الخبر يبحث عن المسؤول.. والمسؤول يجلس أمام الخبر..!

ياسين الطالبي

 

ثمة مشاهد لا تحتاج إلى كاتب ساخر كي تصبح سخرية، لأن الواقع، حين يبالغ في العبث إلى الحد الكافي، يعفي الكاتب من اختراع النكتة ويترك له فقط مهمة تدوينها، ومن هذه المشاهد التي يصعب على الخيال السياسي أن يتجاوزها أن تستيقظ دولة على واحدة من أعنف أزماتها الاجتماعية والإنسانية، وأن تمتلئ الشاشات بصور مواطنيها وهم يركضون نحو حدود بلد آخر، بعضهم جاء بما يرتديه، وبعضهم ترك وراءه مركبة أو دراجة أو متاعًا لم يعد له وزن أمام نافذة اعتقد أنها قد تغلق خلال دقائق، وأن تمتلئ نشرات الأخبار بالقتلى والمفقودين والأسئلة والاتهامات، ثم يكتشف المتابع، وسط كل ذلك، أن رئيس حكومة البلد المعني بالأزمة وجد أن التوقيت مناسب لمغادرة البلاد إلى عطلة خاصة في البلد نفسه الذي تدور على حدوده الكارثة، وكأن الجغرافيا السياسية تحولت إلى نوع جديد من الكوميديا السوداء التي لا تحتاج إلى مؤثرات صوتية لأن صوتها يأتي من التناقض ذاته.

 

تخيل بهو فندق في مايوركا، لا باعتباره واقعة موثقة حدثت بالتفاصيل التي سنرسمها، بل باعتباره مسرحًا افتراضيًا يصلح لفهم المفارقة، حيث يجلس نزلاء أنهوا يومهم على الشاطئ، بعضهم يطلب القهوة وبعضهم يقلب هاتفه وبعضهم لا يعرف عن المغرب إلا أنه بلد جميل على الضفة الأخرى من المتوسط، ثم ترتفع فجأة موسيقى الأخبار العاجلة على شاشة معلقة فوق البار، فيظهر اسم سبتة، ثم المغرب، ثم صور الحشود والحدود وسيارات الشرطة والمهاجرين، ويبدأ المذيع الإسباني في شرح أزمة لا يفهم المشاهد بعد حدودها، لكنه يفهم أنها كبيرة بما يكفي لتتصدر النشرة، وبعد دقائق يظهر اسم رئيس الحكومة المغربية ضمن التقرير، فيرفع نزيل رأسه إلى الشاشة، ثم يلتفت ناحية الرجل الجالس على بعد أمتار، ثم يعود إلى الشاشة، ثم إلى الرجل مرة أخرى، في تجربة بصرية ربما تحتاج إلى طبيب عيون لا إلى محلل سياسي، لأن العقل البشري لم يُصمم أصلًا لمعالجة مشهد يكون فيه المسؤول عن إدارة أزمة بلدٍ ما موجودًا في المكان نفسه الذي يشاهد فيه الناس خبر غيابه عن إدارة الأزمة.

 

ولو اقترب النزيل من موظف الاستقبال وسأله، من باب الفضول: «من هذا الرجل؟»، فقيل له: «إنه رئيس حكومة المغرب»، فقد يعتقد للوهلة الأولى أن هناك اجتماعًا طارئًا مع الإسبان، أو خلية أزمة سرية، أو مفاوضات لا يمكن إعلانها، ثم يكتشف أن الأمر أبسط بكثير وأشد عبثًا في الوقت نفسه، وأن المسؤول لم يأتِ لكي يحل الأزمة في إسبانيا بل جاء في زيارة خاصة بينما الأزمة لا تزال تبحث عمّن يتكلم باسم حكومته، وهنا ربما يحدق الرجل في موظف الفندق للحظات قبل أن يسأله السؤال الوحيد الذي يمكن أن يخرج من إنسان ما زال يحتفظ ببعض ثقته في المنطق: «إذا كان رئيس الحكومة هنا، فمن الذي يدير الحكومة هناك؟»، وعندها سيكون من المناسب أن يجيبه موظف الاستقبال بابتسامة مهنية: «سيدي، هذا السؤال غير مشمول في سعر الغرفة».

