المدرسة ضرورة حضارية

المهدي رحالي

مجموعة من الظواهر تنبئنا بها في الثمانينيات ستشعرناها في التسعينيات، والآن أصبحت المؤسسة التربوية لدى العامة تتعنون تحتها مطلع هذه الألفية، بفضل كل وسائل التواصل التي تتسم بالفورية وأحيانا بخامية المادة، أصبحت هذه الظواهر قضية تخلق استفتاءات تلتقي في سؤال واحد، هل يجب التطبيع مع ما وصلت إليه المدرسة؟

1-المدرسة، الدار الكبيرة.

المدرسة عش وبيئة مثالية لتكاثر سلوكيات وبث أفكار لمختلف المرجعيات والإيديولوجيات، طالما هذه الميزات كانت رافعة للتعريف والتحسيس بالقضايا الوطنية والمحلية والهوياتية والقومية، والتي أنتجت أجيالا هي من أوصلت المغرب لما عليه الآن من تقدم في عدة مؤشرات، تجعله قوة إقليمية وعالمية صاعدة، لكنها شهدت انقلاب على القيم والأخلاق، انقلاب تقدم كثيرا في مراحله، أصبحت المدرسة وما يحيطها حاضنة لهذه الظواهر وجعلت المدرسة خمارا يتستر به، لكن المدرسة لم تعد قادرة على احتواء هذه الأزمة، و انتقلت من موقع المبدد لأزمات ومشاكل المجتمع، إلى الاكتفاء الذاتي، والآن أصبحت مصدر أو بؤرة لهذه السلوكيات والأفكار.

2-المدرسة ضحية المجتمع

هذا الخلل بدأت علامات ظهوره منذ ان بدأت تتنازل كل من الأسرة عن التربية والمجتمع عن التنشئة، وتركت للمدرسة مهمة التربية والتنشئة والتعليم، أبلت جيدا إلى حد ما، لكن مع حلول الألفين ملامح ارتباك بدأت تتجلى، ففي تنظيرات الخبراء وتصريحات وتقارير الجهات الوصية و الشريكة لمس قلق عميق، حيث كان وزير الداخلية السابق شكيب بنموسى أنداك قد قلل من خطورة ارتفاع الجرائم في جلسة برلمانية، معتبرا أنداك: >أن أكبر نسبة من هذه الجرائم لا ترقى إلى مستوى الجرائم الخطيرة بل تهم في معظم الاحيان قضايا الانحراف أو الجرائم الصغرى<، أي نستنتج أن هذه الجرائم في متناول الفئة المراهقة، وظهرت بعدها بفترة قصيرة تقريبا بحلول 2012 ظاهرة التشرميل بالمغرب، التي ارتبطت بفئة الشباب كفاعل وضحية بنفس الوقت اعتبارا أن أعمار هذه الفئة تبدأ من 14 سنة، وفي السنوات الأخيرة عرفت المؤسسات التعليمية خصوصا السلك الثانوي، منعطفات خطيرة في سلوك التلميذ داخل و خارج المؤسسة، حيث أصبحنا نرى استفزاز للأطر التربوية، ورواج ممنوعات، و أصبحت المدرسة مكان لاستعراض أخر الصيحات والموضات.

3-المدرسة تطبع

فبالنظر في ما أصبحت المدرسة تزاح إليه، وكذلك في النظام التعليمي والخوارزمية البيداغوجية التي برمج بها هذا النظام التعليمي، نجد المدرسة بدورها أصبحت تتجنب وتهمل نقاش تقويم سلوك التلميذ في أغلب المستويات، لما تلقته من صدامات و مقاومة من بعض أولياء أمور تلاميذ عند إصدار توصيات وإلزاميات، حيث يتذرع هؤلاء الأولياء تحت حجة الحرية وأن الأسرة هي الوصية الأولى و الأخيرة خصوصا فيما يخص الهندام، حيث نتج عن ذلك تغاضي أطر عن مجموعة من المعايير والاعراف، لما تأخذه هذه النقاشات من طابع شخصي يرى الأستاذ أنه في غنى عنه، والاكتفاء فقط بتلقين المقرر و التقدم فيه، وترجمة الملاحظات على شكل نقاط الأنشطة المدمجة، والذي جعل النظام التعليمي كله يقوم على حشو التلميذ بمحتوى مقرر، يمكن تلقيب هذه المقررات بالبونوكازيون أي المتجاوزة لكن الصالحة للاستخدام.

