المساء اليوم - أصيلة: في الوقت الذي تدخلت فيه سلطات مدينة طنجة أخيرًا لمنع فنان فرنسي من استكمال رسم جدارية على واجهة مقهى بالمدينة القديمة، تجاهلت سلطات مدينة أصيلة ما قام به الفنان ذاته حين أقدم على رسم جدارية في المدينة على غفلة من الكل. ويسود شعور بين سكان أصيلة بأن المدينة تبدو وكأنها تعرف حالة من "السيبة"، ولم يعد فيها لا مقدمين ولا شيوخ ولا سلطات. وأثار هذا التصرف غضبا في المدينة، التي يعتبر سكانها من أكبر عشاق ومحتضني الجداريات الفنية، لكن ذلك يفترض أن يتم في ظل احترام الأعراف والقواعد وخصوصيات المدينة، لاسيما أن أصيلة تعرف منذ سنة 1978، بشكل سنوي، إنجاز جداريات فنية شارك فيها كبار الفنانين المغاربة والأجانب، بمبادرة من جمعية المحيط التي تحولت لاحقًا إلى مؤسسة منتدى أصيلة. وفتحت أصيلة ذراعيها لكل فناني العالم، لكن الفنان الفرنسي الذي حل بالمدينة راغبًا في إنجاز جدارية فنية، تصرف بعنجهية وتكبر، وفق ما تقوله مصادر من المدينة، وكأن المغرب "ما زال خاضعًا لحكم الإقامة العامة الفرنسية، معتقدا أن على الكل أن يكونوا في انتظاره وخدمته، والأغرب من ذلك أنه كتب تدوينة في تطبيق انستغرام قال فيها إنه ينتظر أن تتواصل معه مؤسسة منتدى أصيلة لإنجاز جدارية رسمية..! ويقول أحد اعضاء مؤسسة منتدى أصيلة ل" المساء اليوم" إنه جرت العادة أن يتقدم فنانون من المغرب وخارجه بطلب المشاركة في الفعالية السنوية للجداريات الفنية، وأن هناك لجنة فنية هي من تحسم في أسماء المشاركين، مشيرا إلى أن عدد الجداريات في المدينة القديمة لا يتجاوز 15 جدارية، وبالتالي لا يمكن تلبية طلبات كل من يرغب في المشاركة في هذه الفعاليات. ويضيف المصدر أنه كان حريًّا بهذا الفرنسي، الذي يعرف أن إنجاز الجداريات في أصيلة بدأ سنة 1978، أن يسأل متى تُنظَّم هذه الفعالية، لأن جداريات المدينة ليست "عمارة بلا بواب"، يضيف المصدر. وتسود قناعة في مدينة أصيلة بأن الهوية الفنية والبصرية للمدينة العتيقة يجب أن تُحمى من الجميع، سكانًا، وسلطةً، وبلديةً، ومجتمعًا مدنيًا، وإلا ستتحول المدينة إلى “قلب شقلب”. يشار إلى أنه سبق أن أقدم البعض، بتحدٍّ، على إنجاز جداريات بشكل مرتجل، دون تنسيق أو طلب رخصة، وبالتالي لم يكن بدّ من إزالتها. واعتبر المصدر أن جداريات مدينة أصيلة العتيقة "ليست مستباحة لكل من هبّ ودبّ، ولو كان فرنسيًا، وبالتالي، على القائمين على المدينة أن يأخذوا حرمة المدينة وأعرافها بعين الاعتبار". ويتخوف السكان من أن يؤدي سلوك هذا الرسام الفرنسي إلى فوضى قانونية تكمن في تجاهل القوانين والأعراف لدى إنجاز عمل فني دون ترخيص أو احترام للسياق المحلي. ويرى فنانون بالمدينة أن الفن الحقيقي غالبًا ما يحتاج إلى قدر من الحرية، لكنه أيضًا يعيش داخل مجتمع له قواعد وذاكرة وهوية. لذلك، عندما يتحول “كسر القواعد” إلى تجاهل كامل لها، قد لا يعود الأمر فنًا بقدر ما يصبح تعديًا. وفي حالة مدينة مثل أصيلة، التي راكمت تقليدًا فنيًا منظّمًا منذ عقود، فالقضية ليست ضد الفن، بل ضد الفوضى التي تُفرغ الفن من قيمته الجماعية. وصرح مصدر ل"المساء اليوم" أن الجدارية التي أنجزها الفرنسي "قد تكون لا بأس بها، لكن الجمال الفني لا يتماهى مع الفوضى. كما أن الفن قد يستخدم الفوضى كأداة، لكنه لا يبررها كتصرف".