 

قد يكون أجمل ما في هذا المشهد المتخيّل أن أحدًا لا يحتاج إلى الاحتجاج، فالفضيحة الرمزية مكتفية بذاتها، إذ يكفي أن تبقى الشاشة تعمل وأن يبقى رئيس الحكومة في البهو وأن يستمر المذيع في البحث عن موقف الحكومة المغربية كي يتحول المكان كله إلى لوحة سريالية عنوانها: **الخبر يبحث عن المسؤول، والمسؤول يجلس أمام الخبر**، فالمواطن في سبتة يبحث عن مأوى، والأسرة في المغرب تبحث عن ابن مفقود، والصحافة تبحث عن تفسير، والمعارضة تبحث عن مسؤولية سياسية، وربما يكون رئيس الحكومة في اللحظة نفسها يبحث عن شبكة واي فاي مستقرة، وهي لحظة مساواة نادرة بين الدولة والمواطن لأن كليهما، للمرة الأولى، يتابع الأحداث من التلفزيون وينتظر أن يعرف ماذا ستقول وزارة الداخلية.

 

وربما ظلمنا المسؤول حين افترضنا أنه لم يكن يتابع الأزمة، فلعل الهاتف كان مفتوحًا، ولعل التقارير كانت تصله أولًا بأول، ولعل بين رشفة وأخرى كان يسأل باهتمام عن آخر الأرقام، وهذا في حد ذاته تطور إداري يستحق الدراسة، لأننا نكون أمام نموذج جديد في إدارة الكوارث يمكن تسميته «الحكومة عن بُعد»، وهو نظام مرن يسمح للمسؤول بأن يكون حاضرًا سياسيًا من دون أن يكون موجودًا جغرافيًا، تمامًا كما يعمل الموظف من المنزل، مع فارق بسيط هو أن الموظف العادي إذا تعطلت الشركة بسبب غيابه قد يُطلب منه العودة إلى المكتب، بينما رئيس الحكومة يستطيع نظريًا أن يكتشف أن الوطن كله أصبح مكتبه الافتراضي وأن البحر الأبيض المتوسط مجرد ممر داخلي بين غرفتي اجتماع.

 

في الدول التي تعاني من نقص الخيال السياسي، حين تقع كارثة بهذا الحجم يلغي المسؤولون رحلاتهم، ويظهرون أمام الكاميرات بوجوه متعبة، ويقدمون التعازي، ويعدون بالتحقيق، ويجيبون عن الأسئلة الثقيلة حتى لو لم تكن لديهم إجابات، أما في النموذج الأكثر تقدمًا، فإن الأزمة نفسها مطالبة بأن تتكيف مع جدول المسؤول، وأن تنتظر حتى ينتهي برنامجه، وكأن على الكارثة، قبل أن تقع، أن ترسل إلى رئاسة الحكومة طلبًا إداريًا في نسختين، مرفقًا بتاريخ وقوعها وعدد الضحايا المتوقع وخانة صغيرة تسأل: «هل يتعارض هذا الموعد مع عطلة السيد الرئيس؟»، فإن كانت الإجابة نعم، يرجى من الكارثة اختيار موعد لاحق، ويفضل خارج الموسم السياحي.

 

والحقيقة أن اختيار مايوركا تحديدًا يمنح العبث قيمة مضافة، لأن المسؤول لو كان قد اختار بلدًا بعيدًا لكان يمكن للسخرية أن تخف قليلًا، أما أن يغادر أثناء أزمة حدودية ضخمة إلى البلد الموجود على الجانب الآخر من الأزمة نفسها فذلك يشبه مدير شركة اشتعل مصنعها فيذهب لقضاء العطلة في مقر شركة التأمين التي ستتكفل بالخسائر، أو يشبه ربان سفينة تتسرب إليها المياه فينزل في أول قارب نجاة ثم يرسل للركاب من الشاطئ رسالة قصيرة يقول فيها إن الوضع تحت السيطرة، ولذلك فإن اعتراض الناس على المكان ليس جغرافيًا بقدر ما هو اعتراض على حس سياسي كان يفترض أن يقول لصاحبه، حتى لو أصر على السفر: «على الأقل، لا تذهب إلى المكان الذي ستُعرض فيه أخبار الأزمة كل خمس دقائق».