4-المدرسة مقاربة أمنية

هذا ما جعل التعليم يؤول الى مقاربة لامتصاص طيش وتمرد المراهقة والطفولة، وليس مكون رئيسي وحقيقي يعتمد عليه في تنشئة الشخص بتربية مواطنة ومسؤولة، وليس أيضا رافعة أساسية لتحقيق التنمية البشرية، أي أصبح يتوجه لكونه مقاربة أمنية أكثر مما هو مقاربة تربوية، ما يجعل التلاميذ ضحية تطبيع من نوع آخر.

5-المدرسة تحتاج خطة جيل وليس خطة سنة أو شهادة

وبالرجوع للخوارزمية البيداغوجية التي بني بها النظام التعليمي، فأظن أنه يجب تغيرها إلى خوارزميات تركز في المرحلة الابتدائية على تربية وتقويم سلوك التلميذ أكثر من التحصيل، ثم تتحول في مرحلة الإعدادي إلى خوارزميات تركز على تطوير وتقوية التفكير والتحليل المنهجي للتلميذ لمخلف المواد والمعارف التي يتلقاها، عندها في سلك الثانوي التأهيلي يكون على أتم الاستعداد لتلقي المعرفة وخصوصا أنها تصادف مرحلة بها يتخصص التلميذ في ميولاته، بالتالي يمكن توجيه جل الترسانة البيداغوجية للتحصيل الكثيف لدى التلميذ، حيث يكون منضبطا داخل وخارج المؤسسة وعارفا بقيمة الوقت وكيفية إدارته وتدبيره، ولا يجد إشكالا في ضبطه لمواد التخصص لما له من تمكن من أدوات منهجية تعزز و تسرع فهمه للمطلوب.

6-المدرسة وجيل الضباع

والان في مطلع هذا القرن، بتنا نرى استياء الأجيال سابقة من سلوكيات هذا الجيل، حيث يلمسون ضعف وهزالة على المستوى القيمي والأخلاقي وكذلك على المستوى الهوياتي والفكري، الذي جعلهم يأخذون انطباع وقناعات، كان السبق في التنبؤ بها وتشخصيها من طرف مجموعة من أدمغة السياسة وعلم الاجتماع، كعالم الاجتماع محمد جسوس الذي أسمى هذا الجيل أنداك بجيل الضباع، وكذلك من طرف كاتب الدولة المكلف بالشباب سابقا محمد لكحص ببرنامج تلفزيوني سنة 2000، حيث شخص عبر تحليل سوسيولوجي مجموعة من الظواهر جسها وإستقرأها. حيث بتنا نرى ظواهر وسلوكيات تتعنون تحت عامل الفراغ، وحتى تطور استعمال التكنولوجيا والتعامل معها هو تطور يفرضه السياق الدولي وليس عن وعي منا او برغبة.

7-المدرسة والسجن

مؤسستان مجتمعيتان تشتركان في الغاية وتختلفان في الوسيلة، الأولى تخلق لنا مورد دخل وتغذية لمؤسسات المجتمع المادية واللامادية، والثانية تمثل أحد المؤسسات المجتمعية التي تنتزع أولا من المجتمع ضريبة الفشل في صناعة مواطن مسؤول ومنتج، قبل ان تسلب منه هو ما يدفع ليقوم سلوكه، حيث حسب معطيات للمندوبية العامة لإدارة السجون المغربية سنة 2019، نجد أن كلفة السجين تقترب 2000 درهم شهريا بينما تكلفة تلميذ تقارب 500 درهم فقط، أي تكلفة السجين تضاهي 4 تلاميذ، و بطبيعة الحال الشخص بالسجن يلحق أقل خسارة أو أقل تكلفة على المجتمع، لكن إذا ما نظرنا إلى الواقع نجد مما يستحقون تقويم السلوك وإعادة التربية على المواطنة نجد أضعاف رقم المسجونين حاليا بالسجون المغربية المقترب عددهم 90 الف، حيث مقاربة الحبس لم تعد تجدي بقدر ما أصبحت منطقة راحة لمرتادي السجون و محترفي الإجرام، بل أصبحت تصنعهم بالعشرات، هنا نستحضر قولة الفيلسوف بنجامين فرانكلين حين قال: الشيء الوحيد الأكثر كلفة من التعليم هو الجهل.

