين والدنيا. لكن الأشياء عندنا تجري بمنطق مختلف، حيث أن فضيحة بهذه المقاييس تمر أمام عيوننا وكأنها سراب عابر وينتهي كل شيء في انتظار فضيحة أفظع في عيد الأضحى المقبل.. وربما في كل الأعياد المقبلة.. ويا لها من أعياد..! لكن ما حدث، لا يعتبر فقط فضيحة بمعايير عالمية، بل هو إنذار خطير بأن الدولة كلها، بهيبتها وهديرها، استقالت من مهامها وعجزت تماما عن حماية مواطنيها، ليس ضد عدو خارجي، بل ضد طابور خامس يفعل بالمغاربة ما لا يفعله كل الأعداء الخارجيين مجتمعين. لن ندخل في نظرية المؤامرة، ونردد مع المرددين أن ما حدث له أبعاد متشابكة وغريبة، لكننا سنكتفي بالقول، وبسذاجة، أن لوبي الفراقشية صار متنمرا أكثر من اللازم، وأن هذا اللوبي صار يتحكم في الحكومة والبرلمان ويردد مع شيوخ الطرب الأندلسي لازمة "إنْ يشا شئتُ.. وإن شئتُ يشا"..! في القلب غصة، ليس فقط بسبب كبش العيد وما تعرض له المغاربة من انقلاب الفراقشية، بل لأن هؤلاء المغاربة الذين لم يستطع الكثير منهم شراء أضحية العيد، يتعرضون لنكسات يومية في لقمة عيشهم، بدءا باللحم الذي نستورده من كل مكان، وانتهاء بالخضر والفواكه التي ينتجها "المغرب الأخضر" وتباع في أسواق دكار ونواكشوط وأبيدجان بأسعار أرخص من أسواق المغرب. والذين يملكون شفرة هذه المعادلة العجيبة يمكنهم أن يقدموا لنا تفسيرا وينقذوننا من غبائنا. أحيانا، وفي عز سخريتنا من أنفسنا، نعتقد أن الدعم الذي تسلمه الفراقشية لاستيراد اللحوم والأكباش، ربما خصصوه لاستيراد الدراجات النارية، وربما لهذا السبب نسمع الحكومة تقول إن العرض يفوق الطلب، وأن القطيع متوفر بغزارة، وهم، ربما يتحدثون عن قطيع الدراجات النارية التي تحولت إلى وباء جامح على الطرقات المغربية، وتم بالفعل توفير دراجة لكل مواطن، بينما كنا نعتقد واهمين أنهم يتكلمون عن الحْوالا. هناك نظرية أخرى قد تساعدنا على فهم ما جرى، وهو أن لوبيات الفراقشية تقول إذا كان العاطلون في البلاد يشترون دراجة نارية بخمسة عشر ألف درهم، وآباء وأمهات يقترضون لشراء دراجات يعربد بها أبناؤهم على الطرقات، فلم لا ينفقون نصف أو ربع هذا المبلغ لشراء أضحية يملؤون بها معداتهم..!؟ إنه تساؤل يبدو منطقيا إلى حد كبير. عموما.. اعذروا جهلنا وسذاجتنا وقلة حيلتنا. الخطأ خطؤنا لأننا لم نعد نفهمكم، ويبدو أنها لن نفهمكم أبدا..!