 

وربما كان أكثر مشاهد البهو قسوة أن يصل الخبر إلى فقرة الضحايا، فينخفض صوت الحديث تلقائيًا، وتنقل الشاشة صور الأسر والإنقاذ والحدود، ثم يظهر شريط عاجل يقول إن الحكومة المغربية لم تصدر بعد موقفًا واضحًا أو أن المعارضة تطالب بالتحقيق، فيرفع أحد النزلاء عينيه نحو رئيس الحكومة ثم يخفضهما في حرج، ليس لأن الرجل ارتكب أمامه جريمة، بل لأن المشهد نفسه وضعه في موقف لا يمكن تفسيره بسهولة، فهناك أوقات يصبح مجرد البقاء جالسًا فعلًا سياسيًا، كما تصبح المغادرة موقفًا، ويصبح اختيار الفندق بيانًا غير مكتوب، حتى لو لم يقصد صاحبه شيئًا من ذلك.

 

وهنا ندخل إلى المسألة الأعمق، لأن المشكلة ليست أن رئيس الحكومة أخذ إجازة، فالسياسي إنسان ويحق له أن يرتاح، ولا أن الدولة تنهار إذا غادر مسؤولها العاصمة ليومين، ولكن السياسة ليست قانونًا جنائيًا فقط، والمنصب العام ليس عقد عمل ينتهي عند الخامسة مساء، فهناك شيء يسمى الحس بالمسؤولية الرمزية، ذلك الشعور الذي يجعل المسؤول يدرك أن بعض الأفعال قد تكون قانونية تمامًا ومرفوضة سياسيًا تمامًا في الوقت نفسه، وأنه قد لا يكون مسؤولًا عن وقوع الكارثة لكنه مسؤول عن شكل حضور الدولة أثناءها، وأن المواطن حين يرى رئيس حكومته يترك البلد في اللحظة التي يبحث فيها المواطنون عن موتاهم لا يسأل أولًا إن كان السفر مخالفًا للمادة كذا من القانون، بل يسأل السؤال الأبسط والأشد خطرًا: «هل يعني لهم ما يحدث لنا شيئًا أصلًا؟».

 

وفي نظام للمحاسبة السياسية له أسنان، لا يحتاج المرء إلى انتظار لجنة قضائية لتقرير ما إذا كان السفر جريمة، لأن المسألة تبدأ قبل القانون بكثير، تبدأ من قدرة المسؤول على الوقوف أمام الجمهور والقول: أخطأت التقدير، لم يكن يجب أن أسافر، أو كان سفري مبررًا لهذه الأسباب، أو أتحمل مسؤوليتي السياسية، أما حين يغيب هذا المنطق تصبح الوظيفة الحكومية شيئًا عجيبًا لا يُحاسب صاحبه إلا إذا اعترف بنفسه بأنه مسؤول، فتحدث الأزمة ويقال لك إن الحدود من اختصاص الداخلية، وتحدث الوفيات فيقال إن التحقيق من اختصاص النيابة، ويقع خلاف مع إسبانيا فيصبح الأمر من اختصاص الخارجية، وتنهار الثقة فيقال إن هذا شأن المجتمع، وفي النهاية تكتشف أن رئيس الحكومة، الذي يحمل في اسمه كلمة «الحكومة»، ليس مسؤولًا عن أي شيء يحدث للحكومة إلا افتتاح المشاريع الناجحة والتقاط الصور الجماعية أمامها.

 

وهذه معادلة سياسية مريحة إلى حد العبقرية، فعندما يُفتتح مصنع يظهر السياسي في الصف الأول، وعندما يصل استثمار جديد تُنشر صورته، وعندما تُفتتح طريق أو محطة أو ملعب يعرف الجمهور أسماء الجميع، وعندما يتحقق نمو اقتصادي يتنافس الوزراء على نسبته، أما عندما يقع الفشل فجأة تصبح الدولة بلا أب، ويتحول القرار إلى طفل مجهول النسب تدفعه المؤسسات بينها كما تدفع الإدارات ملفًا ناقص الوثائق، الداخلية تقول إنه أمني، والخارجية تقول إنه دبلوماسي، والوزارة الأخرى تقول إنه اجتماعي، والحكومة تقول إنها تتابع الوضع، ورئيسها قد يكون يتابع الوضع فعلًا، ولكن من موقع ممتاز مطل على البحر.