8-المدرسة، متى سترقى إلى جامعة تربوية؟

المدرسة العصرية ضرورة حضارية اعتنقها الغرب واذاعها في مستعمراته، لتجد صدا واسعا لما لها من سيولة ممنهجة في تلقين المعلومة رغم ما كانت تطبع معه أنداك، لكن حاليا نجد أن المدرسة لم تتغير وتعيد الوصال مع من كانت تحتكر التعليم قبلها التي من المفروض يجب ان تكون امتداد لها. و بالرجوع للمدرسة الحديثة نجد ان المدرسة في مقرراتها لا تزال تخضع للمقاس الواحد على الصعيد الوطني وهذا غير مستحب بمنطق الجهوية المتقدمة، هذا المنطق نزل فقط على صعيد الإدارة و في التنسيق على بعض المستويات، لكن لماذا لا نذهب بعيدا إلى المحلية المتقدمة، حيث بعض المواد المدرسية فعالة أكثر بهذه المقاربة، على سبيل المثال لا الحصر نجد أن التربية الإسلامية بتدريسها في وسط أصبح يخلق فجوة بينه و بين كل ما هو إسلامي، أي أن المسيد أو الكتاب القراني هو البيئة الطبيعية لتلقين في ظل هذا الانسلاخ الذي فصلت فيه في الفقرة 3 والذي للأسف طبعت معه، هنا قد تكون التربية الإسلامية بدروس عبر المسجد أفضل بالتشبع بها و كذلك رجوع إلى أصول المسجد، لأن تدريسها مكان غيره في ظل هذا الانحلال المتزايد بالمجتمع يعتبر تطبيع من نوع أخر، و كذلك مادة التربية البدنية أصبحنا نراها كتمارين لمحاربة الإعاقة أو ضمور العضلات أو مجرد تتبع للحالة البدنية للتلميذ، أي يجب أن تدخل المدرسة في شراكة مع النوادي الرياضية على الصعيد المحلي في حدود العرض لتبدأ في برنامج لتكوين أبطال، ففي معدل ساعات تدريس التربية البدنية يقارب الثمان ساعات شهريا، هذا البرنامج أذا استهدف المستوى الإعدادي حتى الثانوي بمعدل ست سنوات على الأكثر سيستفيد منها التلميذ، أي ما مجموعه 384 ساعة في رياضة أو رياضات يختارها التلميذ و يختص أو يركز عليها تحت إشراف الدولة، فما بالك إذا أولع بها التلميذ و أصبح يمارسها خارج إطار المؤسسة، عندها سنبدأ برؤية في كل بيت موهوبين و ذوي لياقة محترمة، هذه الرؤية ستجعل المدرسة لا تنحصر فقط في بناية عمومية او مرفق عبره تلقن الوزارة التلاميذ و أبناء الشعب، أي سترقى لجامعة تربوية تجمع عدة فاعلين بشراكة مباشرة مع المدرسة.

9-المدرسة وساعات التدريس والدراسة

نقاش الساعة الإضافية من الأكثر المواضيع الأفقية جدلا، لما يخلقه ارتباك بمجموعة من القطاعات، لكن مغرب الوسطية والاعتدال أضاف ساعة للإدارة المغربية وما يعادل نصف ساعة للمدرسة تحت تعليل حماية التلميذ من التنقل تحت جنح الظلام، لكن لماذا لا نستفيد من خصوصية شهر رمضان و التجربة التي تأخذها الأسرة التربوية و العائلات المغربية سنويا، ليتم تحويل الحصص المدرسية في كل من السلك الإعدادي و الثانوي من إطار زمني ينطلق من الساعة 8 حتى 12;14 حتى ساعة 18 إلى إطار ينطلق و يستمر مباشرة من 8 إلى 14 أو حتى 14:30 كمراعات لوجبة غذائية خفيفة، هذا الإطار زمني بمعادلة حسابية بسيطة 6 ساعات في ست أيام سيعطي 36 ساعة تدريس للتلميذ، و مع اعتماد أربع ساعات او ساعتين فقط يوم الجمعة كمراعات لصلاة الجمعة نجد 32 ساعة في الأسبوع التي هي بالضبط متوسط ساعات الدراسة في السلك الثانوية، هذا الإطار سيفتح للتلميذ أفاق وقت فعال للهويات والاهتمامات و الاحتكاك بالمجتمع المدني الذي هو أيضا فاعل مهم في تأطر الشباب و التلاميذ، فالعمل الجمعوي هو أفضل تنزيل لما هو نظري ويربي التلميذ على تربية مواطنة، تربية ليست نظرية بل تربية تطبيقية يعول الجميع و جميع الأطراف و الفاعلين، هذا أيضا يعزز من جعل المدرسة جامعة تربوية بتنازلها على احتكار عامل الزمن للتلميذ.

10-المدرسة و الفرنسة

من أكثر نقاط التعليم التي تعرضت للنقاش، هذه النقاشات تلتقي مخراجتها في تلاث إجابات اللغة: الفرنسية إختيار إستراتيجي يعتبر التموقع الدولي و العمق القاري ومكان اللغة داخل البلاد، اللغة الفرنسية إرث إستعماري، الفراغ البيداغوجي للغة الأم وغياب لباقي اللغات يجعل اللغة الفرنسية المرشح الوحيد لتدريس العلوم و بعض المواد المدرسية، في جميع الحالات نجد ان إعتماد اللغة الفرنسية مسألة وقت، و إعمادها هو هدر للزمن التربوي او العلمي و الإجتماعي و السياسي، حيث هذا الإبقاء يضرب عرض الحائط منطق السبق و إستشراف الأفق، بل أصبح عدم تقبل لواقع فرضته التنافسية الدولية على الصعيد الإقتصادي و السياسي و العلمي و الثقافي، و كذلك إحتقار للغة هي من اغنى و اروع اللغات على الإطلاق، فلماذا لا ينشأ معهد او مؤسسة تساعد على أن يكون لها الإشعاع على الصعيد العربي، لتوحيد المصطلحات العلمية و تجديدها وإدخال الجديدة المعجم العربي، فلا يوجد في نظري أفضل من التدريس بلغة التنشئة دون إهمال ما يوجبه البحث العلمي بالعالم من تمكن من اللغات.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 3 )

  1. المهندس الاستشاري علاوي الدراجي :

    مقال رائع ومسهب ودقيق في تناول مسيرة التربية والتعليم في المغرب والذي يشبه ماتعاني منه بقية البلاد العربيه وان اختلفت المدخلات والتي تستقي محاورها من ذلك الواقع لطبيعة السكان
    اذن هي رؤيه تحليليه بحثيه ذات تناول صادق وجريء يقتضي الوقوف عندها من قبل اصحاب القرار
    بوركتم استاذ🌹🙏

    0
  2. Med drayaf :

    مقال رائع والموضوع اروع

    0
  3. فكوري سعيد :

    السلام عليكم السيد المهدي ، موضوع المدرسة مهم جدا ، انا لست محلا لكن املك فكرتي فيما يخص المدرسة،
    والمقاربة المعتمدة لوصكم المدرسة وتفاعلها مع محيطها وتطورها مع الزمن واقعي.
    اظن ان إضافة المدرسة ودور العائلةليس في التدريس لكن في التشجيع والمواكبة
    هذا فيما يهم الوصف، يجب التحليل اكثر، وخاصة فيما يهم المدرسة وافاق النجاح في الحياة المعنية ، طرق الادماج والتكوين المستمر …
    كما يجب تحليل طرق التدريس ببرامجه وعدد أشهر التدريس انا اظن ان العطلة الصيفية يجب أن لا تقل على 3 أشهر حتى يتمكن التلامد من القيام باشطة أخرى ومساعدة العائلة حتى يحس التلميد بأن الآباء يشتغلون طول السنة لتوفير الجو المناسب لأبنائهم لمتابعة الدراسة

    0