المساء اليوم: لم تكن أسرة بن مبارك المتواضعة، تعلم أنها ستحتضن جوهرة سوداء بين جدران بيتها البسيط بالدار البيضاء، جوهرة رأت النور في 16 يونيو 1917، لتقدم إلى العالم بعد سنوات من ذلك عروضا فنية لا تضاهى، معارضها كانت المستطيل الأخضر. الطفل العربي، الذي ولد وترعرع في مدينة يكبلها الاستعمار، ويحتفظ لنفسه بكل المواهب، لم يمنعه الفقر والعوائق الأسرية من اللقاء على الدوام ولو سرا بالصديق الأزلي "كرة القدم"، فبين الدروب وفوق الميادين المتربة، صقل العربي موهبته، متحديا رفض أخيه الدائم لما يراه "مضيعة للوقت"، حيث كان يهدف لتعليمه حرفة أبيه النجارة. لكن إصرار العربي، مهد له الطريق باكرا للعب في فريق مغربي هو "إيديال كازابلانكا" موسم 1934 / 1935، الذي كان محظوظا بصم أسطورة مستقبلية، ولاعب متكامل مهاريا وبدنيا، لكن بعد عام واحد سيخطفه فريق أكبر واعرق، بعدما لم تخطئه النظرة الثاقبة لرئيسه الفرنسي بيرنار، ليجاور العربي فريق الاتحاد الرياضي المغربي ما بين سنتي 1935 و1938، بل إنه لعب للفريق الأول انطلاقا من موسمه الثاني معه، وهو ابن 19 سنة. موهبة مثل العربي، التي أبهرت المتتبعين، وجعلت الآلاف يهتفون باسم الشاب الأسمر، كان لا بد للفرنسيين من خطفها، ففي سنة 1937، واجه فريق من خيرة لاعبي الدار البيضاء، المنتخب الفرنسي الرديف، وبعد هذه المباراة لم تعر الصحف الفرنسية أهمية كبيرة لانتصار فريقها الشاب برباعية مقابل هدفين، لكنها ركزت على الشاب المغربي الموهوب الذي اختارته أفضل لاعب في المباراة، وبعد أقل من سنة على ذلك، انتقل العربي بن مبارك إلى فريق "أولمبيك مرسيليا"، الذي كان مجرد متابعته على المدرجات حلما يراود العربي، ليكون أول لاعب عربي يجاور هذا الفريق الكبير، ومن هناك ستتجه إليه أنظار المنتخب الفرنسي الأول، الذي استدعاه لتمثيله لأول مرة سنة 1938. لم يقدر للعربي أن يستمر طويلا مع مارسيليا الذي جاوره لموسم واحد (1938/1939)، إذ فرضت الحرب العالمية الثانية وقوفا اضطراريا لأكبر المسابقات الأوروبية، ليعود إلى المغرب ويجاور فريقه السابق الاتحاد الرياضي المغربي، ما بين سنتي 1940 و1945، ومباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عاد العربي، وقد اختمرت تجربه، إلى فرنسا ليجاور فريق "ستاد باريس" الذي كان يمارس في القسم الثاني، لكنه استطاع بعد موسم واحد من ضم بن مبارك، الصعود للدرجة الأولى والبروز بقوة وسط أندية عملاقة، الأمر الذي سمح للاعب المغربي الذي بدأ يتقدم في السن، بإبراز موهبته للعالم. ويبدو أن فريقا إسبانيا عريقا وجد ضالته أخيرا، ففي سنة 1948، عرض فريق أتليتيكو مدريد على الفريق الباريسي 17 مليون فرنك فرنسي لانتداب هدافه الذي سجل له 43 هدفا في 69 مباراة، ورغم أن الجمهور الفرنسي اعترض بشدة، إلا أن نادي ستاد لم يستطع مقاومة إغراء العرض الإسباني. انتقالُ بن مبارك خارج فرنسا رغم وجود عرض من فريقه السابق مارسيليا، شكل صدمة للفرنسيين الذي ظلوا يرفضون انتقال الموهبة المغربية، حتى إن إحدى الصحف عنونت حول هذا الموضوع "بيعوا برج إيفل أو قوص النصر.. لكن لا تبعوا بن مبارك"!. وكما كان الأمر في ففرنسا، ساعد اللاعب العربي الأول الذي يمارس في الليغا الإسبانية فريقه الجديد "أتليتيكو مدريد" على استعادة أمجاده والظفر بلقب البطولة عامين متتالين، سنتي 1950 و1951، ولعب معه 113 مباراة من سنة 1948 إلى 1953، سجل خلالها 56 هدفا. بعد سنوات التألق في إسبانيا سيعود العربي إلى فريقه الفرنسي الأول أولمبيك مرسيليا، الذي لعب له ما بين 1953 و1955، ومثله في 32 مناسبة، سجل خلالها 13 هدفا، لتكون تلك آخر محطة احترافية له، قبل أن يخوض تجربة فريدة لسنة واحدة مع فريق الاتحاد الرياضي لسيدي بلعباس الجزائري، اعتزل بعدها كرة القدم، مودعا جمهوره الذي طالما هتف باسمه. قبل أن يلج مجال التدريب إلى غاية بداية الستينات، حيث درب ناديي الاتحاد الرباطي، والنجم الرياضي البيضاوي. مثل العربي بن مبارك المنتخب الفرنسي 18 مناسبة، وسجل 3 أهداف، ولم تسعفه ظروف الحرب العالمية الثانية على البروز في أكبر مسرح كروي عالمي، بعد إلغاء تنظيم مونديال 1942 و1946، لكن ما ميز بن مبارك أثناء تمثيله للمنتخب الفرنسي هو تمسكه بهويته وأصله المغربي. بن مبارك، النجم الذي قال عنه ملك الملاعب البرازيلي "بيلي" "لو كنت أنا الملك، فإن بن مبارك هو أكثر من ذلك"، هذا النجم الذي أقامت وسائل الإعلام الفرنسية استطلاع رأي شارك فيه عشرات الآلاف لاختيار لقب له قبل أن يتفق على تلقيبه بالجوهرة السوداء، عاش حياته منسيا في وطنه داخل شقة متواضعة لا يتذكره أحد، ولو بالتفاتة تكريم رمزية، قبل أن يفارق الحياة في 16 شتنبر 1992 بالدار البيضاء، حيث بقيت جثته لثلاثة أيام إلى أن بدأت تتعفن، هنالك فقط علم الناس أن "الجوهرة السوداء" اندثرت، وللمفارقة الغريبة، ففي الوقت الذي كان يدفن فيه بن مبارك في صمت بين أهله، كان فريق أتليتيكو مدريد يضرب مثلا في الإخلاص، عندما قرر قبل إحدى مبارياته، أن يضع صورة عملاقة لنجمه السابق على السبورة الإليكترونية، ويقف دقيقة صمت اعترافا له بعطاءاته.