 

وقد يكون أجمل تعليق ساخر ممكن على تلك اللحظة هو أن المواطن المغربي والمواطن الإسباني ورئيس الحكومة أصبحوا جميعًا متساوين أمام التلفزيون، فالجميع يرى الصور نفسها، والجميع ينتظر البيان نفسه، وربما يعلم النزيل الإسباني عبر القناة قبل أن يعرف المسؤول نفسه ما قاله مسؤول آخر في حكومته، وهذا إنجاز ديمقراطي لا ينبغي التقليل منه، لأن المعلومة أصبحت متاحة للجميع بالتساوي، الفرق الوحيد أن المواطن لا يستطيع الاتصال بوزير الداخلية إذا لم تعجبه الأخبار، بينما يفترض أن الرجل الذي يجلس قربه يستطيع ذلك، وإن لم يفعل فقد اكتشفنا أن وجود رقم الوزير في الهاتف لا يضمن وجود الدولة في اللحظة المناسبة.

 

ولعل أكثر ما يوجع في الحكاية كلها هو أن غياب المسؤول أحيانًا لا يفضح المسؤول وحده بل يفضح المنصب، إذ ماذا يعني أن تستمر البلاد في واحدة من أعقد أزماتها بينما يصبح وجود رئيس الحكومة وعدم وجوده تفصيلًا هامشيًا في إدارة المشهد، وماذا يعني أن يكون أول سؤال بعد معرفة سفره ليس «من ينوب عنه؟» بل «هل كان موجودًا أصلًا؟»، فالدولة التي يستطيع رأس حكومتها أن يختفي من المشهد أثناء أزمة وطنية من دون أن يشعر المواطن بفرق كبير لا تعاني فقط من غياب شخص، بل من تآكل معنى الوظيفة التي يشغلها.

 

ولذلك، ربما كان ينبغي أن نشكر مايوركا بدل أن نغضب منها، لأنها قدمت لنا، من دون مؤتمر أكاديمي ولا دراسة في العلوم السياسية، درسًا بصريًا شديد الاختصار عن مفهوم المسؤولية: على شاشة الفندق كانت الدولة تتحدث عن مواطنيها، وفي البهو كان أحد أعلى مسؤوليها يتابعها مثل أي نزيل آخر، وعلى مسافة أمتار بين الشاشة والأريكة انكشفت المسافة الأكبر بين المنصب ومعناه، وبين المسؤولية بوصفها لقبًا والمسؤولية بوصفها سلوكًا، وبين دولة تقول إن لها حكومة وحكومة لا يعرف المواطن متى تبدأ مسؤوليتها بالضبط.

 

ثم تنتهي النشرة، ويعود المذيع إلى خبر آخر، ويطلب السائح حسابه، ويطفئ موظف الفندق بعض الأضواء، وربما يصعد المسؤول إلى غرفته، بينما تظل الأسئلة في المغرب مستيقظة، تبحث عن قتيل لم يعد، وعن مفقود لم يتصل، وعن تفسير لم يصدر، وعن تعزية لم تُسمع، وعن شخص ما يقول ببساطة إن ما حدث يخص هذه الدولة ويخص حكومتها ويخص من يحملون ألقابها الكبيرة، فلا تجد إلا الصمت الذي أصبح في حد ذاته إجابة.

 

وهكذا يبقى المشهد، سواء حدث حرفيًا في ذلك البهو أم لم يحدث، صالحًا كاستعارة كاملة لمرحلة سياسية بأكملها:

الشاشة تعرض الكارثة،
المواطن يدفع ثمنها،
المؤسسات تتبادل الاختصاص،
والخبر، المسكين، يواصل البحث عن المسؤول…

بينما المسؤول يجلس أمام الخبر.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )